GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

ألغاز وفاة مشاهير مغاربة في الديار المقدسة

ألغاز وفاة مشاهير مغاربة في الديار المقدسة

إعداد: حسن البصري
غالبا ما ترتبط حالات الوفاة التي تسجل في أوساط الحجاج المغاربة أو المعتمرين أو حتى زائري الديار المقدسة لأغراض مهنية أو دراسية، بالمرض أو الحوادث الناتجة عن اختناق أو حوادث سير أو حريق إلى غير ذلك من مسببات الموت. وأغلب الوفيات تضرب كبار السن من الحجاج فيما يقدر عدد التائهين بحوالي ألف حالة في كل موسم حج.
تصر الهيأة العامة للحجاج على أن الوفيات في أغلبها تكون طبيعية أو في صفوف من كانوا يعانون من أمراض مزمنة، قبل أن تطأ أقدامهم الديار المقدسة، ومن النادر أن يدفن موتى الحج خارج مكة أو المدينة، بينما السائد في بلاغات الوزارة هو اللازمة الشهيرة «أوضاع الحجاج المغاربة بخير، ولم تسجل أي حالة وفاة في صفوف حجاجنا»، مع تقديم شهادات تكيل الشكر للأطقم الطبية.
يحذر رؤساء بعثة الحج أو العمرة من التيه خلال التنقل بين المدينتين، والتأكيد على ضرورة عدم الابتعاد عن البعثة، لأن غالبية حوادث التيه تحدث لكبار السن، خصوصا من الأميين، مع توصية بتتبع أعضاء البعثة الذين وجهت لهم أوامر بضرورة عدم نزع اللباس الرسمي حتى لا يتيه الحجاج. لكن على الرغم من التدابير الوقائية سواء من طرف السعوديين أو المغاربة، فإن العمرة والحج لا يمران دون تسجيل حالات وفيات.
أعلنت المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول العربية، أن عدد وفيات الحجاج العرب خلال أدائهم مناسك الحج في الشعائر المقدسة للموسم الماضي، بلغ 133 حالة، مشيرة إلى أن مصر تتصدر قائمة الدول في عدد الوفيات والمصابين في المستشفيات بـ20 حالة وفاة، وإصابة 81 مصريا. وأشارت المؤسسة في إحصائية لها، نشرتها صحف سعودية إلى وفاة ثلاثة حجاج من المغرب، ونفس العدد من الصومال، وحاجان من اليمن، مقابل حاج من الأردن وموريتانيا.
وأضافت النشرة الإحصائية أن جميع حالات الوفاة تمت بشكل طبيعي بسبب تقدم السن، وبعض الأمراض المزمنة التي يعاني منها الحجاج قبل وصولهم إلى مكة المكرمة، دون الإشارة إلى حالات التيه أو الوفيات الغامضة.
ولأن الموت قدر لا يأتي إلا في أجله فإن 275 حاجا مغربيا نجوا بأعجوبة بعد تعرض طائرتهم لانفجار بأحد الإطارات خلال هبوطها بمطار القاهرة للتزود بالوقود، ضمن رحلة الخطوط المغربية القادمة من جدة‬ ‏السعودية‬، غير أن الربان سرعان ما تمكن من التحكم في الطائرة والهبوط بها بسلام. وهو ما يجسد قوله تعالى «وما تدري نفس بأي أرض تموت».
ويمكن إدراج مقتل الطيار المغربي ياسين بحتي في خانة أسرار هذا النوع من الوفيات، بعد أن أجمعت الروايات التي أعقبت سقوط المقاتلة المغربية إف 16 التي أقلعت من السعودية، أن الطيار المغربي قد اختار طوعا الانخراط في عملية الحزم، علما أن سنه لا يتجاوز 26 سنة، وهو ما أشار إليه الضابط في تدويناته الفيسبوكية، قالت الرواية الرسمية على لسان ضابط من الجيش المغربي بأن الطائرة المغربية، سقطت بسبب عطب تقني، واعتبر أثناء تشييع جثمانه شهيدا.
بدا ياسين في إحدى الصور من حسابه بموقع التواصل الاجتماعي سعيدا وهو يأخذ صورا أمام الكعبة المشرفة، مرتديا لباس الإحرام، حيث كان يؤدي مناسك العمرة بالديار المقدسة، مباشرة بعد وصوله للسعودية.
في هذا الملف تنشر «الأخبار» الجانب الخفي في وفاة مشاهير ساقهم القدر إلى الديار المقدسة ملفوفين في رداء الإحرام أو في مهام عسكرية ورياضية وديبلوماسية وقدر لهم أن يقضوا هناك، في ظروف لفها الغموض، وظلت جثامينهم ملفوفة بأسئلة بلا جواب، رغم أن الموت لا يقبل التأجيل. لذا ظلت حكايات الموت أشبه بألغاز زادتها الاجتهادات تعقيدا. ونظرا للتكتم الذي أحاط بالعديد من الحالات، فإن الزمن عجز عن كشف تفاصيل جديدة، لقضايا مات أغلبها بالتقادم.

الصويري.. ذهب إلى مكة ولم يعد

قُدر لأحمد الصويري، الأب الروحي للنادي القنيطري، أن يلقى ربه في الأراضي المقدسة ويدفن بمكة المكرمة، بعد أن أفنى حياته في تعليم النشء المبادئ الأولية لكرة القدم. قدر لمربي الأجيال في القنيطرة أن يدفن في قبر كتبت عليه عبارة «هنا يرقد الجثمان الطاهر لمسلم مجهول الاسم والهوية».
بدأت الحكاية في موسم الحج سنة 1988، حين خصصت بلدية القنيطرة بتعاون مع النادي القنيطري لعائلة الصويري تذكرتي سفر إلى الديار المقدسة من أجل أداء مناسك الحج، شكر المدرب القدير الجهة المانحة على التفاتتها، خصوصا وأنه كان في نيته القيام بزيارة قبر الرسول الأعظم، وحين عاد إلى منزله غير بعيد عن حي الخبازات، اقترح على زوجته مرافقته في سفر ليس كبقية الأسفار، إلا أن الحالة المرضية لوالدته جعلت الزوجة تفضل إرجاء الرحلة للعناية بشؤون الحماة العليلة، على أن يبيع أحمد التذكرة الثانية لتدبر مصاريف الحج.
اتصلت إحدى السيدات، وتدعى الشلحة، بالمدرب الصويري، وطلبت منه الموافقة على طلب منحها صفة رفيق لها خلال أدائها مناسك الحج، قبل أحمد على مضض المقترح، وتوجها معا صوب مطار محمد الخامس، حيث ودعته زوجته وأبناؤه ورسموا على جبينه قبلات الوداع الأخيرة.
لأول مرة شوهد الصويري بلباسه الأبيض عبارة عن زي تقليدي، بعد أن ظلت البدلة الرياضية رفيقه في حله وترحاله، تعرف عليه الكثير من الحجاج القنيطريون، لأن الرجل يعتبر من رموز المدينة وأحد صناع مجدها الرياضي.
منذ أن وطئت قدماه الطائرة، لم تتوصل عائلته بأي خبر عنه وكأن الأرض ابتلعته، بينما ظل حجاج المدينة يتناقلون أخبارا لا أثر فيها للمدرب الصويري. وحين أنهوا المناسك شدوا الرحال إلى وطنهم برؤوس حليقة وحقائب مثقلة بالتمر وماء زمزم والقبعات والسجادات والسبحات وغيرها من هدايا الأراضي المقدسة.
انتظر أفراد عائلة الصويري أياما عديدة في بهو مطار النواصر بالدار البيضاء، إلى أن أفرغت آخر طائرة قادمة من جدة ما في بطنها من حجاج بيت الله، وتأكد أن الاختفاء أصبح أمرا مكتوبا.
كانت «الشلحة» رفيقة الصويري في مناسك الحج بمثابة العلبة السوداء التي تبتلع سر الاختفاء، لكن المعلومات التي قدمتها لأفراد العائلة زادت الأمور غموضا، قالت الرفيقة إن الصويري قد ودعها حين كان الحجاج يهمون بمغادرة مكة إلى المدينة، وأنه التمس منها التغيب لبضع ساعات بحثا عن عنوان لاعب قنيطري سابق يقيم بالسعودية، ترك حقيبة سفره وأمتعته وبعدها لم يظهر له أثر، طال انتظار الرفيقة وقررت البحث بدورها عن الصويري بعد أن انضم إليها بعض معارفه الحجاج.
كلما مر يوم إلا وكبرت علامات الاستفهام، وتعددت الروايات التي كانت تحاول أن تجعل من الاختفاء مرادفا للاختطاف، بل إن البعض حاول نسج قصص تجعل الاختفاء فعلا مقصودا، وعلى الرغم من تعدد السيناريوهات التي أجمعت على الاختفاء واختلفت حول مسبباته، فإن الأيام التي أعقبت فترة الحج كبدت الأسرة خسائر معنوية لا تعد ولا تحصى، بل إن إحدى بنات الحاج أصيبت بمرض عضال من شدة البكاء والنكد.
جثمت غيمة الحزن على بيت الأسرة الذي تحول إلى مزار، يتقبل فيه أبناء وبنات الحاج التعازي في فقيد لم يمت بعد بشكل رسمي، في الوقت الذي كان يفترض فيه أن تتقبل الأسرة التهاني وتقيم أعراس الفرح.
توصلت عائلة الصويري بما تبقى من أمتعة الفقيد، حقيبة سفر وأمتعة وهدايا و«بادج» يؤكد فرضية الاختفاء دون إشارة إلى هويته، وباشرت الابنة البكر بشرى ترتيبات اقتفاء أثر والدها الذي خرج ولم يعد، اتصلت بعمر دومو بوزارة العدل الذي ساعدها في البحث عن والدها الأب الروحي للنادي القنيطري، وشرعا معا في الاتصال بالسفارة المغربية في السعودية ووزارة الأوقاف المغربية ووزارة الخارجية وغيرها من المصالح، أملا في التوصل إلى خيط يقود إلى فك شفرة الغياب غير المبرر والغريب في نفس الآن. توصلت التحريات إلى وجود جثة رجل يحمل كل المواصفات التي تتضمنها البيانات المقدمة من المصالح الديبلوماسية، وبعثت الوزارة الوصية على الحج تقريرا يتضمن تشريحا لجثة الصويري يؤكد وفاته في الديار المقدسة، بسكتة قلبية أو نتيجة الحرارة المرتفعة التي تفضي أحيانا إلى نزيف داخلي على مستوى الدماغ، بعد ستة أشهر من الانتظار تأكدت الوفاة وتبين أن الصويري اختار مرقده النهائي في الأراضي المقدسة، وهو اختيار خفف من حجم الألم الذي ظل يعتصر الأسرة المكلومة.
مات الصويري بعيدا عن القنيطرة بآلاف الأميال، لكنه لم يمت في ذاكرة القنيطريين لما له من فضل على التاريخ الكروي للنادي القنيطري، فهو لم ينجب خمسة أبناء فقط، بل أنجب مئات اللاعبين الموهوبين، وآخر العنقود كان هو اللاعب الدولي السابق يوسف شيبو.
لم يحظ الراحل بتكريم يليق بمكانته، فقد أقام الفريق القنيطري مباراة تكريمية، في عهد الرئيس السابق بنموسى، لم يتجاوز مدخولها 10 آلاف درهم، أما زوجة الفقيد فما زالت تتوصل بمعاش من البلدية عبارة عن راتب شهري قدره 230 درهما فقط.

بيتشو: «حصان» الرجاء الذي مات غريبا

في شهر يناير من سنة 1980، تناقلت قصاصات الأنباء خبر وفاة اللاعب الدولي المغربي مصطفى شكري الشهير بلقب بيتشو، مات فتى الرجاء والوداد عن سن يناهز 32 سنة، وكان حينها محترفا بنادي الوحدة السعودي.
قدر لهذا اللاعب الأسطوري أن يموت في أحد مستشفيات مكة المكرمة، بعد أن انتقل إلى الديار السعودية من أجل طي صفحة الهواية وتدشين مشواره في عالم الاحتراف، إلى جانب لاعب الرجاء عبد اللطيف بكار الذي خاض التجربة المشرقية رفقة بيتشو في نفس الموسم الرياضي، وبإشراف من المدرب المغربي أحمد صبري.
يقول كمال شكري شقيق بيتشو، إن مصطفى قرر الانتقال إلى السعودية بعد أن ضاق ذرعا بملاحظات أفراد الأسرة، الذين طالما عاتبوه لعدم تمكنه من توفير المال الكافي لشراء شقة وسيارة والعيش في الرفاه على غرار لاعبين أقل منه مستوى، «حين توصل بالدفعة الأولى من منحة التوقيع سلمها لجدته التي كان يعيش معها في درب كرلوطي بالدار البيضاء، وسافر بلا رجعة».
لكن ما هي أسباب ودواعي الوفاة المفاجئة للاعب كان الجميع يشهد له بالقوة وبالحضور البدني، بل إن لقب «العود» الذي كان يطارده اعتبر كناية على لياقته البدنية ودليل سلامته الجسدية.
حين انضم بيتشو إلى نادي الوحدة، خاض أول مباراة ودية ضد نادي الهلال السعودي وأبان عن مستوى جيد، بل إنه سرق الأنظار والشهرة من اللاعب البرازيلي الشهير ريفيلينو الذي كان يخوض أولى مبارياته بقميص الهلال، وبعد مباراتين غاب فجأة عن الوحدة.
قال شقيقه: «لقد توجهت على نفقة أسرتي إلى جدة حيث كان يقيم شقيقي بيتشو في إحدى المصحات، وأكد لي المسؤولون عن نادي الوحدة أن الوفاة ناتجة عن مرض السرطان، وأطلعوني على وثيقة تؤكد ذلك، كما طلبوا مني التوقيع على وثيقة أخرى كتب عليها أن الوفاة تمت بدون عنف، لم أفهم مغزى هذه العبارة، أزحت غطاء أبيض كان يغطي جسده ولم يتبين لي أي أثر للجروح أو عملية جراحية فوقعت، رغم أنهم قالوا إن العملية أجريت، ثم إنهم منعوني من دخول المصحة وبقيت في الانتظار وتبين أنهم قاموا بالتشريح الطبي للجثة دون أن أوقع على الموافقة.
لم يتمكن شقيق مصطفى من معرفة ما يدور حوله، أمامه جثة هامدة وصمت غريب وعلامات استفهام منتصبة هنا وهناك، حاول طرح مجموعة من الأسئلة لكنه منع من ولوج المصحة وظل مرابطا خارج أسوار المستشفى.
يتداول الكثير من المهتمين بالشأن الرياضي أخبارا عن وفاة غير طبيعية، لكن الأسرة تفضل عدم الغوص في بحر الأسئلة والرضا بالقدر خيره وشره، قال المقربون من بيتشو إنه كان يتمتع بصحة جيدة وأن الموت فاجأهم، بل إن عبد العليم بينيني الصديق الحميم لبيتشو والذي قرر اعتزال الكرة فور انتقال شكري إلى صفوف الوداد، يرفض فرضية السرطان: «كان مرض اللوزتين هو الذي ينتاب بيتشو بين الفينة والأخرى، وآخر بطاقة بريدية توصلت بها منه جاءت من تونس حين رافق فريقه إلى هذا البلد من أجل إجراء معسكر تدريبي، وأكد أنه في صحة جيدة، قبل أن تحمل الأخبار وفاة قيل إنها نتيجة لسرطان الأمعاء».
دفنت العديد من الأسرار مع شكري في قبره بمقبرة الشهداء، وظل الكثير من رفاقه يفضلون الصمت بدل نسج روايات تحاول أن تخرج الوفاة عن سكتها الطبيعية.

انتحار السمعلي في مكة المكرمة

لم يكن أحد يتوقع أن الحاج السمعلي المنحدر من ضواحي وادي زم سيختار الانتحار في مكة المكرمة، لذا ظلت الحيرة والشك جاثمين على نفوس أصدقاء المتوفى وأفراد عائلته، بينما لاذت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالصمت أمام فداحة الخطب، فمن العسير فك لغز الانتحار في غرفة حمام بفندق يطل على الحرم المكي.
قالت الأبحاث التي قامت بها الشرطة السعودية إن الضحية وجد ميتا في حمام غرفته بالفندق وهو في حالة شنق، وأكدت من خلال الاستماع لمرافقيه أن فرضية النية الإجرامية أو القتل العمد من طرف جهات أخرى غير واردة، مما قوى ورسخ فرضية الانتحار، لتخلص في نهاية المطاف إلى الاعتقاد بوجود اضطرابات نفسية ساعدت على اختيار النهاية المأساوية.
كان من الصعب العثور على مسببات الحادث في جو يغمره الإيمان والسكينة، وكان من العسير على المحققين أن يفكوا لغز انتحار مسن عبأ روحه بالإيمان، فاكتفوا ببلاغ مقتضب يقول إن حاجا مغربيا أقدم على وضع حد لحياته شنقا مما خلف صدمة قوية في نفوس الحجاج المغاربة الذين يقاسمونه الغرفة، والذين عثروا عليه جثة هامدة، ليقوموا بإبلاغ الوفد المرافق الرسمي بالمكتب 76، والذي تأسف للحادث المأساوي.
كان الحاج في العقد الثامن، ولم تعثر السلطات السعودية على مبرر للإجهاز على الرجل الذي لم تظهر عليه أعراض الاعتداء، فلف الغموض القضية ولم يتبين السبب الحقيقي وراء فعلته، خاصة أن الانتحار تزامن مع الأيام الأخيرة من الحج. في أكتوبر من العام الماضي، رفضت أسرة الشخص المنتحر دفن الجثمان في مكة، وقررت ترحيله من مستودع الأموات بمدينة مكة، مباشرة بعد إجراء تشريح طبي على الجثة، ليتم نقلها جوا إلى الدار البيضاء وسط غموض عجز المحققون عن فكه في الوقت الذي اختارت فيه المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول العربية، الحديث عن الوفيات التي عرفها موسم الحج دون الإشارة إلى فرضية الانتحار.
وغير بعيد عن نفس الفندق توفي إدريس طاروق البالغ من العمر 85 سنة، وهو يقف ملبيا ومهللا في يوم التروية للبدء في مناسك الحج. «يتحدر الفقيد من مدينة فاس، لديه ستة أبناء ثلاثة أولاد وثلاث بنات وقد قدم للحج قبل 18 يوما على موعد وفاته، حيث زار مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة المنورة وقدم إلى مكة وقام بأداء العمرة وكذلك زار غار حراء في جبل النور مع زوجته وابنته وزوجها اللذين قدما من فرنسا للحج معا. تجمع الروايات على أنه وأثناء نزوله من قمة جبل النور انزلقت قدمه وحصلت له وعكة بسيطة فتم إسعافه ونقل إلى طوارئ مستشفى الملك فيصل بمكة ليتم اكتشاف أنه يعاني أيضا من البروستات. وحاول الأطباء تنويمه لإجراء عملية جراحية للبروستات، ومن ثم نقله في قافلة الصحة ليتم حجه على نفقة وزارة الصحة، لكنه رفض وفضل الخروج والحج مع زوجته وابنته وزوجها. وأثناء التصعيد في مشعر منى فاضت روحه وتمت الصلاة عليه فجرا في المسجد الحرام ودفن في مقابر المعلاة».

لغز الوفيات يمتد إلى سفير المغرب في السعودية

أمام تعدد الروايات حول الوفاة المفاجئة لعبد الكريم السمار، السفير السابق للمغرب في المملكة العربية السعودية، والذي تقول التقارير الطبية لسنة 2009 إنه «فارق الحياة بسبب جلطة قلبية نقل على إثرها إلى إحدى مصحات العاصمة الرياض»، تتحدث روايات أخرى عن غضب السفير من محيطه ونزاعه المستمر مع موظفي السفارة ومع القنصل العام إذ وصل الصراع بينهما إلى حد الحجز على الحساب البنكي للقنصل، فيما رواية ثالثة تقول إن السفير الفقيد عاش خلافا مع وزارة الخارجية المغربية، إلا أن الصراع لم يتوقف بعد وفاة السفير، بل امتد بعد أن دخلت أسرته في صراع جانبي مع زوجته مصرية الجنسية والتي تشبثت بدفنه بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة التي تؤوي جثامين كبار الصحابة، بينما أكد القنصل العام ومساعدو السفير أن «قرار دفن جثمان السفير المغربي عبد الكريم السمار هو قرار سيادي خاص بالمغرب، والكلمة الأخيرة فيه ترجع إلى جلالة الملك».
كشفت أرملة السمار عن سر الوفاة المفاجئة لزوجها السفير، وقالت إن موظفي السفارة هم سبب ارتفاع مؤشر الضغط لدى الراحل، وقالت لهم في المصحة «أنتم قتلته» مؤكدة على وجود وصية غير مكتوبة تلتمس من الزوجة دفنه إلى جوار الصحابة بمقبرة البقيع. لكن المغاربة أصروا على دفن سفيرهم في المغرب غير مبالين بملتمسات الزوجة المكلومة.
وعرف الحدث تطورات عديدة خاصة بعد أن قامت حفصة الشعلان زوجة الملك عبد الله بزيارة إلى مقر إقامة السفير بالرياض لتقديم العزاء إلى أرملته، في الوقت الذي منع فيه القنصل المغربي علاء الدين بنهادي من تقديم العزاء إلى أسرة الهالك، على خلفية الخلافات القائمة بينه وبين السفير السمار والتي انتهت بالحجز على حسابه البنكي وترحيله إلى المغرب للالتحاق بالإدارة المركزية بوزارة الخارجية.
ويعتبر السمار واحدا من أكثر الديبلوماسيين المغاربة الذي ظل يشغل منصب سفير في ذات العاصمة، مما جعله مرجعا في العلاقات الديبلوماسية المغربية مع دول الخليج، وذلك اعتبارا لأهمية الرياض ضمن الخريطة الخليجية، حيث ظل بمنصبه أكثر من عقد من الزمن، علما أنه كان قائما بالأعمال قبل ذلك بالعاصمة الرياض، وهو المنصب الذي شغله بالقنصلية العامة للمغرب في مدينة جدة.
حسمت الرباط جدل الدفن وجرت مراسيم تشييع جنازة عبد الكريم السمار سفير المغرب بالمملكة العربية السعودية، بمقبرة الشهداء بالرباط ضدا على رغبة أرملته، حيث ووري الثرى في موكب جنائزي بحضور أفراد أسرة الفقيد وحشد من سامي الشخصيات من عالمي الفكر والدبلوماسية، كما قدم الملك محمد السادس العزاء لأسرة الراحل.
مرت سنوات على وفاة السفير دون أن تعين الرباط بديلا للسمار، وظلت أرملته المصرية تمارس مهام زوجها في مشهد مثير للاستغراب، قبل أن تتوقف الحكاية المثيرة للجدل في الوسط الديبلوماسي.

وفاة غامضة للواصف الإذاعي محمد الزوين

حين ودع محمد الزوين، الواصف الإذاعي الرياضي، أفراد أسرته في يوم خريفي من سنة 1979، وهو يهم بالتوجه إلى مطار النواصر لمرافقة المنتخب المغربي لكرة السلة المشارك في البطولة العربية بالرياض، أخبرهم بأن مقامه في الديار المقدسة سيطول لبعض الوقت، وأنه لن يعود إلى الوطن إلا بعد أداء فريضة الحج.
صدق الزوين لأنه لم يرافق المنتخب المغربي في رحلة العودة إلى المغرب، لكن القدر حال دون قيامه بمناسك الحج، إلا أن النية كانت أبلغ من العمل، ما دام الموت قد تصدى لرغبة ظلت تسكن الرجل قيد حياته.
قررت الإذاعة الوطنية إيفاد الواصف الرياضي عبد الفتاح الحراق إلى العاصمة السعودية الرياض من أجل تغطية وقائع البطولة العربية لكرة السلة، لكن زميله الزوين التمس منه السماح له بالقيام بالمهمة بدلا عنه لأنه كان يرغب في أداء مناسك الحج، لم يتردد الحراق في تلبية رغبة «سي محمد» الذي بدا أكثر رغبة في زيارة قبر الرسول صلوات الله عليه.
يقول رضوان الزوين، الواصف التلفزيوني والإذاعي والحكم الدولي، إن شقيقه لم يكن يعاني من أي مرض وإنه كان في صحة جيدة تخول له أداء المناسك دون أي إشكال، بل إن الواصف الموفد من طرف الإذاعة الوطنية قدم مراسلات عديدة وأنجز روبورطاجات من الرياض والمدن المجاورة دون أن يشعر بأي عائق صحي، ثم إن الطقس كان معتدلا ولم يشكل أي إعاقة مناخية للوفد المغربي والصحفي المرافق، وهي معطيات تؤكد، حسب رفاق الراحل، أن الوفاة كانت مفاجئة، علما أن الأخبار الواردة حينها من مقر إقامته بفندق الزهراء في الرياض ظلت كلها مطمئنة. في يوم 21 أكتوبر من سنة 1979، تلقى رضوان الزوين، الذي كان منهمكا في عمله بالمكتب الوطني للكهرباء بالدار البيضاء، إشارة إلى وجود زائر يريد أن يقابله على انفراد لغرض يخصه، كان الزائر هو نور الدين كديرة، رئيس القسم الرياضي بالإذاعة الوطنية، شعر رضوان برجليه تعجزان عن حمله إلى حيث يقف نور الدين، وتبين له من قسمات وجهه وجود نبأ غير سار، قبل أن يصافحه كديرة قال له وهو يحتضنه قائلا: «عزاؤنا واحد في سي محمد»، تحجرت الدموع في مآقيها واعتقل اللسان وتحول إلى كائن بلا حركة وهو لا يدري ما الخطب، أخبره رئيس القسم بالوفاة المفاجئة للزوين موفد الإذاعة إلى الرياض واكتفى بالإخبار دون إعطاء تفاصيل جانبية.
يقول رضوان الزوين الذي تسلم المشعل الإعلامي من الراحل، إن أفراد أسرة الزوين فضلوا عدم الخوض في مسببات الوفاة، ولم تتلق أسرته أي دعوة إلى الالتحاق بالرياض لمعاينة الجثة ومرافقتها إلى المغرب، وأضاف أن السلطات السعودية اتصلت به من أجل التشاور حول مكان دفنه دون الخوض في مسببات الوفاة أو ظروفها مع الاكتفاء بالإشارة إلى وجود نزيف في الدماغ دون إثباته بالوثائق الطبية، وأضاف أن الأسرة جنحت إلى السلم لأن الوفاة أولا قدر محتوم، ولأن أفرادها كانوا يعرفون أن غيمة كانت تجثم على العلاقات المغربية السعودية، وأن أي احتجاج في الموضوع لن يزيد الأمور إلا تعقيدا.
اكتفت زوجة الفقيد بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على وجه المرحوم بينما تناوبت بناته على تقبيل رأسه وسط التابوت الخشبي، وتقدم عثمان السعد، الأمين العام للاتحاد العربي للألعاب الرياضية، نحو شقيق الفقيد وسلمه مبلغا ماليا كعزاء من الجهاز للأسرة المكلومة، حدد في 20 ألف دولار، وضعها رضوان على الفور في يد الزوجة التي كانت تجفف دموعها.
وعلى الرغم مما تداولته الصحافة السعودية حول موضوع الوفاة، وما قيل حينها عن مبادرات تكريمية، فإن أسرة الراحل نفت أن تكون قد تلقت مساعدة باستثناء الإعانة الرسمية للاتحاد العربي للألعاب الرياضية، ومنحة من الوداد البيضاوي في شخص عبد الرزاق مكوار رحمه الله، الذي قرر تخصيص المباراة التي جمعت الوداد البيضاوي بنيم الفرنسي لتكريم الواصف الإذاعي الكبير محمد الزوين تقديرا منه للصحافة الصادقة، بالرغم من أن الراحل كان عاشقا لفريق الرجاء البيضاوي وهو أول من أطلق عليه لقب الشياطين الخضر، بل إنه من شدة تعلقه بالرجاء أطلق على أولى بناته اسم رجاء. أما الإذاعة الوطنية فاكتفت بتخصيص حلقة من الأحد الرياضي لتكريم فقيد الميكروفون، وانتهى الأمر بطي صفحته إلى غير رجعة بالرغم مما أسداه للإذاعة الوطنية من خدمات في زمن لم يكن فيه ذكر للفضائيات.
من المفارقات الغريبة في واقعة وفاة الراحل محمد الزوين، أنه كان آخر من أجرى حوارا في السعودية مع اللاعب مصطفى شكري، الملقب ببيتشو، قبل أن يحكم عليهما القدر بالموت سويا في البقاع الطاهرة، ويدفنا في نفس الفترة في مقبرة الشهداء، نفس القدر شاء أن يعين الراحل مديرا لمدرسة عين الشق الابتدائية دون أن ينعم بهذه الترقية لأنها تزامنت مع رحلته إلى الرياض.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة