عن كثب

أما الطبول فتطفو على جلدها زبدا

المصطفى مورادي
في قطاع التعليم العالي، حيث يعرف القاصي والداني، أنه لا تناقش أطروحة دكتوراه أو شهادة تأهيل إلا إذا نشر أصحابها مقالات مكتوبة باللغة الفرنسية أو الإنجليزية في المجلات المحكمة المتواجدة في الغرب، في هذا القطاع حيث اللغة الرسمية للتدريس في كليات العلوم والطب والصيدلة والمعاهد العليا المتخصصة، هي اللغة الفرنسية، وحيث اللغة الرسمية في التدريس في التعليم العالي الخاص هي الإنجليزية. إذن، في هذا القطاع هناك كاتب دولة يشرف على البحث العلمي يعتبر اللغات الأجنبية لغة مستعمر. قد يبدو الأمر طبيعيا عندما نعرف أن الموضوع يتعلق بمسؤول يترأس منتدى هو عبارة عن ذراع من أذرع حركة التوحيد والإصلاح. وقد نتفهم هذا الموقف عندما نعرف أن الأمر يتعلق بـ«باحث» أنجز أطروحته الجامعية باللغة العربية، ولم يعان قط مما يعانيه الباحثون الحقيقيون من ضرورة نشر مقالات بلغتين أجنبيتين قبل مناقشتها. قد يبدو الأمر طبيعيا، أيضا، عندما نعرف أن الأمر يتعلق بمسؤول يجد حرجا كبيرا وهو يقرأ بلحن واضح وثائق مكتوبة بالفرنسية أو الإنجليزية أثناء ترؤسه للاجتماعات مع مسؤولين جامعيين في الجامعات والكليات، ولاسيما وأن أغلبهم خريجو الجامعات والمدارس العليا الأجنبية. قد يبدو الأمر طبيعيا، أيضا، إذا عرفنا الحرج الكبير الذي يشعر به هذا المسؤول، وهو يستقبل شخصيات أجنبية، جاءت لتساعدنا في التعليم العالي، ويضطر إلى أن يعتمد على بعض أعضاء ديوانه في الترجمة لكونه معربا بالكامل.
في هذا المستوى، لا يختلف الصمدي عن سعد الدين العثماني ومصطفى الخلفي ومحمد يتيم ممن لا يكادون ينطقون جملا مفيدة باللغات الأجنبية، ففي الأمر مساحات كثيرة من المعيقات النفسية، ومن «ألم» الجهل، لا يخففه إلا بيان أو تصريح صحفي يحاول فيه هؤلاء اصطناع الكبرياء والحديث عن أهمية اللغة العربية في التدريس. والأمر واضح هنا من كون هذا الادعاء هو أقرب إلى التعويض النفسي منه إلى الحقيقة. غير أن ما لا يمكن فهمه إطلاقا، هو أن يكون المسؤول عن التعليم العالي أول من يصف الفرنسية بلغة المستعمر، وهو الذي لا يتوقف عن زيارة فرنسا والجامعات الفرنسية، كما لا يتوقف عن كتابة وإرسال الطلبات تلو الأخرى إلى هؤلاء المستعمرين، للاستفادة من خبرتهم واجتهاداتهم وعلومهم ومناهجهم. بل ما لا يفهم أيضا هو أن يصدر هكذا موقف من مسؤول يُعدُّ المعني قبل غيره بحديث الملك محمد السادس في خطاب 20 غشت عن «إدماج تعليم هذه اللغات في كل مستويات التعليم، وخاصة في تدريس المواد العلمية والتقنية».
هكذا اختار مسؤول في الحكومة أن ينحاز لموقف حزبي فيه الكثير من ألاعيب التمويه والتغليط، بدل أن ينحاز لتوجهات الدولة. اختار الانحياز للتناقضات بدل الانحياز للوضوح مع الذات. فهو، كأي «إخواني» يدرس أبناءه في القطاع الخاص، حيث لا تدرس العلوم إلا باللغات الأجنبية، ولكن عندما يتعلق الأمر بتعليم أبناء الشعب فإن اللغة العربية «خط أحمر». إنه مسؤول تقاضى ويتقاضى رواتبه وتعويضاته من الدولة، ليس ليساهم في الحل بل ليكرس المشكلات بكل صفاقة. فما يتجاهله الصمدي هو أن هذه الدولة التي تقوم بدفع رواتبه منذ كان يجمع تعويضات منصبه كمستشار عند رئيس الحكومة وأيضا كعضو في المجلس الأعلى للتربية والتكوين، هذه الدولة باتت مقتنعة بأن الهشاشة الاجتماعية للعاطلين مصدرها الرئيسي عدم التمكن من اللغات الأجنبية، وهو الوضع الناتج عن كون التدريس يتم باللغة العربية فقط. قلنا قد نتفهم أن يكون الصمدي داعيا للعربية وهو الذي اغتنى من استشاراته لبعض دول ومنظمات خليجية في مجال تدريس التربية الإسلامية، لكن ما لا يفهم هو أن يلهُوَ عن حقيقة أن المغرب شريك متقدم لأوروبا وليس للخليج. وأن فرنسا التي يصر هو وإخوانه على تسميتها بالمستعمرة، هي نفسها فرنسا التي تعتبر الشريك التجاري والاقتصادي الأول للمغرب، وهي نفسها فرنسا التي تشغل شركاتها ومقاولاتها مئات الآلاف من الشباب المغاربة في مختلف المدن المغربية. وهذا بقوة الواقع وليس بتخيلات الأوهام.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق