أسرة «أبو أيمن»

أسرة «أبو أيمن»

نجحت في السنة الرابعة إعدادي بامتياز أيضا.. حزت على جائزتين في هذا العام.. لكن الذي حصل بعد هذا كان شيئا فظيعا لا يمكن فهمه على الإطلاق… قررت مرة أخرى أن أتوقف عن الدراسة.. حار الأصدقاء والجيران والأقرباء في هذا الأمر.. توسل الجميع إلي لأكمل دراستي الثانوية لكن دون فائدة.. توسلت إلي جارتنا «حليمة» بكل ما تملك من وسائل الإغراء لكن لم تفلح في ذلك.. وعدتني بأنها ستمنحني المال وتشتري لي الملابس.. وتصحبني إلى المدينة.. ووو… حزنت «حليمة» لذلك وقاطعتني مدة طويلة، بل خاصمني الجميع بما فيهم جارتنا «لالة فطومة» وابنها «أبو أيمن» وبنتها «فاطمة»..
توقفت سنوات عن الدراسة في الصف الابتدائي لأشتغل مع «علال» ولأتعرف على الحياة «الحميمة» للكاريان.. وتوقفت عن التعليم في الصف الإعدادي لأتعرف على عالم جديد اسمه «الحركة الإسلامية»…
كانت تسكن على يميننا «لالة فطومة».. أرملة لها ولد وبنت.. كانت الأم يضرب بها المثل في الاستقامة والعفة والتفاني في تربية ولديها.. كنت أتساءل دائما لماذا لا تذهب هذه المرأة إلى «الخياط».. المنطق الفاسد يقتضي أن تأخذ قسطا من المتعة عنده لأنها تعيش بدون رجل يؤنسها.. هكذا فكرتُ.. وبالرغم من ذلك، فقد حرصت على أن تكون امرأة طاهرة.. لا ترفع صوتها ولا بصرها في حضرة الرجال..
أعجب لامرأة متزوجة تخرق حصانة نفسها وتمرغ شرفها في وحل «الخياط».. ومطلقة تحفظ نفسها من دخول جحر الذئب.. إنه تناقض يحير عقل طفل صغير مثلي.. عجبت لعفة «لالة فطومة».. كَبُرَتْ في عيني.. فضَّلَت أن تشتغل خادمة في بيوت الأغنياء على أن تبيع عفتها في سوق النخاسة الرخيص.. حرصت كل الحرص على تعليم ولدها «أبو أيمن» وبنتها «فاطمة».. كنا نسمع في ذلك الحين أنه تخرج «أستاذا للعلوم».. وأخته تتابع دراستها في الكلية.. تغسل الأم «وسخ» الناس ليتعلم الولدان في الجامعة..
«لالة فطومة» امرأة عظيمة مثل أمي.. نحيفة جدا.. طويلة القامة.. لها وشم في ذقنها على شكل خط مستقيم في اتجاه صدرها.. وفي خديها على شكل نجمتين صغيرتين.. شديدة البياض.. يحمَرُّ وجهها عند الحديث مع الرجال.. قليلة الكلام عكس جارتنا على اليسار «لالة خديجة».. تخفي «ذات اليمين» وجهها عندما تذهب في الصباح إلى العمل.. لا أدري لماذا ولم أسألها يوما عن سبب ذلك!! لا تنام قبل أن ينام الجميع.. وتستيقظ قبيل انبلاج الصبح.. كدٌّ في كدٍّ.. وجدٌّ في جدٍّ..
أحاول أن أتقرب من ابنها «أبو أيمن».. شاب عريض الجسم.. وسيم الوجه.. تَزَيَّنَ بلحية خفيفة شديدة السواد مع سحنة بيضاء.. مثل أمه لا يحيد بصره عن الأرض.. ولا تفارق محياه ابتسامة عريضة يوزعها بسخاء على الجميع.. أتحين كل فرصة لأحظى بمصافحته أو السلام عليه عن بعد.. شاب جسور جدا.. يتحدر من أصول (…) جسمه كله نشاط وحيوية.. يناقش بقلق وانفعال.. أسمعه يقرأ دون فتور القرآن من بعد صلاة الفجر وبعد العشاء عندما يبيت في الكاريان.. له صوت مبحوح يزيد قراءاته خشوعا ووقارا.. أما على يسارنا، فيقرأ دائما «عبد الباسط عبد الصمد» سورة «الكهف» كل صباح يوم جمعة عند «لالة خديجة»..
في بداية حياتنا في المدينة، اعتقدت ـ ربما واهما ـ أن الشياطين تسكن عن شمائلنا.. والملائكة عن أيماننا.. لا أعرف لماذا أصبحت نفسي تميل إلى أصحاب اليمين.. تميل إلى «فطومة» وولدها.. وقلبي على عكس من ذلك يميل إلى جهة اليسار.. يريد «حليمة».. أما «فاطمة»، فكانت شابة محترمة تدرس «الإسلام» في الجامعة.. اختارت الحجاب حيث لا يُرَى منها إلا «الوجه» و«اليدين».. لأول مرة في الحياة سأتعرف على الحجاب.. سمعتها يوما تقول: إن على المرأة أن تستر مفاتنها.. «حليمة» وأمها لا تعيران لذلك اهتماما.. كانا يمعنان في إظهار كل مستور من جسدهما.. و«فطومة» وابنتها تصران على تغطية كل شيء يظهر منهما.. يعتقدان أنهما يتقربان بذلك إلى الله.. أما والدتي العظيمة، فهي تغطي رأسها وجسدها دون أن تفكر يوما أن ذلك يسمى «حجابا».. تفعل ذلك بالفطرة.. ولم نناقش قط هذا الأمر عندما كنا في البادية.. أختي «زينب» تغطي جسدها ولا تضع «الفولار» على رأسها..
أعجبتني الطريقة التي تعيش بها أسرة «فطومة».. هدوء تام.. لا تكاد تسمع عندهم إلا هَمْساً.. الأم تذهب إلى العمل والولدان يقضيان كل يومهما في ما يشغلهما.. أعجبني أكثر «أبو أيمن».. أستاذ محترم.. عكس جارنا «عبد الرزاق» تماما.. هذا الأخير لا هدف له في الحياة سوى شرب الحشيش والخمر والعربدة في الليل.. لم أعد أطيق الجلوس معه في زاوية منزلنا.. أما «حسن»، فكان يسكن تقريبا في «البلدية» لكثرة انشغالاته..
ذات مرة سألني «الأستاذ أبو أيمن» وبدت على وجهه كل علامات الاستغراب:
ـ ليس من مصلحتك يا فلان مخالطة هذا الطائش (يقصد عبد الرزاق)؟؟
أجبته دون تفكير وبطريقة فجة كالعادة:
ـ وما المانع في ذلك؟ أليس عبدا من عباد الله؟؟
ردَّ علي الشاب المحترم وقد شعر بنوع من الحرج:
ـ أنت تلميذ ذكي.. وشجاع.. وابن أسرة شريفة ومتدينة.. سيؤثر عليك هذا المنحرف لا محالة.. إنه يريد أن تكون مثله.. أحذرك يا فلان من أن تذهب حياتك هباء وتندم في المستقبل على ذلك..
قلت له وأنا أشعر بالغرور:
ـ لا تخف علي يا «فلان» أنا أكبر من أن يؤثر علي «عبد الرزاق».. فهو شاب لطيف وكريم.. أطلبْ من الله أن يعفو عنه..
انتبه « أبو أيمن» إلى أن حديثه معي لن يفضي إلى نتيجة.. وأنه سيدخل معي في جدال لن ينتهي أبدا، فغير من موضوع الحديث وقال:
ـ حسناً.. سأراك لاحقا.. فكِّر مليّاً في موضوع دراستك، فهو أمر هام جدّاً في حياتك.. يمكنني أن أساعدك كثيرا في هذا الجانب..
طريقة نقاشه غيرت من مزاجي الحاد وشجعتني أكثر على الانفتاح تجاهه.. تقوت رغبتي في التعرف عليه.. طمعت في صداقته لأنه كان لدي شغف كبير للقراءة.. خصوصا وأني في هذه الفترة توقفت عن الدراسة لمدة عامين..
مرت الأيام.. والأيام.. والشهور.. وأنا أتسكع في «الكاريان».. خبرت فيه كل شيء.. وسئمت فيه كل شيء..
أخيرا هبَّت علي نسائم جديدة.. وتاقت نفسي إلى التميز مرة أخرى.. وزاد شوقي إلى تغيير حياتي والبحث عن شيء غير مسبوق.. وكان ما كان…
قررت ذات يوم ودون تخطيط أو تفكير أن أذهب إلى مسجد الكاريان.. ولا أدري ليومنا هذا ما الذي حملني على ذلك مع أن أسرتي كلها تؤدي الصلوات.. ووالدي يصلي صلاته كلها في المسجد.. ومع ذلك لم أفكر يوما في الصلاة.. لأني بكل بساطة لا يمكن أن أعمل عملا دون اقتناع بجدواه..
بنى الناس مسجدا متواضعا على هامش «الكاريان».. أمامه مباشرة يضع الأهالي كل مخلفاتهم الآدمية.. فعربات «البلدية» لا تصل إلى المكان لجمع الأزبال.. ولم يهتم أي منتخب أو معيَّنٍ بالأمر.. حتى جارنا «حسن» لا تهمه نظافة المحيط.. وأمه «لالة خديجة» تساهم بدورها في تلويث البيئة.. والدتي أيضا تضع أمام المسجد كل ما فضل عن أكلنا وكل شيء لم يعد قابلا للاستعمال.. توجد أمام المسجد مساحة شاسعة يكاد طَرْحُ الأزبال فيها أن يغطي معظمها.. وما بقي منها تحوَّل إلى مربط للخيل، لأن غالبية الأهالي يملكون عربات ذات أحصنة.. تنطلق هذه العربات الخشبية في الصباح في كل اتجاه.. وتعود في آخر النهار من كل صوب لتأخذ مكانا لها أمام المسجد.. تلتهم الخيل والبغال والحمير والأبقار كل شيء يراكمه الناس في مطرح النفايات.. تأكل حتى المخلفات البلاستيكية من شدة الجوع.. اختلط أخيرا روث البهائم مع «الفضلات» الآدمية وتحول الكل إلى حزام ملوث ناسف يحيط بالمسجد من كل النواحي..
لماذا توجد أرض طاهرة يلتقي فيها المؤمنون برب العالمين وسط «زبالة» جمعت كل «عفن» الدنيا؟؟ لم ينتبه أحد إلى ذلك!!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *