أصل الصراع حول تقنين زراعة الكيف

أصل الصراع حول تقنين زراعة الكيف

«أصل الصراع حول تقنين زراعة نبتة الكيف تنبأ به مغامر اسكتلندي، كان يحلم بالحصول على ترخيص حصري لتسويق الكيف المغربي إلى الخارج. كتابات أخرى عن الثورات والجوع وأبرز الأسماء التي صنعت تاريخ منطقة الريف.. كيف استطاعت بعض الأسماء أن تحظى بمكانات اعتبارية في المغرب بعد ركوبها على الشعبية الكبيرة التي حظيت بها من أبناء الريف الفقراء، ليصنعوا تاريخا حابلا بالأسرار..»؟

التاريخ المنسي للعنات التي عصفت بشمال المغرب
في الريف جرت أكثر الأحداث دموية. ليس في الأمر أي مبالغة، لكن ما وقع فعلا أن دماء كثيرة أهرقت باسم السياسة، أو الانتصار لأرض الريف ضد الغزو الأجنبي.
لذلك بقي ملف الريف شائكا بعد حصول المغرب على الاستقلال. وجرت تحت النهر مياه كثيرة. لن نتحدث هنا عن أحداث نهاية الخمسينات، ولن نتحدث أيضا عن الحرب الكيماوية التي باشرتها إسبانيا على الريف، في الوقت الذي كانت فيه فرنسا تبسط نفوذها على باقي مناطق المغرب.
سنتحدث عن ورقة سقطت أو أسقطت من تاريخنا الجماعي، ولا يفضل الباحثون العودة إليها. قبل أن يأتي زمن محمد بن عبد الكريم الخطابي، وقبل أن يكون هناك صراع مع إسبانيا وقبل أن يكون هناك حديث عن المنطقة الخليفية، وما وقع من أحداث جعلت الريف يكون كما كان عليه قبل فترة من التاريخ.. كانت هناك قصص تستحق فعلا أن تُروى.
بدءا بالريسوني، الذي كتب الإنجليز اسمه بشكل مختلف ونادوه بـ«الريسولي». يعد هذا الرجل أحد أشهر الأسماء التي صنعت تاريخ الريف المغربي، وأحد الذين كانوا يشكلون ثقلا كبيرا في السلطة بالمغرب. ولأنه كان قد استفاد من علاقات واسعة، خصوصا بعد أن كان يملك قوة عسكرية حقيقية جعلت الأجانب يفتحون معه باب الحوار بشكل منفرد، وهو ما جعله وقتها مغضوبا عليه، قبل أن يحاول العودة إلى حظيرة القصر بعد انتقال الحكم إلى عبد الحفيظ، ابن الحسن الأول. كل هذه الأمور جعلت منه شخصية غامضة لم يكتب عنها الكثير، رغم أنه كان طرفا قويا في كتابة تاريخ جزء من منطقة الريف.
المجاعات والحروب كانت أكثر فتكا بالريفيين البسطاء. الصراع حول السلطة، وهو الصراع الذي لم يستفيدوا منه أي شيء، جعلهم في خانة المغضوب عليهم جميعا، رغم أن الأقلية فقط هي التي كانت تحمل السلاح وتحاول رسم واقع مستقل للمنطقة، بدل الواقع المشترك الكبير الذي كان يمضي إليه المغرب بعد تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية.
في هذا الملف تجدون شهادات مثيرة، بعضها ينشر لأول مرة، بعد أن كان حبيس أوراق المذكرات الخاصة لبعض الزوار الأجانب غير العاديين، والذين كتبوا عن الريف، كما لم يكتب عنه أحد من قبل.

هذا ما لم تقله كتب التاريخ عن ماضي الريف
في الكتب الرسمية التي روت التاريخ الرسمي المستمد من مراسلات المخزن، لم يتطرق أصحابها بما يكفي للحياة في الريف المغربي. في المقابل، كان الريف يثير فضول الكثير من المغامرين الذين وضعوا حياتهم في كف عفريت لدخول الريف ومخالطة القبائل الريفية. حتى أن أحدهم حكى كيف أنه كاد يقتل لولا مساعدة ثائر ريفي، سنعرف لاحقا أنه الريسولي، كما يسميه الإنجليز، في حين أن كتب التاريخ المغربي ورجاله كانوا ينادونه مولاي أحمد الريسوني.
(سنعود إلى الرجل لاحقا لأن حياته تستحق فعلا أن نقف عندها).
الحديث عن الريف يقتضي أولا الوقوف عند معطى تاريخي مهم، وهو أن المنطقة كانت تعيش أحداثا أكثر سخونة مما كانت عليه الأمور في وسط المغرب. كان الأمر شبيها بما وقع في الجنوب، في الفترة التي كانت فرنسا تحاول خلالها أن تتقدم في السهول وراء جبال الأطلس.
ينقل السير كاسبير، وهو أحد الأطباء الذين جاؤوا إلى المغرب في مهمة عسكرية، وفر بعد أن نفد صبره ولم يستطع تحمل ما شاهده، خصوصا أن زيارته إلى الريف كانت في المرة الأولى التي يزور فيها بلدا غير أوربي، حيث إنه لم يسبق له أن سافر قيد حياته إلى خارج أوربا. هذا الرجل كتب كتابا عن الطب في الدول الفقيرة وتاريخ الطب وأصول بعد المستحضرات، وانعرج في أحد مقاطع دراسته إلى التعريف بمنطقة الريف التي زارها سنة 1899، وكاد يلقى حتفه خلالها ليقرر الفرار. جاء في شهادته ما يلي: «ماذا يمكنك أن تقول عن الريف؟ الرجال هنا أقوياء جدا، لكن لا تبدو عليهم آثار القوة. في المرة الأولى التي رأيت فيها بعض الريفيين فوق أحصنتهم ظننت أنهم يعيشون في قبو، لأنهم كانوا شديدي البياض، وظننت أن الأمر راجع إلى أنهم لا يرون الشمس كثيرا رغم أنها تطلق أشعتها هنا بسخاء، كان هذا خلال الأسبوع الأول. في الأسبوع الثاني رأيت بعض المشاهد المرعبة، رأيت كيف أن بعض المقاتلين الذين كانوا محسوبين على الثوار، قتلوا أزيد من عشرة أشخاص، مسلمين مثلهم، فقط لأنهم امتنعوا عن أداء الضريبة. إذا أردت المرور من طريق معين، يجب عليك أن تؤدي الضريبة أولا، وإذا كنت تحمل معك طعاما أو مؤونة من الحبوب، فإنك ستتعرض للقتل وأنت في الطريق. يستحيل أن تصل بها إلى منزلك، لأن نقط التفتيش التي يفرضها الريفيون هنا كثيرة جدا. في الأسبوع الثالث، كدت أقتل بخنجر على يد أحد الريفيين. كنت متنكرا بجلباب مغربي، ولم أرافق الإنجليز حتى لا أثير الشبهات. هم كانوا يجيدون استعمال السلاح للدفاع عن أنفسهم في حالة الخطر، أما أنا فطبيب عسكري وعملي يتعلق بأدوات الجراحة والتطبيب وليس بحمل السلاح، لذلك كنت أفضل البقاء بعيدا. في جولة قصيرة لاستكشاف بعض الأعشاب المنتشرة في جبال الريف، أحسست بحر شديد لأنني تسلقت مسافة طويلة بين منعرجات الجبل، ودون أن أفكر، نزعت الجلباب الريفي، وبقيت بقميص إنجليزي وسروال، فرآني أحدهم وكان قريبا. بقيت مصدوما وأنا أراه ينزل بخفة كبيرة بين المنعرجات، إلى أن قفز فوقي وكاد أن يغرز خنجره في بطني، لولا أن أحد الجنود انتبه إلى الأمر وأطلق الرصاص في الهواء ليفزعه، ففر قبل أن يتمكن من غرز خنجره في جسمي الهزيل.. في ذلك اليوم قررت أن أرحل فورا إلى الميناء، حتى لو اضطررت إلى قضاء الليل في الطريق حتى أصل قبل انطلاق أول سفينة في اتجاه أوربا».
هذه الصورة لوحدها تعد وثيقة تاريخية غير عسكرية عن الريف، وشهادة نادرة لفترة لم يكن مغاربة الوسط والجنوب يعلمون فيها أي شيء عن طريقة عيش سكان الريف، وما كان يحكى عنهم في ما بعد، عن مقاومتهم العنيفة للتوغل الأجنبي في المغرب.

الريسوني.. بطل أكثر الروايات دموية وسر توبته
قيل عنه الكثير ورصدنا كتابات كثيرة عنه، لكنها لم تكن من العمق بما يكفي للحكم على الرجل، سيما أن هؤلاء كتبوا عنه عن بعد. وفي أحد أعداد مجلة «تايم» التي تعود لسنة 1925، أجاب أحد الدبلوماسيين البريطانيين عن سؤال صحفي يتعلق بتأزم الأوضاع الأمنية بالمغرب في السنة نفسها، بالآتي: «لقد زرت المغرب في السابق، وكنت في منطقة الريف، وأنا أدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن أياما سوداء تنتظر الإسبان هناك. كان عليهم أن يتركوا منطقة الريف لفرنسا، أو لأي دولة أخرى. إنهم يقودون أنفسهم وجنودهم إلى حمام للدم. لقد زرت الريف متخفيا قبل سنوات عندما كنت مسؤولا هناك، وأعتقد أن الريسولي، وهو قائد بارز هناك، وغيره من الزعماء، لن يسمحوا أبدا للإسبان بالإشراف على الأوضاع هناك». عندما سأله الصحفي إن كان قد التقى «الريسولي» أجاب بتلقائية: «هل جننت؟ هؤلاء أناس خطيرون. قد يكون التقاه أحدهم عندما هدأت الأوضاع نسبيا. أنا كنت من المسؤولين الأوائل، كان أمر لقاء أحدهم يعد انتحارا».
وحتى لا نبقى بعيدا عن شخصية الريسولي، لا بأس أن نذكر هنا ما أورده جورج هولت، وهو أحد المغامرين الحقيقيين الذين زاروا المغرب قبل سنة 1912، أي قبل أن تصبح البلاد محمية فرنسية بموجب الاتفاقيات وقتها. يقول إن الريسولي كان رجلا يكره التصوير و«يخاف من الكاميرا»، ولم يسبق لأي أجنبي أن نجح في أخذ صورة له. لا يهتم كثيرا بمعرفة أخبار العالم ولا تحدوه أي رغبة في اكتشاف العالم الخارجي، وهو ما كان يثير فضول الأوربيين القادمين إلى المغرب. كان الريسولي يخضع القبائل بإشارة من يديه. وحدث مرة أن أخذ معه «هولت» في جولة، رأى من خلالها كيف أنه يحشد زعماء القبائل في باحة واسعة في قصره، حتى ينظر في أمرهم. كانوا لا يستطيعون أداء الضرائب للريسولي، فيجمعهم لتوبيخهم، يعفو عمن يعدونه بأداء ما في ذمتهم لخزينته، ويسجن الآخرين العاجزين عن الدفع. كانوا حوالي ستين رجلا، يقول هولت، ما إن ظهر الريسولي حتى تجمهروا لمصافحته وطلب عفوه، وكان رجال الريسولي يمنعونهم من الاقتراب منه، ويشقون له الطريق كي يتقدم إلى الأمام. قوة الريسولي بلغت أوجا جعلت إحدى الصحف الأمريكية في تلك الفترة تتحدث عنه. يقول الدبلوماسي هولت، إنه بعد عودته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد سنوات قليلة، كان يتصفح الجريدة، ووجد مقالا يتحدث عن الريسولي، يقول: «كان كبقية الأمازيغ، رجلا قويا طويل القامة، لديه عينان لامعتان، وشفتان رقيقتان حد الصرامة.. كان منزله الكبير في منأى عن العواصف والزوابع».
باعتراف هولت، فإن الريسولي بدا مناقضا للوقع الذي يحمله اسمه، وقال إنه لم يصدق أن يكون هذا الرجل الوديع المتسامح البشوش هو الذي يحمل اسم الريسولي، الذي أرعب قلوب الأجانب.
حين أخبره هولت عن حضارة بلاده، بدا الريسولي «مشككا» في كل ما رواه له الدبلوماسي الأمريكي، وعندما أخبره عن القطارات تحت الأرض وفوقها، وعن الطائرات، لم يبد الريسولي أي اهتمام بحماسة الأمريكي الذي يسرد تفاصيل أوجه الحضارة المتقدمة للبلد الذي جاء منه خلف المحيط الأطلسي، وقال جملة واحدة: «مذاق الشاي رائع»، يقول هولت إنه عندما سمع ملاحظة الريسولي فهم أنّ عليه أن يغير الموضوع.
مرة يقول هولت إنه دعا الريسولي إلى زيارة أمريكا، ليكتشف أنه لا يعرف أين تقع أمريكا بالضبط، وقال له هولت ممازحا إن أمريكا تبعد بحرا سفر عشرة أيام انطلاقا من جبل طارق. لم تبد أي علامة على وجه الريسولي، ليعرف من خلالها هولت إن صدق كلامه، أم لا، لكنه عندما وجه له دعوة إلى زيارة أمريكا، جاء رد الريسولي قاصما: «كلا. إن الله حرّم علينا زيارة بلادك».

الكيف.. العشبة التي قتلت اقتصاد بؤر التوتر
ليس من المبالغة أن نقول إن النقاش حول نبتة الكيف طال أكثر مما يجب. حتى أنه يصعب أن تقنع الذين ماتوا حتى لو عادوا إلى الحياة، أن النقاش الذي كان دائرا في أيامهم حول نبتة الكيف ما زال مستمرا إلى اليوم. نتحدث بالضبط عن الفترة ما بين 1900 و1909، لأنها كانت فترة نشيطة جدا وكان الصراع فيها على الريف، في أوجه.
مجددا، سنلجأ إلى ما كتب في الغرب، ما دام التاريخ الرسمي لم يذكر الريف إلا في الحملات السلطانية التي أخضعت التمرد في فترات قديمة جدا من تاريخ المغرب. هذه الشهادة التي تجمع بين السخرية والجدية السوداء، تعطي صورة واضحة عن الريف ومشاكل الريفيين في وقت كانت فيه الدولة تؤمن بصعوبة حاجيات المركز.
من أصول اسكتلندية، لكنه لاحق الحلم الأمريكي في وقت مبكر، وعاد من أمريكا إلى فرنسا، ومنها إلى المغرب لأنه سمع أنه سيكون مستعمرة فرنسية في المستقبل، ففكر أن يعمل على وضع قدمه في الزوبعة حتى يفوز بقسط من المكانة الاعتبارية ويتسلق طبقيا. هذا الكلام قاله ريموند آلان عن نفسه، ولم يقله عنه أحد آخر. وقال أكثر من ذلك. جاء في مذكراته: «أعتقد أنني لم أكن مخطئا عندما جئت إلى الريف. هنا توجد نبتة الكيف بكثرة. للأسف الناس يعرفونها. كان يمكن أن أحقق ثروة خيالية إذا ما استفدت من صداقاتي لأسوق هذه النبتة تماما كما يسوق الآخرون التبغ من أمريكا في اتجاه أوربا. يبدو أنني تأخرت لأن الناس هنا يعرفونه ويستهلكونه ولن يسمح أحد بالسطو على محصوله. المخزن، وهو نظام الحكم عندهم هنا في المغرب، لا ينتبه إلى هذه الأمور. كان يمكن أن أحقق ثروة كبيرة جدا لو جئت إلى هنا قبل سنوات من الآن. اليوم يحصل المزارعون الفقراء على نصيبهم من الكيف تماما كما لو تعلق الأمر بمحصول القمح. إنهم لا يعرفون أنهم يملكون ثروة حقيقية خلف منازلهم. لقد دخنت بعضه بالأمس، وصرت متأكدا أنه من النوعية الممتازة، وأن القليل منه فقط يكفي لجعلك تحلق عاليا. التبغ يسبب لي سعالا ويجعلني غير قادر على تناول الطعام. الكيف المغربي، رغم أنه بدائي، ويصبح بعد سحقه مثل الغبار الناعم، إلا أن دخانه منعش ورائحته جيدة أيضا».
لا يهمنا هنا التغزل بالكيف المغربي، بقدر ما يهمنا نقل الصورة القاتمة عن الفقر بالريف في ذلك الوقت، إذ إن الفترة التي كتبت فيها هذه السطور كانت تصادف فترة مجاعة شديدة في المغرب عموما، إلا أنها كانت أكثر شدة في الريف، لأن الريفيين لم يكونوا يتوفرون على احتياطي أو فائض من الحبوب. صعوبة التضاريس هناك، بالإضافة إلى سوء العلاقات بين زعماء الريف والدولة، جعلا المخزن يتخلى عن «القلق» بشأن الأوضاع هناك، حتى أن الزوايا لم تكترث بدورها للمجاعات الكبيرة التي مات خلالها الناس نتيجة الجوع. «كان الجوع يحيط بكل شيء هنا. لحسن حظي أن السفينة التي جئت على متنها تتوفر على بعض الحبوب والأطعمة التي لا تفسد بفعل الرطوبة. حراسة شديدة ضربت على السفينة، خصوصا عندما وصلت إلى الناظور. قيل لي إن هذا الميناء قد أحرق سابقا، أحرقته الدولة لأنه كان ينافس موانئ وأسواق المدن الداخلية. لم يكن رجال المخزن يريدون أن يغتني زعماء الريف عن طريق التجارة لذلك أحرقوا ميناء الناظور قبل زمن طويل، وتركوه اليوم مكانا صغيرا ترسو فيه سفن صغيرة. نبهني بعض المرافقين إلى أنه يتوجب علي ألا آكل أمام الناس وإلا سيهجمون على السفينة. يجب أن نتظاهر أننا لا نملك أي شيء، وأن نواصل حراسة السفينة إلى أن تنقضي هذه الأيام العصيبة، أو نرحل عن هذه المنطقة الجبلية نهائيا».
هذه الشهادة لوحدها كفيلة برسم تاريخ الريف قبل الفترة الاستعمارية التي فصلته عن المغرب الفرنسي.

هكذا فاوض زعماء الريف الدولة مقابل السلطة
السؤال هنا، هو هل كان الريسوني، أو «الريسولي» كما يسميه «هولت» وآخرون، خصوصا الإنجليز.. (هل كان) دمويا؟ لأن بعض الروايات التاريخية التي تناولت حياته، تقول إنه كان يخوض حروبا دموية وكان أفراد جيشه يسقطون الخصوم كالذباب، لكن بدا في روايات أخرى أنه كان رجل تواصل، خاصة أن بعض المراجع الإنجليزية ككتاب لاورنس هاريس، جاء على ذكر الريسولي، لكن صاحب الكتاب كان قد تعرف عليه سنة 1909، وهي الفترة التي كان يتمتع فيها بالحماية البريطانية، وقد جاء اللقاء في مدينة فاس. ما الذي جاء بالريسولي إلى فاس؟ الجواب أن علاقته بالقصر كانت متوترة، وأراد أن يغتنم وصول المولى عبد الحفيظ إلى الحكم، ليحصل على موافقة الدولة ليمثلها بصفته «قايد» في منطقته. يقول: «جلسنا في غرفة رفقة خمسة أو ستة مدعوين رفيعي المستوى. أخذ عبد الله بيدي وقدمني إلى ضيوفه. وضعت في المجلس وسائد من الحرير، واتكأت على واحدة منها.
بدأ العشاء بتوزيع كؤوس صغيرة من الشاي الأخضر. هناك عرف خاص بتحضير الشاي في المغرب، إذ يعطى شرف تحضيره لأهم ضيف مغربي في المجلس.
في هذه الجلسة، أعطي الشرف للريسولي، وهو من المحميين التابعين لبريطانيا. وقد دعي إلى العشاء على شرفي. إنه قاطع طريق، وهو يتمتع الآن بحماية بريطانيا. جاء إلى فاس ليلتمس من المولى عبد الحفيظ أن يعينه «قايد»، لكن السلطان رفض أن يعينه إلا إذا تخلى عن الحماية البريطانية التي يتمتع بها. إلى حدود كتابة هذه الأسطر، فإن الريسولي، قد قبل المنصب وأرجع قدرا من المال الذي حصل عليه من الحكومة الإنجليزية.
إذا أذعن لجميع شروط السلطان وطلباته، فإنه قد يصبح قائدا، لكنه ربما سيفقد رأسه أيضا، لتزين به إحدى بوابات مدينة فاس.
قبل الدعوة التي وجهت له لإعداد الشاي، وأمر أمة سوداء أن تضع صينية من النحاس، حيث يجلس متكئا على وسائد الحرير. القواعد المتبعة في إعداد الشاي المغربي تختلف كثيرا عن حفلات الشاي الإنجليزية».
هذه الشهادة تعني أمرا واحدا. وهو أن الريسوني كان ذكيا بالقدر الذي أتقن معه لعبة التحالفات. هنا يتحدث عنه شخص آخر هو السيد بيبي كارلتون، وهو أحد البريطانيين المنتمين إلى الطبقة الراقية ويمثل زبدة المجتمع الإنجليزي، لكنه قرر الاستقرار في طنجة وربط علاقات كثيرة مع المغاربة. وقد قال عنه هاريس إنه كان الإنجليزي الوحيد في المنطقة، بالإضافة إلى أخته التي كانت تتحدث العربية أكثر من الإنجليزية. كان يدير أعمالا تجارية مع المغاربة الذين كانوا يهابونه ويحترمونه. يقول عنه أيضا: «أخبرني بقصص كثيرة، لكن أهمها قصة مفاوضاته مع صديقه الريسولي لإطلاق سراح القايد ماكلين». كان يعلم أن الريسولي شخص عنيد ويستحيل أن يسلم رهائنه بسهولة، لكنه توسط لديه كصديق مقابل إطلاق سراح القايد ماكلين، الذي يعد لوحده ظاهرة مغربية أخرى، لأنه كان بريطانيا لكنه كان مقربا جدا من القصر خلال أيام الحسن الأول، ورغم مكانته الكبيرة في الدولة المغربية إلا أنه سقط في الأسر بين يدي الريسولي، فقط لأنه غامر بالتوغل في الريف والخوض في سياسته وعلاقة زعمائه بالدولة.

شهادة نادرة توثق لأكثر المجاعات التي حركت أشهر ثورة ضد الدولة سنة 1909
سنضطر هنا للعودة إلى هاريس ما دام هذا الرجل الذي يبدو أنه محظوظ أكثر مما يجب، قد صادق والتقى أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ المغرب. حسب روايته، فإن «بوحمارة» كان قد جاء من الريف يقود جحافل من الجياع للسيطرة على مدينة فاس وينتقم لهم من المجاعة الكبيرة التي عاشوها لسنوات مديدة. قد نختلف مع لاورنس هاريس في روايته للتاريخ المغربي بطريقته الخاصة، لكنه يقول دائما إنه ينقل ما يراه بعد أن غامر بحياته للوصول إلى بؤر التوتر المغربي وقتها، ويضيف بعض المقاطع التي وصف فيها الطريق ومعالمها، كدليل على أنه كان هناك فعلا.
يقول متحدثا عن مسيرة صادفها في طريق عودته إلى طنجة، في منطقة الريف: «الأمطار منعتني من التقاط صور لتلك المجموعات التي صادفناها في الطريق. كانوا يحملون الأواني على ظهورهم، ويتخبطون في الوحل إلى جانب البغال والحمير وحتى الجمال المثقلة بالأمتعة والخيام المتنقلة. كان هناك أيضا سجناء مكبلون بالسلاسل والأغلال، كانوا متسخين وأعدادهم كبيرة ولا تحصى.
مر أيضا جمع من الحريم، يحرسه رجال حفاة من كل جانب، مسلحين ببنادق أوربية، كما كانوا يضعون على أكتافهم سلاسل من الذخيرة والرصاص. الفتيات الصغيرات كن يحظين بعناية ورعاية النساء الأكبر سنا. رغم أنهن كن جميعا «مغلفات وملفوفات»، إلا أنه كان يسهل تمييز الصغيرات. لكن فتاة صغيرة كانت تسترق النظر بعينين سوداوين من فتحة ضيقة وتدير رأسها لتحظى برؤية «النصراني».
قال لي «بوسليم» عندما رأينا بعض الفتيات ينزلن الثوب عن وجوههن ليرين الطريق: «هناك سيدي.. يا للأسف، كلهن فتيات جميلات سرقهن بوحمارة (أحرق الله عظامه) من القرى المحيطة. إن لديه حريما أكثر من حريم السلطان، ويأخذهن معه دائما».
التقى محمد مع الكثيرين من أصدقائه الذين كانوا وسط تلك الحشود. وأصبح «بوحمارة» الآن يعرف أن هناك مجموعة قادمة من فاس تمر قرب موكبه. وصلنا إلى مكان محاط بالجنود وأمرنا أن ننزل عن ظهور البغال وننتظر أوامر الزعيم «المخيف» بداخل الخيمة. أمضينا أزيد من ربع ساعة ننتظر، وتم إدخالي إلى الخيمة لأمثل في حضرة «بوحمارة». كان يجلس القرفصاء على حصيرة، وإلى جانبه اثنان من مساعديه. كانت الخيمة مظلمة وتصعب داخلها الرؤية بوضوح، كما أنه كان يضع «قب» جلابته على رأسه، لكن مصافحته أبانت أنه رجل قوي. كان في الأصل مساعدا لمولاي عمر، أخ السلطان، وتم اعتقاله قبل أن يفر من السجن ويهرب إلى الجزائر، حيث تعلم أصول الشعوذة قبل أن يعود إلى المغرب ويستعرض المعجزات والخوارق والتي تصدق ضمنيا من طرف المغاربة. بهذه البداية الجديدة في الحياة، كان يتقن أكثر لعب دور «الزعيم»، خصوصا أن فترة حكم كل سلطان في المغرب تشهد وجود «متمرد».
نسي الناس اسمه الأصلي، الجيلالي بن إدريس، وأصبح معروفا فقط بـ«بوحمارة». دعوته إلى طرد كل النصارى والأجانب من المغرب جعلت الأنصار يتجمعون حوله. وخرجت «محلة» ملكية للمجيء به حيا أو ميتا. القوى الملكية تعرضت للهزيمة في أكثر من نقطة، وأخرى كانت ببساطة تزور القرى وتقطع رؤوس الفلاحين. كانوا يرجعون إلى السلطان بالرؤوس المقطوعة، وبعد أن يملحها اليهود، فإنها تعلق على أبواب المدينة لإرهاب أتباع «بوحمارة».
رغم كل تلك الحملات ضده، ها هو الرجل الذي لا يتوفر على أي دراية بأمور الحرب وأتباعه ضعفاء، يتوجه زاحفا إلى فاس. ما إن وقفت أمامه حتى فحصني بنظرات ثاقبة، لا بد أن له احتكاكا بالأوربيين، فقد تكلم بكلمات فرنسية ممزوجة بلغته العربية. جيء لي بصندوق خشبي لأجلس عليه ورحب بي بعبارات الترحيب المعتادة.
الغرض من رغبته في مثولي أمامه، كان معرفة حالة الطريق ووضع الوديان، لقد كان أمرا مهما بالنسبة إليه في تلك اللحظة. سألني بدقة عن كل النقط، رغم أن جواسيسه يخبرونه بكل ما يقع في فاس، إلا أن معلوماتي كانت جديدة. كان مؤدبا ولطيفا، وكان اللقاء جميلا. شكرني على المعلومات التي قدمت إليه، ودعا الله أن أحظى بسفر جيد وآمن. غادرنا «بوحمارة» ليكمل طريقه إلى فاس واستأنفنا طريقنا عبر السهول. أكملنا الطريق لست ساعات ونحن مبللون بالمطر، ونتعثر فوق الطريق الخطرة. بغض النظر عن ظروفنا المزرية، فقد شعرنا بسعادة كبيرة عندما بدت لنا المنازل البيضاء لطنجة من بعيد، كنا نصيح من الفرح. بدأ العربي يغني من جديد ولم يكن يتوقف إلا عندما تختفي طنجة مجددا خلف التلال. بعد نصف ساعة انقشع الضباب وأشرقت الشمس لتبدو لنا طنجة من جديد، تحت السماء الزرقاء».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *