GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

«أوراق بنما».. فضح المعلوم وكتم المستور (1/2)

إذا كان المرء لا يبصر ـ حتى الساعة، أي حتى إشعار آخر أي اسم أمريكي في لوائح «أوراق بنما»؛ فالأمر لا يرجع إلى نظرية مؤامرة أمريكية من أيّ نوع، لأربعة أسباب على الأقلّ: 1) أنّ النظام الضريبي الأمريكي يحابي كبار الأثرياء، وفي وسعهم العثور على جُزُر ضريبية آمنة، وطنية تماماً، في وايومنغ أو ديلاوير أو نيفادا؛ و2) أنّ كُتَل الأموال الأمريكية الفلكية، ومؤسساتها العملاقة، معولَمة أصلاً وعابرة للقارّات والمحيطات، وهي استطراداً جزء لا يتجزأ من البنية الكونية للفساد والإفساد؛ و3) أن يُكشف النقاب عن تورّط عدد كبير من المؤسسات المالية والجهات الإسرائيلية، أمر غير مألوف في سيناريوهات التآمر الأمريكية؛ و4) لو كان الأمر مؤامرة ما (من جورج سوروس شخصياً، كما يصرخ المدافعون عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، لاقتضت الحبكة استغفالاً أقلّ لعقول الناس، وانطوت اللائحة على كبش فداء أمريكي هنا أو هناك.
الأمر الذي لا ينفي، كما يتوجب الإيضاح دون إبطاء، أنّ «اتحاد الصحافيين الاستقصائيين»، الذي تولى التحقيقات في أكثر من 11,5 مليون وثيقة، ليس مموّلاً ـ جزئياً فقط، للإنصاف ـ من شركات ومؤسسات مالية ومنظمات أمريكية كبرى مثل صناديق «فورد»، و«المجتمع المفتوح» و«كيللوغ» و«عائلة روكفلر». غير أنّ استعراض تاريخ الاشتغال على الوثائق (طيلة عام كامل تقريباً، في أكثر من مكان، وأكثر من 100 مؤسسة إعلامية)، وعدد الصحافيين المشاركين (قرابة 400 صحافي، ينتمون إلى 70 جنسية)، دققوا معاملات 214 ألف شركة، فعلية أو وهمية؛ إنما يؤشر، في معطياته هذه أولاً، على مقدار ما احتوته «أوراق بنما» من معطيات وحقائق.
وإذا كان آخر ما يُستغرب من الطغاة، على امتداد العالم بأسره، ولكن في العالم العربي تحديداً، أن يلجؤوا إلى كلّ ما يتوفّر من أساليب ملتوية ومخادعة وجنائية وإجرامية، لحُسن تخزين أموالهم ـ التي نُهبت من كدّ الشعوب وإملاقها وثرواتها الوطنية، في نهاية المطاف ـ وحمايتها وتوظيفها، بعد التعتيم على وجودها أصلاً؛ فإنّ تورّط رجال ونساء، مواطني ديمقراطيات غربية تسود فيها دولة القانون، على غرار بريطانيا وإسبانيا والنمسا واليونان ونيوزيلندا وأستراليا وآيسلندا… هو الذي يضيف قيمة خاصة إلى «أوراق بنما»، حتى إذا كان لا يأتي بجديد في الواقع. وإذا غابت ألمانيا عن اللائحة ـ حتى الساعة، للتذكير مجدداً ـ فإنّ مكتب المحاماة «موساك فونسيكا»، حاضنة الشبكات موضوع الفضائح، تأسس سنة 1977، على أيدي البنمي رامون فونسيكا، وشريكه… الألماني يورغن موساك!
وليت أساليب التحايل اقتصرت على إنشاء شركات وهمية تتيح التهرّب من الضرائب، أو تمويل صفقات سرّية لتبييض أموال شتى أصناف الاتجار غير المشروع، أو إدارة أنشطة مالية محظورة، أو تكديس ثروات خارج أية رقابة مالية… الأدهى هو تورّط شركات عالمية كبرى، في مساعدة عدد من مجرمي الحرب على التملّص من عقوبات مفروضة عليهم من جانب مؤسسات عالمية ودول عظمى؛ والعمل على تأمين الوقود لقاذفات النظام السوري، التي تحصد أرواح الأطفال والشيوخ والنساء والأبرياء المدنيين كافة، لكي يسوق المرء مثالاً واحداً، دامياً وهمجياً. والأشدّ وقاحة أن يقول المحامي فونسيكا إنّ مكتبه لم يخالف القانون، وكلّ ما فعله هو «تنفيذ صفقات اندماج أو حيازات عابرة للحدود، أو إجراء معاملات إعادة الهيكلة واجتذاب الرساميل من مستثمرين ينتمون إلى أنظمة قضائية متباينة، ويبحثون عن نظام قانوني وضريبي محايد».
والحال أن فونسيكا، على وقاحته، لا يجانب الصواب تماماً، من حيث الأبعاد القانونية لتأسيس الشركات الوهمية وتوظيف الأموال الفلكية، أو حتى تبييض بعضها على نحو لا مساءلة فيه (تماماً كما فعل رجل أعمال سوري، اشترى عقارات في لندن نيابة عن آل الأسد وشركائهم!). ثمة هنا سرّ معلوم، ولكنه مفتضَح لتوّه ومنذ عقود، أو بالأحرى منذ ترسيخ النظام المالي الكوني الراهن؛ اسمه الجُزُر الضريبية الآمنة، ولا يبذل طغاة الكون وأثرياؤه أية مشقة في العثور على الجزيرة الملائمة: بنما، جُزُر سيشل، جُزُر كايمان، جُزُر فرجينيا البريطانية، أو حتى دولة مثل لوكسمبورغ أو أختها سويسرا. وحين يجد أثرياء الأنظمة الديمقراطية مشكلة من أيّ نوع تعيق قدرتهم على صناعة القوانين وصناعة السياسة والاقتصاد في بلدانهم؛ أو حين يضطر الطغاة والفاسدون في الأنظمة الدكتاتورية إلى تهريب الأموال نتيجة ضغط خارجي ما، أو رغبة دفينة في الاستئناس بحماية صيرفي أجنبي؛ فإنّ هذه الجُزُر بانتظارهم، تفتح لهم مصارفها وقوانينها، على الرحب والسعة.
والمرء لا يملك إلا تصديق «موساك فونسيكا» حين تعلن أنها لا تعرف، من الأسماء الحقيقية لعملائها مالكي الشركات، إلا 204 من أصل 14.086 شركة؛ وذلك ضمن ما سجّلته من شركات في جُزُر سيشل، في المحيط الهندي. في المقابل، نعرف اليوم أن في عداد زبائنها 58، على أقلّ تقدير، من أقرباء أو أصدقاء أو زبانية رؤساء دول، وملوك، ورؤساء حكومات… ولقد حدث، ذات مرّة، أنّ الحكومة البريطانية غرّمت «موساك فونسيكا» مبلغ 37,500 جنيه استرليني لأنها خرقت قانون حظر تبييض الأموال، في جُزُر فرجينيا؛ حين سجّلت شركة باسم علاء مبارك، نجل الرئيس المصري المطاح به، وذلك رغم إحالة الأب والابن على القضاء بتهمة الفساد. لا نعرف واقعة أخرى من هذا الطراز، وبالتالي فإنّ «موساك فونسيكا»، الابنة الشرعية لقوانين السوق والعولمة والأخلاقيات الرأسمالية المعاصرة، ذات سجلّ عدلي نظيف تماماً، أو يكاد!
يبقى، بالطبع، أنّ ما افتُضح حتى الساعة، وما سيُفتضح في قادم الأيام، ليس سوى أسرار السطح التي كانت مفتضَحة في الأساس، وتلهج بها الألسن، خاصة في ظلّ أنظمة الاستبداد والفساد. ولقد مضى زمن غير بعيد (أواسط الثمانينيات في الواقع)، كانت فيه دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل «هارفارد بزنس ريفيو» تعتمد ما يشبه الفلسفة «الثقافية»، المستندة إلى مقاربة «أنثروبولوجية» أيضاً، في تفسير شيوع الرشوة والفساد في بلدان العالم الثالث: هذه «مكوس» لا تُدفع للفرد وحده، بل للقبيلة بأسرها، تساجل المجلة؛ وثمة شبكة من المصالح المشتركة بين الأفراد والقبائل تستدعي تحصيل نصيب غير مباشر من الثروات، يُوزّع على أفراد القبيلة، أو يُصرف في تحسين سُبل عيشها داخل المؤسسة الأكبر للدولة.
وأسرار الفساد (مثل خفايا الإفساد) ليست شارعاً وحيد الاتجاه: ثمة الفاسد والمرتشي وقابض العمولات، وثمة المفسد والراشي ودافع العمولات. وتقارير منظمة «الشفافية الدولية» تسجّل هذه الحقيقة، بل هي تتكئ عليها بصفة أساسية حين تتحدّث عن العواقب البنيوية الوخيمة التي تلحق بالاقتصادات النامية جرّاء شيوع الفساد في أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالتنمية. والتقرير الرائد في هذا الصدد، الذي وضعه باولو ماورو في سنة 1995، أشار إلى أنّ الدول الأكثر فساداً تشهد القليل فالأقلّ من توجّه ناتجها القومي الإجمالي إلى الاستثمار، والقليل فالأقلّ من معدّلات النموّ.
ولقد بدأ الأمر قبل نحو عام، من مجهول اتصل، على نحو مشفّر، بصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية، وقدّم معطيات عن مكتب محاماة مغمور في بنما، واليوم يتضح أنّ المغمور كان أكثر أخطبوطية من أيّ معلوم راهن في شارع الفساد. ولأنه متعدد الاتجاهات، وكان وسيبقى متعدد الأسرار كذلك؛ فإنّ ما خفي في الشارع إياه، هو ذاك الذي عجزت عن كشفه 11,5 مليون وثيقة، وهو الذي كان ويظلّ الأعظم!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة