أهل باريس أدرى بأقفالها  

في باريس يوجد جسر يدعى «جسر الفنون» يمر فوق نهر السين، على هذا الجسر يأتي العشاق من مختلف أرجاء العالم فيقومون بتعليق قفل يكتبون عليه أسماءهم، ثم يرحلون. فتظل أسماؤهم هناك وقد أحكم إغلاق القفل حولها، حتى تقرر البلدية إزالة الأقفال خوفا من أن يسقط الجسر بسبب ثقل الأقفال وكثرتها..
المتأمل لحال من يئنون تحت سطوة الحب يشعر وكأنه أمام «جسر الفنون»، فعندما نجعل من الحب قفلا نغلق به أعيننا وساطورا ننحر به شخصيتنا وسجنا نحكم فيه على أرواحنا بالمؤبد دون تخفيف، يصبح الجسر الذي يربطنا بالحياة وروعتها مثقلا واهيا يكاد يقع، حينها لا بد للأقفال أن تُكسر وتُنتزع، فأما وإن ظلت صامدة جاثمة على أنفاسنا، فحينها لا بد للجسر أن يهوي فوق  نهر الندم البئيس.. الأبدي!
ننسى أننا إذا ما أحببنا بعقلية الأقفال فنحن بصدد كشف قلاعنا وفتحها أمام غازٍ لا ندري سلميته من جبروته، نسمح باسم الحب أن نمنح مفاتيحنا لقفل دخيل يخترقها ويحكم إغلاقها، نبرر أنه شعور أكبر منا، فيُحكم سيادته ويستبد به الحال أن يقسو علينا داخل قلاعنا.
العيب ليس في الإحساس النبيل ولا في الشعور الجميل الذي يدعوك للسعادة ويفتح لك أبواب الهناء، العيب فينا حين نسمح بالسلطوية في الحب، حين نرضى بالأقفال في حبنا ونتبنى نظرية التملك والاستحواذ على حياة الطرف الآخر بدعوى الحب، حين نجرد أنفسنا من حريتها ونمنحها لشخص آخر باسم الحب، حين نغير أسماءنا وأشكالنا وأحلامنا باسم الحب، حين نقتل التميز فينا باسم الحب، حين نختزل أنفسنا في متبوع واجم تحت رحمة المحبوب باسم الحب.
الرجل الذي يجعل من حبيبته السلطة الأولى والثانية والثالثة،  يرضخ لها كأسير تحت رحمة جلاده، يفقد نفسه، كينونته، شخصيته، داخل لعبة يسميها المسكين حبا.. ليصبح خواء! والمرأة عندما تقبل أن تتبعثر أوراقها وأحلامها أمامها وأن تغلق الأبواب عليها، وأن تُشيأَ وأن تذوب شخصيتها وأن ينتزع منها حتى حق التعبير.. باسم الحب.. فهي حينها تكتب لقلبها أن يدفن حيا بين أضلعها.. لتصبح المرأة الشبح!  فما أن تكشف الحياة غشاوتها عن الأعين وتتفتح البصائر.. حتى يقف كل أمام حقيقة هذا الحب الذي جعلوا منه أقفالا جاثمة على أنفاسهم.. حينها تتساقط أوهامهم وأقفالهم تباعا، وتُلقى بعيدا،  قبل أن تُدَمر الجسور التي تربطهم بالحياة.. وتسمح لهم بالاستمرار كآدميين كاملي الحرية تامي القدرة على الاختيار.  أحبوا هٓوْنًا.. واتركوا للطرف الآخر شخصيته الخاصة التي تميزه، لا ينصهر أحد داخل آخر فيُفنيه، دعوا الحب يسود لا هو أو هي، فالحب لا يحتاج منا لقائد وتابع، الحب يحتاج أشخاصا يفهمون أنه فرصة ليظهروا أجمل ما فيهم، الحب جسر نحو حياة جيدة دافئة لا غالب ولا مغلوب فيها، فقط عندما نحب بحرية وتميز نكون جديرين بالانتماء لأهل الحب.
ويبقى أهل الحب أدرى بجسوره، وأهل باريس أدرى بأقفالها!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة