آخر الأخبار

ألا يستحق المغاربة حكومة أفضل؟ 

ليس صحيحا ادعاء «البيجيديين»، أن نتائج حزبهم في انتخابات شتنبر 2015 الجماعية والجهوية، تعكس رضا المواطنين عن أداء الحكومة، وتزايد شعبية رئيسها الذي ليس سوى أمينهم العام بنكيران، وأن حظوظه أضحت وافرة للفوز بولاية ثانية، إلى حد منحه سنة إضافية على رأس الأمانة العامة. فالصحيح أن غالبية المصوتين للحزب، يتم استغلالهم دينيا وعبر فضاءات التواصل الاجتماعي والعمل الخيري والإحساني على امتداد السنة، أمام عزوف عديد الناخبين عن التصويت، وفقدان أحزاب المعارضة إشعاعها لنأيها عن قضايا الشعب الأساسية… إذ كيف يبارك سياسته الخرقاء من حول حياتهم إلى جحيم؟ وبم نفسر ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي، وتزايد الحركات الاحتجاجية اليومية المنددة بقراراته اللاشعبية، والانخفاض الكارثي لمعدل النمو إلى (1%)، في الأنفاس الأخيرة من عمر ولايته؟ فالمغاربة الشرفاء قدموا أرواحهم فداء للوطن، وخاضوا معارك ضارية ضد الفساد، وواجهوا السجون دفاعا عن الكرامة والمساواة والأمن والاستقرار، ولأجل بناء حكومات شعبية منسجمة ومتماسكة، تساعد في إرساء قواعد مجتمع حداثي وديمقراطي، تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية. وقد استبشروا خيرا بإحداث هيأة الإنصاف والمصالحة، حول ما عرفته البلاد من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الزمن البائد.
وازداد الحلم كبرا بالغد الأفضل واستكمال الانتقال الديمقراطي، مع قدوم حكومة ما بعد خطاب التاسع مارس 2011، لما توفر لها من أسباب النجاح تحت أحكام دستور جديد ومتقدم، خص رئيسها بصلاحيات واسعة، تساعده في أداء مهامه بحزم، وتمنحه قوة محاربة الفساد والاستبداد…
بيد أنه سرعان ما اتضح أن «المصباح» قاصر عن تبديد الظلمة ورفع الغمة، وبدا أصحابه أكثر اهتماما بمناصبهم الجديدة، بدءا بكبيرهم الذي استسلم للمفسدين، ليس فقط بالقول: «عفا الله عما سلف»، بل بعجزه عن تنزيل الدستور والاحتكام إلى مقتضياته في كبح جماح الفساد المستشري. فلا حكامة جيدة ولا ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولا تقوية آليات الشفافية، ولا حماية المال العام وتطهير الإدارة… والأفظع من ذلك، هو عزل قضاة نزهاء (محمد الهيني)، ومتابعة مبلغين أبرياء (نموذج: «بريمات» مزوار/بنسودة ، الزفت المغشوش بأسفي).
وعكس تعهداته بالتوزيع العادل لثروات البلاد وإنصاف الفقراء، بادر إلى مهادنة كبار الأثرياء، والتغاضي عن استرجاع الأموال المنهوبة وفرض «ضريبة على الثروة»، والتسامح مع لوبيات الفساد تحت ذرائع شتى من قبيل: «التماسيح والعفاريت» أو الخوف من هجرة رؤوس الأموال. وكأن إنعاش الاستثمار لا يستقيم إلا في بيئة فاسدة، وألا تنمية مستدامة إلا بفساد يرعاها ويمنحها النجاعة، في حين أن تفاحش الرشوة يضر بالاقتصاد الوطني، ويساهم في انكماش الإنتاج وتعطيل تنافسية المقاولات، وتوسيع الفوارق الطبقية ونسف البناء الديمقراطي…
فعن أي استثناء يتحدثون، والحكومة أخفقت في ترسيخ الديمقراطية وكسب رهان التنمية، كما فشل رئيسها في التخلص من قبعته الحزبية، ولم ينجح إلا في ضرب القدرة الشرائية لملايين المغاربة، ورفع الدعم عن المحروقات وإلغاء صندوق المقاصة، دون مساعدات مادية حقيقية للمعوزين، عدا «التصدق» بدريهمات معدودة للمطلقات والطلبة وفئة من الأرامل، الذين لا تتجاوز أعدادهم بضعة آلاف؟ فضلا عن إثقال كاهل البلاد بالديون الخارجية، والاتجاه نحو معالجة صناديق التقاعد المنهوبة باختلالات أفدح، تتجلى في رفع سن التقاعد إلى 63 سنة ونسبة الاقتطاع وتقليص المنحة الشهرية، بدل معاقبة المتسببين في إفلاس الصناديق… وأي حكومة هذه، التي يقودها حزب «إسلامي» تكرس التحكم الاقتصادي، وتجيز لنفسها منح تراخيص محلات للخمور، ودعم القوانين المالية بمداخيل ألعاب القمار والتبغ والخمور؟ ألا يعلم رئيسها أن «أم الخبائث» من بين أكثر عوامل ارتفاع نسبة حوادث السير، ومع ذلك يضع وزير العدل والحريات مصطفى الرميد مسودة مشروع قانون جنائي، يقضي بعدم تجريم السكر ما لم يكن مقرونا بإلحاق ضرر ما بالمجتمع، كإحداث الفوضى ومضايقة العموم؟ أليس هذا أوج النفاق؟
مؤسف حقا، تولي إدارة شؤوننا حكومة متهالكة، يجهل قائدها أبسط قواعد الحوار وما يجري حوله، فهو «ما فراسوش» التعويضات السخية لرجال السلطة، ولا مذكرة فرنسة مواد علمية بالثانوي التأهيلي، ولا التدخل الهمجي للقوات العمومية ضد المتظاهرين على العفو الملكي الخاطئ، لفائدة البيدوفيل الإسباني «دانيال كالفان»، ولا «مجزرة الخميس الأسود» ضد الأساتذة المتدربين، ولا تجريده من صفة «الآمر بالصرف» في صندوق التنمية القروية، ولا فضيحة الوزراء الثلاثة حول تفويت صفقة «تأمين المحصول الفلاحي»… ولم يبرع عدا في فتح «الجبهات» على وقع القهقهات، تخوين مخالفيه الرأي، وتبرير فشله بمنطق المظلومية ونظرية المؤامرة. الاستفراد بالقرارات الجائرة، تجميد الأجور وربط الاقتطاع من أجور المضربين بالقرآن الكريم، بدل التعجيل بإخراج القانون التنظيمي للإضراب، التقليص من فرص الشغل وقمع الوقفات والمسيرات الاحتجاجية السلمية، التنكر للعهود والمواثيق الوطنية والدولية والسعي الحثيث إلى خوصصة قطاعي: التعليم والصحة.
كفى تسويقا للأوهام والتباهي بنظافة اليد، بينما تخرج المشاريع التنموية الكبرى من القصر الملكي. كفانا حكومات على المقاس، يعوز أعضاءها حس المواطنة الصادقة، ويتحكم في رؤسائها عن بعد. إن إنقاذ مستقبل البلاد والعباد، يستوجب الانخراط الكثيف في تشريعيات السابع أكتوبر 2016، وحسن اختيار المرشحين النزهاء المقتدرين، في اتجاه تطوير ديمقراطيتنا الناشئة، والتصدي للمتاجرين بالدين والعابثين بمشاعر المقهورين، قصد إفراز حكومة قادرة على تخطي الصعاب وتجديد الأمل في النفوس، وإلا فإن جراحنا ستزداد غورا وألما، ولن ينفع معها إذاك الاستمرار في التشكي والتباكي…

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة