«أدباء» قليلو الأدب

«أدباء» قليلو الأدب

خصصت منابر إعلامية فرنسية صفحات كثيرة للمغرب، منها مجلات متخصصة في الأدب والفكر والتاريخ، وأخرى متخصصة في السياحة أو الملابس، ونجد في كل منها محاولات للاحتفاء بالثقافة المغربية، لكنه احتفاء فيه اختزال خطير، ومنها مثلا المجلة النسائية «الرسمي L’Officiel» طبعة المغرب، والتي خصصت للمغرب عددا خاصا من 12 صفحة، استضافت فيه من تعتبرهم ممثلين للثقافة المغربية، الاسم الأول هو «عبد الله الطايع» الذي كل «مجده» الأدبي شيده فوق حكيه عن تجاربه الجنسية الشاذة خلال مراهقته في سلا وكيف كانت والدته تجبره على شرب بولها، والثاني هو «ليلى السليماني» إحدى الفتيات المدللات اللواتي ولدن بملعقة من ذهب في أفواههن، وهما الشخصيتان اللتان ظهرتا على غلاف المجلة يظهر فيها الطايع يضع قبلة على خد السليماني.
ومن يقرأ الحوار سيتساءل إن كان ما يقوله هذان الشخصان يمثل ثقافة المغاربة، لأنه سيجد نفسه أمام شخصين يمكن أن نجد 66 مليون نسخة منهما في فرنسا، وهو العدد الرسمي لسكانها، فالمجلة التي قدمتهما على أنهما مغربيان، ويفترض أن يكونا ناطقين باسم «تامغاربيت»، انقلبا إرضاء للفرنسيين الذين منحوهما الجنسية الفرنسية، على الثقافة المغربية بشكل كامل وأدانوها بجميع أنواع الإدانات والتحقير، ومنها مثلا أننا شعب يملك ثقافة تضطهد الشذوذ الجنسي، لذلك عاود الطايع نفس الحكايات السابقة التي ملأ بها الدنيا هناك، والتي تروي تاريخ شذوذه هنا، وتاريخ «اضطهاد مؤخرته» وهو الفقير المعدم، فهذا الشاب الذي غادر المغرب قبل أكثر من عشرين سنة، قدمته المجلة على أنه رسول الحرية في ثقافة لا تؤمن بالحرية، بل ووصفته بـ «النور الحقيقي للمغرب»، بدليل كما تقول المجلة أنه «أول كاتب عربي يعترف في كتبه وفي الإعلام بشذوذه الجنسي»، ولنركز هنا على توصيف عربي، علما أن هذا الشخص غادر المغرب منذ سنوات وحصل على الجنسية الفرنسية ويكتبون له بلغتها، ومع ذلك يصر الإعلام الفرنسي على الاستمرار في وصفه بـ«العربي»، وفي هذا التوصيف حكم قيمة مسبق غير بريء يصوره كـ «مضطهد»، وهي الصورة التي استثمرها بشكل جيد «وكلا بها الخبز» مزيان، لأنه أينما حل وارتحل إلا ويحكي عن معاناة الشواذ في المغرب، لكنه لم ينبس بكلمة واحدة يوما عن الاضطهاد الذي أضحى يعانيه المغاربة في الإدارات والأماكن العامة في فرنسا «الحريات» بسبب موجة الإسلاموفوبيا، بل ذهبت المجلة نفسها إلى حد القول بأن الطايع مهدد في حياته في المغرب، لآرائه «الشجاعة»، فالمجلة لم تذكر إطلاقا الانفتاح السياسي الكبير والمشهود الذي حدث في المغرب قبل عقدين تقريبا، والذي وسع بشكل كبير من هوامش الحرية السياسية والثقافية، ولو قاموا فقط بمسح سريع لما يكتبه عموم المغاربة، بصورهم وأسمائهم، في مواقع التواصل الاجتماعي مثلا لعرفوا أن الطايع ليس مضطهدا وليس ممثلا لثقافة المغاربة، بل هو مجرد شخص يعرف كيف «يعيش بمؤخرته»، ومن الطبيعي أن يكون عقله هناك وبالتالي لا يرى ولا يسمع ولا يدرك إلا ما يتعلق بها دون غيرها مما يلاحظه عباد الله الأسوياء.
المجلة ذاتها استضافت ليلى السليماني، التي حصلت مؤخرا على جائزة غونكور عن رواية تحكي فيها معاناة امرأة شبقية مدمنة على الجنس، فهذه الشابة التي لم تر قط المغرب الحقيقي، بدءا من طفولتها في حي السويسي الراقي وصولا إلى دراستها في ثانوية ديكارت، استضافتها المجلة الشهيرة وأيضا معرض الكتاب بباريس على أنها ناطقة باسم ثقافة المغرب مع أنها لم تعرف عنه شيئا ولم تقرأ كتابا واحدا بالعربية لتقدم ما تسميه تشخيصا لواقع التخلف الذي تعيش فيه ثقافتنا، بدليل أن المجلة قدمت السليماني على أنها تواجه ثقافة وقيم ودين بلدها، والسؤال الذي يطرح هو ماذا يعني أن تأتي بشخص ليتكلم باسم ثقافة يكرهها ؟ كيف يمكنه أن يكون موضوعيا في نقل عناصر الاختلاف وهو يعتبر الثقافة الفرنسية هي رمز الحرية والديموقراطية والحداثة، فيما ثقافته الأصلية هي رمز البداوة والبربرية والتوحش والتخلف ؟
إنها النزعة الاستعمارية التي لم تفارق الفرنسيين في نظرتهم لنا، وهي النزعة التي تتلون بحسب المقامات والأحوال، لكنها تبقى دوما هي نفسها، فـ «ليوطي» مات وأضحى رفاتا هناك، بينما حفدته هنا يملؤون الدنيا صياحا وكذبا وبهتانا على ثقافة بلدهم، فقط من أجل أن تتم استضافتهم في القنوات والمجلات ليبرهنوا للفرنسيين كم نحن مختلفين إلى درجة التخلف، وكم نحن في حاجة لنهج أسلوبهم، مع أن هذا لا يجعلنا أمة ذات ثقافة أخرى، بل فقط أمة فرنسية من درجة ثانية، لذلك نجد أن المجلة تعتبر كل أنواع السخرية التي يقوم بها الطايع والسليماني ضد ثقافتهما على أنها دروس ينبغي أن نستلهمها من عبقريتهما الإبداعية، معتبرة أنهما يمثلان «مغرب الأنوار»، ففرنسا التي تقدم أنوارها في رموز أمثال جون جاك روسو ومونتسكيو وفولتير وديدرو، وتضع أسماءهم في شوارع كل المدن والحدائق وتعمل على نشر ملايين النسخ المختصرة والمبسطة لأفكارهم، هي نفسها فرنسا التي تعتبر شاذا جنسيا كارها لبلده، حول مؤخرته إلى أصل تجاري لبناء مجده الأدبي، وشابة لم تبارح قط حيها الراقي في السويسي عندما كانت في المغرب، وتعمل ليل نهار على سب المغرب وانتقاد ثقافة المغاربة والسخرية منهم، هما اللذان يمثلان الأنوار الحقيقية للمغرب، لذلك فهما، تقول المجلة، «كلما أطلا على المغرب من ضفاف أبو رقراق إلا ورأيا الظلم والاستبداد وغياب العدالة»، مضيفة أنه «مغرب يشكو اضطرابا معقدا»، وليس لهما من شيء إلا الأمل والقلم لتغيير الواقع.
وكأني بهما ملكان شفافان خلقا في بلد مليء بالشياطين ويعملان على تغييره.
المجلة نشرت في العدد ما أسمته دردشة بين الطايع والسليماني حيث اشتكيا من كونهما لا يقدران على اللقاء في المغرب بالرغم من أنهما ينحدران من مدينتين متجاورتين هما الرباط وسلا، بسبب الهوة بين الفقراء والأغنياء، لينتقلا مباشرة إلى إهانة المغرب والمغاربة، إرضاء للمجلة وتوجهها الاستعماري، ومنها أن «المغرب لا يسمح بالاختلاط بين الجنسين، ولولا باريس لما كتب لهما اللقاء»، «باريس التي احتضنت معجزة اللقاء بينهما»، وتستمر هذه الدردشة على هذا المنوال، إذ في مقابل المغرب الأسود والظلامي والمتخلف، المغرب الذي يهمش الفقراء هناك باريس الأنوار والحرية والمعجزات، وكأني بفرنسا لا فقر ولا عنصرية ولا ظلم فيها مع أنها البلد الذي أصبح يذوق فيه المهاجرون والفرنسيون من أصول عربية وإفريقية الحنظل يوميا بسبب العنصرية، ووصلت الوقاحة بهذين الشخصين أن شكرا باريس على أن حققت لهما معجزة اللقاء في الوقت الذي يمنع المغرب ذلك، لأن باريس بالنسبة لهما هي الهوية والملجأ في حين يشعران في المغرب بأنهما في المنفى، فـ «باريس التي سمحت لهما باللقاء ليست هي المغرب الذي يفرض غرامة على كل ذكر وأنثى يمشيان في الشارع»، تقول السليماني وهي تتحدث عن تجربة تقول إنها حدثت لها، هكذا تنقل ما هو في الأصل قد يكون مجرد تجربة شخصية إلى أن تصبح قاعدة عامة ومعممة على المغرب، بل وصلت بها الوقاحة إلى حد اتهام كل أفراد الشرطة المغربية بالارتشاء مقابل التغاضي عن العلاقات الغرامية بين الشباب.
إذن لنفترض أن من يقرأ مثل هذا الكلام، لم يزر المغرب قط، ويريد أن يتعرف من باب «التثاقف» على ثقافة المغرب، فإنه سيتصورنا على أننا لا نختلف كثيرا عن أفغانستان أيام طالبان، لكوننا نمنع اختلاط الجنسين ونضرب النساء في الشوارع دون حسيب أو رقيب ونحتقر الفقراء والمعدومين، بينما في باريس نجد الحرية والإنسان، وحتى إذا أشعرك فرنسي بأنك أجنبي فما كاين باس «ce n’est pas grave»، كما قال الطايع في هذه الدردشة.
هكذا يصر هذا المغربي الذي يتكلم باسمنا على التهويل من كل السلبيات الموجودة في بلده واستصغار السلبيات الموجودة في «فرنسا المثالية» كما سماها، العجيب هنا هو أن نجد هذين المغربيين يقولان في فرنسا ما لا يقوله الفرنسيون أنفسهم عن بلدهم، وإلا كم هو عدد الفرنسيين الذين يصفون بلادهم بكونها مثالية وأنها أرض الأحلام ؟
طبعا من زار هذا البلد وعاشر مواطنيه ولو لمدة صغيرة سيعرف نوع المهمة التي يؤديها هذان الشخصان، إنهما يخدمان ثقافة أسيادهما وينقصان من شأن ثقافة بلدهما، لأن هذا الأسلوب أثبت بالملموس بأنه مربح لهما، لأنه هو مصدر الجوائز الأدبية والأموال الطائلة التي تمنح لهما من القنوات المختلفة التي تستضيفهما ليشتما ثقافة المغرب والمغاربة.
هذه صورة مختصرة عن الطريقة التي آثرت بها فرنسا أن تحتفي بالمغرب كـ «ضيف شرف»، لقد اختارت فقط أن ترى نفسها فينا ولم تختر من هم فعلا يمثلون الثقافة المغربية، اختارت أن تحتفي بنا بطريقة خاصة، احتفاء بطعم الشتيمة والإهانة والكذب على المغرب والمغاربة، في مقابل وصف شاذ وبنت الفشوش الراغبة في تقبيل صديقها في الشارع بحرية بأنهما «أنوار المغرب»، وإذا كان «بحال هادو هوما الضو فاللهم الظلام».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة