أمير رديء

أمير رديء

لعل أول شيء يتبادر إلى ذهن الكاتب عندما يؤلف كتابا حول مذكراته الشخصية والحميمية التي يتعرض فيها لذكر أعضاء من عائلته الصغيرة، هو تخصيص مكان صغير لأفراد هذه العائلة في الإهداء المخصص للأصدقاء والأحبة.
في كتابه «أمير منبوذ» خص الأمير مولاي هشام جميع أصدقائه ومعارفه وخدامه بالشكر في مؤخرة الكتاب، غير أنه لم يذكر أخاه الوحيد، مولاي إسماعيل، بكلمة شكر واحدة، بل إنه ذكره مقرونا بالاحتجاز عندما قال إنه أغلق عليه الباب خوفا من أن يفسد حضوره على الملك لحظة وجوده في البيت.
وربما لذلك يطالب مولاي هشام أخاه اليوم عبر أعوان قضائيين بمغادرة البيت الذي ورثه عن والده الأمير مولاي عبد الله. فما يحرك «الأمير المنبوذ» ليس شيئا آخر غير الانتقام.
وقد كان صادقا عندما وصف نفسه قائلا «أنا لست ضد الملكية مبدئيا، أنا فقط أمير رديء بشكل ما»، ص10.
الأمير ذو التربية الأمريكية لم يجد أي حرج في استثناء والدته، لمياء الصلح، هي أيضا من كلمة الشكر. وفي المرات التي ذكرها في الكتاب قدمها على هيأة سيدة جميلة وأنيقة كان يستعملها والده الأمير مولاي عبد الله كجزء من حقائب السفر، أو كـ «حيوان رمزي» Une mascotte، أو ككأس ربحها Un trophée، يتباهى بها أمام ضيوفه، خصوصا علال الفاسي الذي كان يرسلها لاستقباله والحديث معه حول الفقه والدين.
أما حديثه عن والده الأمير مولاي عبد الله فلم يستثن حياته الخاصة، خصوصا عندما أصبح مدمنا على شرب الويسكي، ويحكي الأمير أن هذا الإدمان الذي تسبب له في أخوه الملك الحسن الثاني، كان سببا في التعجيل بوفاته. وكأنه يحمل مسؤولية موت والده لعمه الملك.
وبين ثنايا الكتاب تتعدد الحكايات التي أراد الأمير أن يدسها في وجبته الحكائية على شكل بهارات حارة لكي تفتح شهية القارئ، سوى أن بعض هذه البهارات تثير الغثيان. وكمثال على ذلك حكايته حول الراوي الذي جلبه والده من إحدى ساحات جامع الفنا لكي يؤنسه برواية الحكايات، والذي لشدة ما كان قنوعا لم يطلب شيئا من الأمير مولاي عبد الله، مما دفع هذا الأخير إلى مطالبته بسؤاله شيئا لكي يعطيه له. ويحكي الأمير كيف أن الحكواتي أنزل سرواله أمام والده الأمير مولاي عبد الله كاشفا له عن بواسيره طالبا منه أن يساعده في إيجاد علاج لها.
ولكي يزيد الأمير مولاي هشام في مقدار البهارات يتحدث عن الحريم في قصر الملك محمد الخامس، ويحكي قصة التركية هاجر التي كانت إحدى المقربات من الملك مولاي عبد العزيز. ويحكي الأمير مولاي هشام أن هذه المرأة لم يحدث بينها وبين الملك أكثر من علاقة جنسية واحدة طيلة حياتها كاملة. كما يقول، كما لو كان حاضرا في غرفة النوم، أن شيئا ما غريبا حصل تلك الليلة إلى درجة أن الحرس الملكي كان عليه أن يتدخل لفض النزاع. ويقول الأمير إنه عندما كان يسأل والدته عن سر تلك الليلة كان والده يقول له «دع عمي في حاله، فالأمر يتعلق بالحياة الخاصة للعلويين».
غريب أن ينشغل أمير بمعرفة ماذا حدث بين جارية وسلطانها في غرفة النوم. ولعل السبب في إيراد هذه الحكاية هو الرغبة في الإثارة، فكل ما له علاقة بالحياة الخاصة للعلويين ستكون إثارته مدعاة للانتباه.
ولعل قراءة سريعة للكتاب المغرق في الذاتية تعطي فكرة واضحة عن هذا الشعور السلبي الذي يتلبس الأمير. فهو يريد أن يعطي الانطباع بأنه كتب كتابه من أجل المغاربة حتى إذا قرؤوه واستوعبوا «الدرر» النفيسة التي تنطوي عليها فصوله أخذهم الحماس وخرجوا إلى الشوارع بالملايين لكي يطالبوا بتفكيك «دولة المخزن» مطالبين بإسقاط الملكية العلوية لتعويضها بملكية أخرى يقترحها عليهم الأمير مولاي هشام ضمن عقد جديد وضع بنوده في كتابه وحدد أسماء من سيتكفلون بتطبيقه.
وهو العقد الذي سبق أن تحدث عنه في مقالة سابقة نشرها الأمير في شكل رواية مستقبلية قصيرة تحت عنوان «المغرب الآخر»، على صفحات موقع مؤسسته التي أرادها أن تعنى بتشجيع البحث في العلوم الاجتماعية حول بلاد المغرب الكبير والشرق الأوسط، وسماها «مولاي هشام فونديشن» والتي اختار مقرها بمملكة «الليشنشتاين»، وهذا المقال  كان الأمير قد نشره في المجلة الفرنسية «Pouvoirs»، بما تحمله تسمية المجلة من دلالات.
وتكشف أحداث الرواية تصور الأمير لما سيكون عليه المغرب سنة 2018 بعد نجاح ثورة الكمون، والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي ستحدث بالمغرب بعد انهيار النظام الاستبدادي الذي يشكل فيه المخزن القرين القبيح للعرش، وهي بذلك أشبه ببرنامج سياسي واقتصادي لزعيم حزب أو معارض سياسي، وفق تصوره لما يجب أن ينجز من إصلاحات هيلكية، وما يتعين أن يسود في مجتمع تحرر للتو من سطوة الاستبداد. وقد اختار الأمير يوم الخميس 8 فبراير من سنة 2018 يوما مفترضا لعودته المتخيلة إلى المغرب، وللإشارة فقط فإن يوم 8 فبراير 2018 يصادف فعلا يوم خميس، ولا ندري ماذا يمثل هذا اليوم في أجندة الأمير، ولماذا اختاره سموه تاريخا حقيقيا لعودته الافتراضية إلى المغرب، خاصة مع حرصه على التأكيد أن هذا التاريخ سيظل محفورا في ذاكرته.
وإذا نحن قمنا بلعبة البحث عما يمثله يوم «8 فبراير» على طريقة فقرة «حدث في مثل هذا اليوم» التي تبثها قناة الجزيرة، فإننا سنجد أنها تصادف حركة 8 شباط 1963 أو ثورة رمضان التي أطاحت بنظام حكم رئيس الوزراء في العراق عبد الكريم قاسم، كما تصادف إعدام ملكة سكوتلاندا ماري ستيوارت وتصادف ذكرى وفاة هولاكو أيضا.
وبما أن الزيارة «المستقبلية» للأمير الأحمر كأول زيارة له منذ «التغيير» السياسي بالمغرب، أو نجاح ثورة الكمون التي يبشر بها، فسيكون مشروعا بالنسبة لنا أن نعتقد بأن اختيار 8 فبراير تاريخا لعودته الافتراضية يقوم على خلفيات سياسية من هذا القبيل بالدرجة الأولى.
وإذا كان من مكرمة تحسب للأمير فهي أنه كان واضحا في التعبير عن مطامعه السياسية، خصوصا عندما يقول في الصفحة 11 من كتابه «لا أطلب من أحد أن يلتزم من أجلي، بل من أجل المغرب لكي يتغير، لست مرشحا لأي شيء ولا أريد أخذ مكان أي أحد، ولكن في الوقت نفسه لا أمنع نفسي من أي طموح لصالح خدمة بلدي، وإذا كان المغرب يريد أن يكون مملكة للجميع سأكون معه».
فقد فكر الأمير مليا خلال سنوات الربيع العربي الذي عصف ببلدان مجاورة، ووجد أن السؤال المركزي الذي سيجيب عنه بواسطة هذا الكتاب هو هل مازالت الملكية تصلح للمغاربة أم لا.
وهنا يسقط الأمير في أكبر تناقضاته، خصوصا عندما يشرع في تمجيد الملكية كنظام حكم موروث منذ مئات السنين، بضوابطه وتقاليده وخصوصياته ولغته وإشاراته، ثم بعد ذلك ينتهي إلى خلاصة مفادها أن الحل الوحيد المتبقي أمام المغاربة هو تفكيك هذا النظام والإطاحة بالملك وطرد معاونيه.
التناقض الآخر الأكثر إثارة للاستغراب هو عندما يقول الأمير إنه طلب من ابن عمه الملك غداة وفاة الحسن الثاني إعادة ثروة الملكية إلى الشعب، لكن طلبه هذا قوبل بالرفض. طيب، عندما قوبل طلبك بالرفض لماذا لم تعط المثال بنفسك وتتبرع بثروتك التي ورثتها عن والدك الأمير مولاي عبد الله للشعب المغربي؟
يبدو أن الأمير لا يحب الواقعية كثيرا ولأجل ذلك اجتهد على طول صفحات كتابه في إعادة رواية إشاعات ساقها على ألسن موتى لا يستطيعون تكذيبه. علما أنه هو نفسه يسوقها مؤكدا كونها مجرد إشاعات ينتظر من الشهود الذين مازالوا أحياء أن يؤكدوها.
ومن بين هذه الأحداث التاريخية التي تتردد على الألسن، حادث قطع رأس المهدي بنبركة وحملها إلى الحسن الثاني. وحسب الأمير فالدكتور كليري الطبيب الخاص لمحمد الخامس والحسن الثاني حكى لوالده الأمير مولاي عبد الله حكاية الرأس المقطوع هذه.
والأمير متأكد من صحة هذه القصة، وإلا فهو لا يعرف الأسباب التي ستدفع الدكتور كليري لكي يحكي لوالده هذه القصة الدموية لو لم تكن صحيحة.
والرسالة التي يود الأمير بعثها من وراء إعادة هذه القصة هو تحميل الحسن الثاني مسؤولية تصفية بنبركة، مثلما حمله قبل ذلك مسؤولية وفاة أخيه مولاي عبد الله.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة