أيتام عُمر

على وزير الصحة أن يفكر في إعادة فتح «بويا عمر» لأن إغلاقه أثّر على الكثيرين هذه الأيام. وبمجرد ما نال الحسين الوردي، وزير الصحة التي ليست وردية للأسف، تصفيقات كثيرة لأنه أغلق هذا المكان الذي كان يكبل فيه المرضى بالسلاسل وكأنهم في العصور الوسطى، حتى انهالت عليه الانتقادات من جديد واتهمه القريبون من المكان بأنه لم يدرس قرار الإغلاق جيدا ولا مصير الذين كانوا محتجزين في كنف أبيهم عُمر.
أيهما أكثر ضررا، البرد والزمهرير والشتاء؟ أم سلاسل الضريح المثير للجدل؟ نزلاء «بوهم» عمر، يتجولون هذه السنة حفاة عراة في الأماكن العمومية وعلى عتبة الخاصة أيضا، دون ملجأ يقيهم برد الشتاء، ولا بد أنهم الآن يشعرون بالحنين إلى تلك السلاسل.
لا يمكن لبلد أن يتقدم للأمام، وفيه مناظر بهذا الشكل. يوميا يستيقظ المغاربة ليغادروا بيوتهم في صباحات الشتاء الباردة، ليجدوا في طريقهم أناسا ممددين في الأرض وفي عتبات العمارات السكنية وأمام المحلات التجارية التي أغلقتها الأزمة وغلاء المعيشة، ملفوفين في البطانيات المتسخة كالمومياء، لا فرق بينهم ومنكوبي الحروب.
لا أحد يتقزز من هذه المناظر لأنها أصبحت تتكرر، وقد يشعر المغربي بنقص كبير إذا لم يستيقظ على منظر متسول يرتعد بردا أو سيدة تحمل رضيعا استحال لونه إلى زرقة قاتمة بفعل البرد، أمام الإشارة المرورية.
يقول المسؤولون دفاعا عن أنفسهم، إن أي دولة في العالم تعاني من مشكل وجود المشردين والمتسولين. ولا بد أنها أول مرة في التاريخ يكون فيها المسؤولون المغاربة على حق.
بالأمس، عرضت قناة أمريكية متخصصة تقريرا مفصلا عن حياة الفقراء في إحدى أغنى الولايات الأمريكية، وحاولت الكاميرا أن تكون قريبة من حياتهم ولمَ لا، لتبحث عن إجابة لتفاقم ظاهرة المشردين الذين ينامون في العراء أيام الشتاء..
سيكون غريبا أن ترى كيف أن أقوى دولة في العالم، لا تزال تعاني من مظاهر التهميش و«الحكرة»، حيث يصطف فقراؤها في صف طويل لانتظار دورهم عند طبيب يفترض أنه مجاني، يقدم خدمات طبية متواضعة لأناس لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج الباهظة جدا. آلاف الدولارات لكي يكشف عليك الطبيب لمدة لا تتجاوز ربع ساعة، يخبرك فيها بضرورة الحصول على تحاليل طبية تبلغ تكلفتها ضعفي أجرتك الشهرية. في المقابل هناك خدمات طبية مجانية موجهة بالأساس إلى الفئات الهشة، والذين يحملون الجنسية الأمريكية أبا عن جد، ولا يمكنهم الاستفادة إلا من خدمات رديئة صورت الكاميرا كيف أنها تزيد من معاناة المريض ولا تعالجه.
يحدث هذا في أقوى دولة في العالم، وفي دول متقدمة أخرى. لكن هناك على الأقل، يختار المشرد بين أن يعيش حياته مشردا وأن يتخذ قرارا صحيحا يغير حياته. أما هنا في المغرب، فقدر الفقير أن يبقى كذلك إلا إذا حدثت معجزة. هناك على الأقل، لا يغتني المسؤول على حساب الفقير، ولديهم أيضا إجراء اسمه المحاسبة.
هنا بإمكانك أن تجمع أيتام «عمر» أو تفرقهم إن شئت بين المدن وتزرعهم في المحطات الطرقية أيضا ليموتوا بردا، دون أن يتحرك أحد لإنقاذهم. هنا يمكن أن يتضامن الجيران الفقراء، يتنازلوا عن بطانيات أبنائهم ليساعدوا أسرة لا تجد حتى غرفة تسكنها في هذا البرد، بينما مسؤولو الرعاية الاجتماعية يغطون في نوم عميق، ممددين أمام مدفأة باذخة بعد وجبة عشاء كثيرة الدسم.
هنا، بإمكانك الانتظار إلى أن تجمع ثمن الإبرة والخيط والبنج، وحتى الكفن تحسبا للطوارئ، وبعدها تستطيع أن تخضع لعملية جراحية مفتوحة على جميع الاحتمالات في مستشفى عمومي، بمالك الخاص.
إذا دققت أكثر في الأمر، ستجد أننا جميعا مشردون، في المنازل كنا أو أسفل القناطر. لا أحد يستطيع أن يغمض جفنه ويستأمن هؤلاء المسؤولين على الغد. صحيح أن هناك مشردين في أمريكا وفي بقية دول العالم.. لكن ما يجعلنا أسوأ الناس حظا، أن مسؤولينا يصرون على مساواتنا مع العالم، في الجانب البئيس فقط.. ألسنا كلنا أيتام عُمر؟

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة