GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

أسرار صناعة الطيارين بالمغرب

أسرار صناعة الطيارين بالمغرب

شاركت طائرات عسكرية في حرب الرمال، حصل عليها المغرب في ظروف مستعجلة بعد أن كانت الطائرات السوفياتية من طراز MIG هي كل ما تتوفر عليه البلاد. سنة بعد حرب الرمال، أي 1964 سيصبح الطيران العسكري مستقلا بنفسه، وسيتوجه الطيارون المغاربة إلى أمريكا لتلقي التكوين. بعدها ستُضرب الطائرة الملكية سنة 1972، ويعيد الملك النظر في طائراته المقاتلة. كيف توالت كل هذه الأحداث؟ إنه تاريخ عريض من حروب الجو.

هكذا تحطمت أولى الطائرات العسكرية في المغرب!
قبل أن يشارك المغرب في عمليات عسكرية مع دول أخرى، كالعملية الأخيرة التي تحطمت خلالها مقاتلة مغربية، فيما لا يزال مصير الطيار المغربي مجهولا. كان المغرب قد بدأ أولى استعمالاته للطائرات العسكرية مبكرا، في وقت كانت فيه دول عربية كثيرة لا تتوفر بعد على طائرات.
المقاتلات المغربية التي شاركت في حرب الرمال والمواجهات مع الجزائريين في مناطق النزاع الحدودي، كانت مزيجا من طائرات أمريكية وسوفياتية.
أي أن المغرب لم يكن ليخرج على السياق العام الدولي وقتها، وهو الصراع بين أمريكا والاتحاد السوفياتي، في إطار الحرب الباردة التي وزعت العالم بين المعسكرين الشرقي والغربي.
في وقت مبكر، دائما، كان المغرب قد بدأ يتوفر على طيارين من طراز رفيع، تكونوا بين المغرب حيث تعلموا التحليق على يد الفرنسيين، وبين فرنسا حيث تلقى أغلبهم الدروس النظرية في الطيران لمدة ثلاث سنوات. لتكون سنة 1959، سنة استثنائية بالنسبة للكثيرين ممن أسسوا أسطول الطيارين العسكريين بالمغرب.
في بداية الستينات، لم يكن في المغرب جهاز طيران عسكري مستقل، ليكون الطيارون بذلك ملحقين بالجهاز العسكري، يتدربون بطائرات مقاتلة سوفياتية، مع بداية اهتمام الأمريكيين باستقطاب المغرب للاهتمام أكثر بهذا المجال.
سنة 1960، سجل أرشيف تحطم الطائرات عبر العالم، أول تحطم لطائرة عسكرية مغربية، بالضبط في 17 غشت من سنة 1960. الطائرة كانت من طراز LANCASTER 1 WV-26 تحطمت قرب منطقة «القلعة».
لا يقدم الأرشيف أي تفاصيل أخرى، واكتفى بإدراج الطائرة العسكرية التي تحطمت في المغرب، وكانت تحت إشراف القوات الفرنسية في ذلك التاريخ، في جدول مرفق بجميع حوادث تحطم الطائرات العسكرية عبر العالم سنوات الستينات.
سنرى في هذا الملف كواليس استئثار الأمريكيين بأمر الإشراف على الطيران العسكري بالمغرب، وكيف أن أمريكا سحبت البساط من تحت أرجل الاتحاد السوفياتي الذي استرجع طائراته المقاتلة من طراز «MIG» سنة 1965، ليبقى سوق الاستثمار في الطائرات العسكرية التي سيقتنيها المغرب انطلاقا من ذلك التاريخ، حكرا على أمريكا وفرنسا.
في تلك السنة دائما، تشكل أبرز عرض عسكري للطائرات المقاتلة التي اقتناها المغرب. كان رائجا أن الطائرات المغربية التي استعملت سنة 1963 كانت عاملا قويا في حسم حرب الرمال لصالح المغرب، لكن الحديث الفعلي عن سلاح الطيران في المغرب جاء سنة بعد ذلك، أي في 1964.
أصبح لزاما على نخبة الطيارين المغاربة أن يتلقوا تكوينا متقدما في مجال الطيران العسكري، ولن تكون الوجهة لتخرج عن اختيار الولايات المتحدة الأمريكية. ليس لأنها كانت رائدة في المجال فحسب، بل لأنها كانت حليفا عسكريا للمغرب وطائراتها العسكرية تشكل نسبة كبيرة من الطائرات العسكرية التي توفر عليها المغرب وقتها.
ستكون نهاية الستينات، مرحلة مهمة في تاريخ الطيران العسكري في المغرب، لأنها شكلت الفترة التي عاد فيها الطيارون الذين توجهوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتدرب على الطيران. وفور وصولهم إلى المغرب تم توجيههم إلى القاعدة الجوية في القنيطرة، وستتطور الأمور هناك بشكل متصاعد إلى أن تبدأ سنوات السبعينات التي ستغير كل شيء في تلك القاعدة.
سيكون لفشل انقلاب الصخيرات تأثير كبير على القاعدة الجوية، لأن الجنرال أوفقير سيعقد اتفاقا مع المشرف الذي أصبح يتحكم في القاعدة الجوية، بعد أن رقاه بنفسه، ليصبح أمقران وآخرون تيارا للجنرال أوفقير داخل سلاح الطيران.
ضربة صيف 1972، كانت موجعة للغاية، وستعيد رسم معالم الطيران العسكري بالمغرب، بعد فشل انقلاب الطائرة الملكية. لن يكون من المجدي إعادة تدوير استعراض تفاصيل الانقلاب الذي ألحق أضرارا جسيمة بطائرة الملك الحسن الثاني، لكن من تفاصيله ما أثر على مسار الطيران العسكري في المغرب، ليكون له ما سيكون بعد سنة 1972 إلى اليوم.
هل كان لسقوط الطائرة العسكرية في أجواء اليمن هذه الأيام، وقع في نفوس المغاربة؟ لا أحد نسي أن المغرب يتوفر على خيرة الطيارين العسكريين وعلى أحدث الطائرات العسكرية المقاتلة التي حصل عليها المغرب من خلال صفقات معلنة تداولت أخبارها كبريات الصحف في العالم.
بعد المشاركة في «عاصفة الحزم» عسكريا، لا بد أن نرجع إلى تاريخ الطيران العسكري في المغرب، وكواليس غير معروفة عن الطيارين الأوائل، وظروف اقتناء الطائرات العسكرية الأولى في المغرب.

هذه قصة أول طائرة عسكرية حصل عليها المغرب
في نهاية الخمسينات، وفور حصول المغرب على الاستقلال، كانت الاستعدادات على قدم وساق لتجهيز الأجيال الأولى من الشبان المغاربة الذين سيصبحون طيارين في ما بعد. في سنة 1956، كانت هناك اتصالات مع المسؤولين الفرنسيين في المدرسة العسكرية بمراكش، وعلى خلفية تلك الاتصالات تم اختيار نخبة من التلاميذ العسكريين المغاربة، ليتوجهوا إلى فرنسا لتلقي أولى الدروس النظرية في عالم الطيران.
ركزوا جيدا على كلمة «النظرية»، ففرنسا لم توفر للعسكريين المغاربة على أرضها سوى التكوين النظري، وبعض تجارب الطيران بطائرات خفيفة للتدرب على التحليق. على أساس أن يتمكنوا من التحليق في المدرسة العسكرية بالمغرب، والتي كان جل أطرها فرنسيين أيضا.
حسب الموقع الرسمي لمؤسسة الأمن العالمي، فإن الطيران العسكري المغربي، كما هو موثق لديها، لم يبدأ إلا في نهاية الخمسينات، مع تخرج الفوجين الأول والثاني من المدرسة العسكرية بمراكش وإنهاء سنوات الدراسة النظرية في فرنسا، والتي لم تتجاوز مدتها ثلاث سنوات. ليشكل هؤلاء الشباب بعد هذا التاريخ النواة الأولى للطيران العسكري المغربي. لكن الحديث عن جهاز مستقل للطيران، لم يكن إلا سنة 1964، حيث أعلن رسميا عن القوات العسكرية الجوية كجهاز مستقل.
وقتها، كان طبيعيا أن يشهد الطيران العسكري المغربي توسعا في العدة والعتاد. إذا عدنا إلى أرشيف الخارجية الأمريكية والاتحاد السوفياتي سابقا، سنجد مراسلات وصفت وقتها بالسرية، قبل أن تصنف في الأرشيف بعد أزيد من 40 سنة على تقادمها، وجلها يتحدث عن منافسة شرسة بين الأمريكيين والسوفيات، بخصوص تزويد المغرب بالطائرات العسكرية.
أولى الطائرات التي حصل عليها المغرب في هذا المجال، كانت من طراز «الميغ»، التي كانت تابعة وقتها للاتحاد السوفياتي. سنة 1959، كان المغرب قد بدأ يتحرك جويا بفضل النواة الأولى للتلاميذ الذين تلقوا الدروس النظرية في فرنسا، وبدأوا التدرب على الطيران العسكري في المغرب على يد خبراء فرنسيين. حصول المغرب على طائرة الميغ السوفياتية، أقلق الفرنسيين، وحتى الحلفاء الأمريكيين، الذين لم يستسيغوا ما اعتبروه تقربا سوفياتيا من المغرب. لكن الطيارين المغاربة على كل حال، تدربوا على الطيران بطائرة مقاتلة متقدمة جدا في ذلك الوقت.
صالح حشاد، الطيار المغربي الذي سيتفوق على كبار الطيارين الأمريكيين خلال سنوات الستينات، وسيتورط في الانقلاب العسكري الثاني على الطائرة الملكية، كان واحدا أوائل الطيارين المغاربة الذين جربوا الطيران بالميغ السوفياتية الصنع، وربما، رغم النهاية المأساوية لمساره المهني في سلاح الجو، كان محظوظا لأنه كان آخر من حلّق بالميغ السوفياتية سنة 1956.
حسب التجربة التي عاشها ورواها، فإنه كان مشاركا في الاستعراض الجوي الذي أقيم في المغرب بحضور ممثلين عن فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وهو الحفل الذي أعلن للعالم أن الطيران المغربي سيتحالف ابتداء من ذلك التاريخ مع فرنسا وأمريكا. لذلك كان على السوفيات أن يستعيدوا طائراتهم المقاتلة التي سلموها إلى المغرب في وقت سابق.
لكن قبل أن نتحدث عن الاستعراض الجوي لسنة 1965، والذي سيكون محطة حاسمة في تاريخ الطيران العسكري المغربي، دعونا أولا نتحدث عن حرب الرمال. لأنها كانت واحدة من أولى المناسبات التي استعملت فيها طائرات عسكرية مقاتلة لقصف الأهداف العسكرية في منطقة التوتر بين المغرب والجزائر.

كواليس الضربات الأولى من الطيران المغربي لأهداف حقيقية
تتبعت الدول الكبرى كل ما وقع في حرب الرمال. سنة 1963، كانت الجزائر قد دخلت في «سوء الفهم الكبير» مع المغرب. وتقول التقارير التي أرخت لتلك الحرب أن كل شيء بدأ عندما دخلت القوات الجزائرية إلى منطقة حدودية تابعة للمغرب، وأحدثت أضرارا مادية جسيمة هناك، وهو ما شكل استفزازا صريحا للمغرب، خصوصا وأن سياسيين ودبلوماسيين مغاربة كانوا على اتصال وقتها مع قادة جزائريين. الكلمة في الجزائر كانت للعسكر، لذلك كان الرد العسكري أمرا مطلوبا في ذلك الوقت.
حسب مصادر كثيرة، فإن الضربات العسكرية الجوية المغربية شكلت حافزا مهما لتحويل الحرب لصالح المغرب على حساب الجزائر. خصوصا أن الأخيرة كانت تعاني فقرا كبيرا على مستوى البنيات التحتية وتراجعا عسكريا كبيرا مقارنة مع القدرات العسكرية للمغرب، وهو ما ساهم في حسم نتيجة الحرب في وقت مبكر.
راج أيضا أن المغرب، تلقى دعما من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل سلاح الجو المغربي على طائرات عسكرية مقاتلة أمريكية وجهت فور تسلمها لقصف أهداف في منطقة الصراع وفي النفوذ الجزائري أيضا.
لم يتأكد استعمال المغرب للميغ السوفياتية المقاتلة في حرب الرمال، لكن الطائرات العسكرية الأمريكية الطراز، شوهدت وهي تضرب أهدافا عسكرية جزائرية، سرعت من وتيرة حسم الحرب لصالح المغرب.
كان الأمر ليكون مضحكا لو أن الطيران العسكري المغربي استسلم لإغراءات السوفيات، في فترة الحرب الباردة، لأن الجزائر ستصبح مقربة من المعسكر الشرقي بعد تلك الأحداث، فيما سيصبح المغرب على علاقة وطيدة بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، في المجال العسكري، والطيران الحربي على وجه الخصوص.

هل كان مقدرا لانقلاب الطائرة الملكية أن يبدأ من أمريكا؟
جل الذين «تورطوا» وشاركوا في انقلاب الطائرة الملكية سنة 1972، كانوا قد مروا من الولايات المتحدة الأمريكية. إن لم يكونوا قد حلقوا فوق صحاري الغرب الأمريكي، فإنهم لا شك، تدربوا على إطلاق الصواريخ، ومباغتة الطائرات الأخرى، وحتى الخفر الجوي وتأمين الطائرات الكبيرة أثناء تنقلها جوا.
حسب بعض المواقع الرسمية للمؤسسات العسكرية الأمريكية، فإن التداريب التي خضع لها طيارون وعسكريون من دول أخرى، فوق تراب الولايات المتحدة الأمريكية وسمائها، كان من باب التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما كانت تعتبره أمريكا تعزيزا لقوتها.
لا شيء كان بالمجان. فأمريكا، بتدريبها لطيارين مغاربة، كانت قد ضمنت لنفسها علاقة وطيدة مع المغرب، وضمانا لاقتنائه لأحدث المعدات العسكرية في مجال الطيران الجوي، يكون طياروه قد تدربوا على استعمالها في وقت سابق داخل الولايات المتحدة الأمريكية، قبل تسليمها إلى المغرب.
في سنة 1967، كان بعض الطيارين المغاربة يتدربون في القواعد الجوية الأمريكية على التحليق بالطائرات العسكرية الحديثة واستعمال تقنيات تسليحها.
أي أن التكوين لم يكن ليقتصر على الطيارين وحدهم، بل حتى على مستوى التقنيين الذين يزودون الطائرات بالصواريخ.
في أواخر الستينات كان المغرب يتوفر على أسطول كامل من الطائرات المقاتلة الحديثة بمعايير ذلك الوقت، وفرق متكاملة من الطيارين والعاملين على الأرض لتزويد الطائرات وفحصها وصيانتها.
هؤلاء جميعا بدأوا بداية شبيهة ببداية صالح حشاد الذي تحدثنا عنه في البداية. جلهم جاؤوا من المناطق الهامشية، ودرسوا في المستوى الثانوي خلال سنوات الخمسينات، قبل أن يفطن أساتذتهم إلى أنهم بارعون في الرياضيات، ويتم توجيههم نحو التكوين العسكري، وإرسالهم ليعودوا ضباطا من فرنسا، مباشرة إلى مراكش، ليتخرج منهم الطيارون والتقنيون.
هؤلاء، أو نخبتهم على الأصح، كان عليهم أن يتوجهوا إلى أمريكا، نهاية الستينات، لينافسوا الطيارين والتقنيين الأمريكيين.
يسجل أرشيف الطيران الأمريكي، مناورات عسكرية تعود إلى نهاية الستينات، شارك فيها الطيار المغربي صالح حشاد، إلى جانب أمهر الطيارين الأمريكيين. حتى حشاد نفسه كان يقول إنه واحد من المغاربة القلائل، الذين تمكنوا من اجتياز الاختبارات جميعها ليصبح من النخبة التي تدربت على يد الخبراء الأمريكيين. لكن وقت عودته إلى المغرب قد حل بالضبط عندما انتهت جميع الاختبارات.
وهكذا عاد امبارك الطويل، الذي كان في فوج سابق، رفقة بعض التقنيين وطيارين آخرين، والذي سيلقى فيما بعد مصيرا مشابها لمصير صالح حشاد، بعد تورط الجميع في المحاولة الانقلابية الثانية التي استهدفت الطائرة الملكية جوا. هؤلاء عادوا جميعا إلى المغرب نهاية الستينات، واحتضنتهم القاعدة الجوية في مدينة القنيطرة، والتي ستصبح مسرحا لأحداث 1972. السنة التي شكلت منعطفا حاسما في تاريخ الطيران المغربي ككل.
بعد سنوات طويلة على الانقلاب، يقول «ضحاياه» والمشاركون فيه أو المتورطون، لا يهم، إن القدر وضعهم في المكان الخطأ في الزمن الخطأ، وأن الذين خططوا ودبروا، انتهوا قبل أن تظهر نتيجة الانقلاب حتى. وهكذا بدا أمر التكوين الذي تلقوه في أمريكا، نقمة كبيرة، حولت حياتهم إلى جحيم، بعد أن ابتسمت لهم الدنيا ذات ستينات.

الاستعراض الأول لمقدرة المغاربة على الطيران العسكري
لم يكن الأمر يحتاج إلى كثير من الذكاء لفهمه، خصوصا لدى الاتحاد السوفياتي. فالمغرب كان حليفا استراتيجيا لفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يمكن أن يميل في اتجاه المعسكر الشرقي. لذلك فإن الاستعراض العسكري الجوي الأول بالمغرب، لم يكن ليخرج عن هذا السياق.
كان الحسن الثاني يومها، أي سنة 1965، يشرف على الاستعدادات الأخيرة للمنصة التي ستحتضنه وضيوفه الكبار الذين سيتتبعون أول عرض جوي لطائرات مقاتلة. سيتم التحليق بطائرة الميغ السوفياتية للمرة الأخيرة، لتودع رسميا الأسطول الجوي للمقاتلات المغربية، وستعوض بمقاتلات أمريكية، كانت إلى وقت قريب قد بدأت في تشكيل النواة الأولى للمقاتلات التي يتوفر عليها سلاح الطيران المغربي.
لم يكن الحسن الثاني يومها قلقا بشأن مصير علاقته بالسوفيات، لأن الكفة كانت راجحة في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية التي دعمت الأسطول الجوي المغربي أكثر مما دعمه السوفيات.
كانت الطائرات السوفياتية عبارة عن مقاتلة حربية من طراز «ميغ» 17، و21، ثم 15 و12. أكثرها تطورا على الإطلاق كانت حاضرة في الاستعراض العسكري لسنة 1965، لتطير في «تحليقة» الوداع ويصبح الأسطول المغربي منذ ذلك التاريخ مزيجا من أقوى الطائرات المقاتلة الأمريكية والفرنسية.
مفاجأة الحاضرين كانت كبيرة عندما اكشتفوا أن الذين حلقوا بالطائرات في سماء الاستعراض كانوا مغاربة وليس أجانب كما ظن البعض.
مع وجود المدرسة العسكرية بمراكش، والتي تخرج منها أقدم العسكريين المغاربة الذين تحكموا في الجهاز العسكري سنوات الستينات والسبعينات تحت إشراف أطر فرنسيين وقلة من المغاربة، ظن الجميع أن الأمر يتعلق بخبراء فرنسيين في الطيران أرادوا الترفيه عن الحاضرين، والقيام بحركات بهلوانية في السماء لإبهار الملك وضيوفه الأمريكيين.
لكن الأمر في الحقيقة كان يتعلق بالفوجين الأولين من الطيارين المغاربة الذين تلقوا تكوينهم العسكري سنة 1957 في فرنسا، وعادوا إلى المغرب للتدرب على أولى المقاتلات التي حصل عليها المغرب سنة 1960.
بعد انتهاء العرض، كانت دهشة الحاضرين كبيرة، عندما اصطف هؤلاء الطيارون، للقاء الملك الحسن الثاني، لتتبدد ظنون من كانوا يعتقدون أن الأمر يتعلق بطيارين أجانب، خصوصا وأن العرض لاقى نجاحا كبيرا.
1965، ستكون سنة استثنائية في تاريخ الطيران العسكري في المغرب، لأن ثلة من الذين شاركوا في الاستعراض، سيتوجهون إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتلقي تكوين مكثف رفقة طيارين أمريكيين.
في الكواليس، يعلم الخبراء جيدا أن الأمر لم يكن يتعلق بحسنة أمريكية، أو رغبة في منح المغرب خبرة عسكرية في مجال الطيران. بعد انسحاب السوفيات من المنافسة، لم يتبق أمام الولايات المتحدة الأمريكية ومعها فرنسا، إلا العمل على عقد صفقات السلاح مع المغرب، ولأن الطائرات العسكرية المقاتلة الأمريكية كانت تُستحدث مع كل إصدار لطراز جديد، فإن تكوين الطيارين المغاربة للتحليق بها، كان أمرا مطلوبا.

الكفاءات المغربية التي عصف بها انقلاب الطائرة الملكية
في سنة 2009، توفي واحد من أكثر تقنيي الطيران شهرة في مغرب السبعينات. مساره العسكري في الطيران لا يخرج عن السياق الذي نتحدث عنه الآن. اسمه إدريس الدغوغي، وكان واحدا من أكثر التقنيين خبرة في مجال الطيران. اختصاصه، كان في برج المراقبة. ويقول المقربون منه لـ»الأخبار» إن المطار المدني كان يلجأ إلى خدماته في أوقات الذروة، لتنظيم هبوط الطائرات على المدرج، في مطار النواصر. كان هذا خلال نهاية الستينات وفي بداية السبعينات.
التكوين والتداريب التي تلقاها في الولايات المتحدة الأمريكية، جعلت الأمريكيين يستشعرون أن قدراته كانت كبيرة، وأن لديه من التركيز ما يكفي للإشراف على إقلاع وهبوط المقاتلات العسكرية حتى في أحلك الظروف وأكثرها صعوبة.
هذه القدرات جرته ليكون واحدا من المدانين في انقلاب الطائرة الملكية سنة 1972، خصوصا وأن وضعه داخل القاعدة الجوية في القنيطرة، كان مريحا للغاية، مع السياسة التي نهجت داخل القاعدة بعد انقلاب الصخيرات سنة 1971، وبالعناية الكبيرة التي أولاها الجنرال أوفقير للعاملين، والتعيينات الأخيرة التي حدثت في القاعدة الجوية أشهرا قبل الانقلاب.
تفاصيل كثيرة، تعكس كيف أن إشراف الجنرال أوفقير على ما كان يطلق عليه وقتها وزارة الدفاع، أفضت إلى انتعاش كبير في صفوف سلاح الطيران تحديدا.
فسر البعض الأمر وقتها على أنه جفاء تجاه العسكريين بعد التورط في انقلاب الصخيرات، واهتمام بالطيارين والعاملين في القاعدة الجوية، لكن التاريخ كشف فيما بعد أن الأمر لم يكن يتعلق إلا بالإعداد لانقلاب آخر.
سيرحل أمقران وآخرون، ممن أوكل إليهم الجنرال أوفقير مهام الإشراف على القاعدة الجوية، وسيبقى مصير الطيارين والتقنيين معلقا.
لنعد إلى إدريس الدغوغي، فلهذا الأخير قصة تستحق أن تروى. إذا كان صالح حشاد وامبارك الطويل، وطيارون آخرون، قد صرحوا بأنهم كانوا من أمهر مغاربة الجو، وكانوا محظوظين لأنهم تلقوا تكوينهم في الولايات المتحدة الأمريكية وشهد لهم الأمريكيون بالنبوغ، فإن إدريس الدغوغي كان حبيس الظل، ولم يتعرف عليه المتابعون حتى بعد وفاته.
على العكس، كان معروفا داخل القاعدة الجوية بالقنيطرة، بأنه رجل الأزمات الذي يتولى مهمة الإشراف على نزول الطائرات المقاتلة مهما تشابكت الخطوط وفي أصعب الظروف الجوية وحتى الحربية. قلنا إن المطار كان يلجأ إلى خدماته أكثر من مرة، حسب ما علمته «الأخبار» من معارفه القدامى، حيث كانت تأتي سيارة خاصة لاصطحابه من القاعدة الجوية في القنيطرة ليتولى مهام تسيير برج المراقبة والإشراف على تأمين نزول الطائرات المدنية في ساعات الذروة.
سنة 1972 كان في برج المراقبة يراقب صعود الطائرات العسكرية إلى السماء، ولم يكن ربما ليشك لحظة، كالآخرين، أن تلك الطائرات ستكتب منعطفا عنيفا من تاريخ المغرب، وواحدة من أصعب الأيام التي مر بها الملك الراحل الحسن الثاني.
سيكون يومها على الطيران المغربي أن يتوقف كليا، لتعاد هيكلة كل شيء من جديد.
مما يروى عن الدغوغي، أنه عاد بعد رحلة العمر إلى تزمامارت، إلى مدينة سيدي سليمان ليستقر بها إلى آخر أيامه، بعد أن دخل في خلوة في برج صغير بناه بنفسه، شبيه ببرج مراقبة، قبل أن تهدمه السلطات لأنه يدخل في إطار البناء العشوائي. وانتهت حياته سنة 2009، مودعا شغفا كبيرا كان يسكنه، يتعلق بفن لا يتقنه الكثيرون، وهو التحكم في برج المراقبة العسكري للطائرات المقاتلة.

كيف وصل محمد القباج إلى هرم الطيران العسكري
تتبع العالم كله أحداث «انقلاب الطائرة الملكية» ورصد الخبراء منذ ذلك التاريخ، براعة الطيار المغربي، الذي أبانت التحقيقات أن طائرته لم تكن مسلحة لقصف طائرة الملك الحسن الثاني. كان الأمر يتعلق بصالح حشاد، الذي تفوق على الطيارين الأمريكيين في عقر دارهم، وتنبأ له المشرفون على التكوين بمستقبل زاهر.
هذا المستقبل الزاهر كان عليه أن يتحول رأسا على عقب بعد أحداث ذلك الانقلاب.
طيارون قلة في العالم، يستطيعون ملاحقة طائرة كبيرة، كالطائرة الملكية، قادمة بسرعة، كتلك التي جاءت بها من أوروبا في اتجاه المغرب، وأن يلحق بها فور دخولها إلى المجال الجوي المغربي عبر طنجة، ويحلق إلى جانبها بطائرة عسكرية مقاتلة، انطلقت من القنيطرة.
الأمر ليس عاديا، ويحتاج إلى طيار خبير لإنجاز مهمة مشابهة. عموما فإن صالح حشاد لقي نفس مصير أصدقائه الطيارين، ليلحقوا بالمتورطين في انقلاب الصخيرات.
في الجهة الأخرى من الأحداث، كان الطيار محمد القباج، يقود الطائرة التي تقل الملك الحسن الثاني، ولولا براعته الكبيرة في التحكم بالطائرة في ظروف مشابهة، لما كتب لها النجاة.
طيار بارع لم يكن مسلحا، تورط في إلحاق سرب من الطائرات المقاتلة بطائرة مدنية قادمة بسرعة من نقطة بعيدة، في مواجهة طيار لا يقل براعة، استطاع النزول أرضا بطائرة كبيرة، دمرت أغلب تجهيزاتها ومعداتها.
بعد انتهاء الانقلاب، تم تعيين الطيار محمد القباج، مشرفا على الطيران، وأصبح مفتشا للقوات الجوية، وهو ما اعتبر وقتها ترقية مستحقة.
الأمريكيون كان لديهم موقف إيجابي من الترقية التي حصل عليها محمد القباج، واعتبروا أن «الطيران المغربي وُلد من جديد سنة 1972 في ظل القيادة الدينامية للقباج». هكذا جاء التعليق في تقرير نشرته مؤسسة الأمن القومي، على التحول الذي شهده الطيران المغربي بعد تورط بعض عناصره في المحاولة الانقلابية التي استهدفت الطائرة الملكية.
في الحرب على البوليساريو سنوات السبعينات والثمانينات، شكلت الطائرات الأمريكية أسطولا قويا قاده الطيارون المغاربة لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الانفاصاليين.
ويقول نفس التقرير الرسمي، إنه في العام 1977، تقدم المغرب بطلب إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على طائرات مقاتلة متطورة، من طراز OV-10 وF-5E، بالإضافة إلى طائرات من طراز Fixed –wing وCOBRA وإلى طائرات هيلكوبتر متطورة استعملت في الحرب مع البوليساريو في نفس الفترة، وأمنت تنقل القوات العسكرية المغربية من الثكنات إلى أماكن المواجهات مع مقاتلي البوليساريو.
توالت بعد ذلك اتفاقيات وصفقات حصل بموجبها الطيران المغربي على طائرات مقاتلة في فترات متفرقة ما بين التسعينات و2009 ثم 2012. ليتزود الأسطول المغربي بطائرات مقاتلة وأخرى للاستعمال في عمليات المساعدات والإنزال العسكري.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة