MGPAP_Top

أربعة محاور للقلق

مع نهاية شهر غشت، تكتمل عودة الطيور الخليجية القادمة إلى ربوع لندن لقضاء إجازتها السنوية إلى أعشاشها، و«ماي فير» و«ماربل آرتش» شبه خالية، أو بالأحرى أقل ازدحاما، ولا أثر فيها لزئير سيارات «الفيراري» و«لمبرغيني» الفخمة التي تحمل لوحات خليجية، ولأن السياح الخليجيين يأتون إلى عواصم أوروبا من أبوابها الرئيسية، وليس كباقي معظم العرب، مثل السوريين والعراقيين والفلسطينيين والمغاربة الذين يأتونها في قوارب الموت أو في الشاحنات المبردة، فإنهم يغادرونها من أبوابها أو مطاراتها أيضا حتى قدوم صيف آخر.
اللقاءات مع بعض الزملاء الخليجيين، وبقايا الأصدقاء منهم خاصة، ممتعة وحافلة بالنقاشات العلمية والموضوعية حول شؤون المنطقة العربية، ومستقبل الخليج على وجه الخصوص، وسط الحروب الطائفية تحت مسميات ثورات الربيع العربي، وأعترف أنهم أوسع صدرا من حكوماتهم، وبعضهم أكثر علما وانفتاحا وموضوعية من الكثير من مسؤوليهم، يستمعون للرأي الآخر بكل أريحية، ويحترمون أدب الاختلاف، ولا يترددون مطلقا في التعبير عن وجهات نظرهم دون خوف.
في هذه اللقاءات هناك حالة من القلق يمكن رصدها من خلال النقاشات والحوارات تتمحور حول مجموعة من القضايا الرئيسية:
الأولى: الوضع الاقتصادي المتدهور والناتج عن انخفاض أسعار النفط إلى أكثر من النصف، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية ومجتمعية.
الثانية: الحرب في اليمن التي دخلت شهرها السادس، وتغرق فيها دول خليجية بشكل متسارع، وتتفاقم فيها التكلفة المالية والبشرية.
الثالثة: الصراع الطائفي مع إيران ومحورها الذي ينعكس حروبا في اليمن وسورية والعراق، وكيفية التعاطي معه، أو الخروج من دائرته، أو حتى تقليص أخطاره وخسائره إذا أمكن.
الرابعة: تصاعد خطر الجماعات الجهادية الاسلامية المتشددة وتهديده للأنظمة القائمة، ليس في الخليج فقط، وإنما في المحيط الإقليمي برمته.
أحد المفكرين الخليجيين الكبار قال في أحد الحوارات أن انخفاض أسعار النفط إلى أقل من خمسين دولارا للبرميل أمر مقلق دون أدنى شك، ولكن ما هو مقلق أكثر هو بدء انحسار دور النفط، ومنطقة الخليج بالتالي في السياسة الدولية، فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، وسحبت البساط من تحت أقدام السعودية، وبات إنتاجها من النفط الصخري وحده (10 مليون برميل يوميا) يوازي الإنتاج السعودي، وقال المفكر نفسه، وهو سعودي، أن تراجع مكانة النفط عالميا يعني تراجع مكانة وأهمية منطقة الخليج على المديين المتوسط والبعيد، الأمر الذي يجب أخذه في الحسبان.
في تقرير أصدره مصرف «سيتي بانك» الأمريكي حول وضع المملكة العربية السعودية الاقتصادي، جاء فيه أن الدخل من عوائد النفط انخفض بحوالي 42 بالمئة تقريبا، وأن العجز في الميزانية يبلغ 130 مليار دولار، وأن الاحتياط المالي السعودي الذي يصل إلى 670 مليار دولار قد يتبخر في حوالي ثلاث سنوات، إذا استمر الإنفاق الحكومي في مستوياته الحالية، فهناك جوانب إنفاق عديدة غير مذكورة في الميزانية العامة للدولة مثل نفقات الاستخبارات والحروب في سورية واليمن والعراق، والمساعدات لمصر ودول أخرى، ومخصصات الأمراء وأبناء الأسرة الحاكمة، والقائمة طويلة.
الانهيار المالي في الصين في الأسبوع الماضي أدى إلى خسائر كبيرة في الأسواق الخليجية، وبورصة السعودية وحدها خسرت حوالي 50 مليار ريال في اليومين الأولين، وهبطت تحت حاجز ثمانية آلاف نقطة النفسي، ويعتقد المغرد السعودي المعروف «مجتهد»، الذي غالبا ما تصدق أخباره، أن من أسباب الانخفاض إعطاء الأمير محمد بن سلمان رئيس المجلس الاقتصادي السعودي وولي العهد تعليمات إلى كل من صندوق التقاعد، وصندوق الاستثمار الحكوميين ببيع حصص كبيرة من أسهمها لتوفير السيولة للإنفاق الحكومي، ويتنبأ «مجتهد» بأن تكون الخطوة المقبلة بيع أسهم شركات الدولة الكبرى، مثل «سابك» و«الكهرباء» و«الاتصالات» للغرض نفسه.
ويجادل كتاب من المقربين للسلطة بأن الدولة السعودية تجاوزت أزمة أكبر عام 1997 – 1998 عندما انخفض سعر النفط إلى أقل من عشرة دولارات وستتجاوز قطعا الأزمة الحالية، لكن الفارق كبير، فأسعار النفط لم تصل في حينها إلى ما يقرب من 140 دولارا للبرميل، ولم تكن الدولة ملزمة بمشاريع إسكان ضخمة لإرضاء المواطنين وامتصاص عضبهم، وخلق وظائف جديدة للشباب، وتقديم دعم أكبر للمواد الأساسية، مثل المحروقات التي يصل دعمها إلى حوالي 50 مليار دولار سنويا، علاوة على ازدياد الاستهلاك بسبب تضاعف عدد السكان ثلاث مرات.
ويعترف محلل سياسي سعودي معروف في أحد النقاشات أن القلق الخليجي والسعودي بالذات حول الخطر الإيراني وتغلغل النفوذ الإيراني في اليمن مبالغ فيه، وهذه المبالغة أدت إلى الوقوع في مصيدة حرب استنزاف طويلة قد تمتد لعشر سنوات، إن لم يكن أكثر، ويتفق مع الآراء التي تقول بأن تصعيد الموقف المطالب برحيل الرئيس بشار الأسد في سورية بالطريقة التي يتم فيها، ربما يفتقد إلى الحكمة ولا يجب أن يكون علنيا بالصورة التي جاء عليها، لأنه يفرض قيودا على الحركة السياسية السعودية تجعل التراجع والمرونة صعبين للغاية.
ويظل خطر الجماعات الجهادية التحدي الأكبر للدول الخليجية وحكوماتها، وهناك إجماع حول هذه النقطة مع كل الكتاب والمفكرين الخليجيين الزائرين إلى لندن، ولا نستطيع ذكر أسمائهم، ولمح أحدهم إلى أن الاستعدادات لمواجهة هذا الخطر ما زالت محدودة بسبب الانشغال بالحروب في اليمن وسورية والعراق وليبيا أولا، وقوة هذه التنظيمات وتمتعها بدعم كبير في أوساط الشباب الخليجي، وسيطرتها وأنصارها على وسائل التواصل الاجتماعي، فالحرب في اليمن تحولت إلى ثلاث حروب على سبيل المثال، واحدة ضد التحالف «الحوثي الصالحي»، وثانية ضد «القاعدة»، وثالثة ضد «الدولة الاسلامية»، صحيح أن الحرب ضد التنظيمين الأخيرين لم تبدأ بعد، ولكنها قادمة حتما، فأي مدينة «تحررها» القوات السعودية والإماراتية في الجنوب اليمني تسيطر عليها قوات هذين التنظيمين فورا.
انتهى موسم الإجازة الصيفية، وانتهى قبله شهر رمضان، وبدأ المسؤولون الخليجيون يعودون لمواجهة واقع مختلف كليا، ونكاد نجزم بأن السعوديين منهم الأكثر قلقا، ليس بسبب كيفية التعاطي مع العوائد النفطية المتراجعة، وانعدام شبه كامل للسيولة، ومخاطر اللجوء إلى التقشف كأحد البدائل لمواجهة هذه الأزمة، وإنما لاقتراب موسم الحج حيث يأتي التهديد من جهتين هذه المرة: «الدولة الاسلامية» وإيران.
الخيار الوحيد المتاح أمام حكومات دول الخليج أو معظمها يمكن تلخيصه في بضعة كلمات: إما تغيير جدي للسياسات الحالية المتبعة، وإما مواجهة اضطرابات داخلية لاحقا، ولا نبالغ مطلقا إذا قلنا أن الكثير من الكتاب والمحللين الخليجيين الذين التقيناهم هذا الصيف لم يختلفوا مع هذه النتيجة أو الخاتمة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة