CAM – Campagne Mobile-Top

أين ذهب سيئ الذكر آدم كودجو؟

أين ذهب سيئ الذكر آدم كودجو؟

سألت وزير الإعلام الدكتور عبد اللطيف الفيلالي، إن كانت هناك مؤشرات انفراج في العلاقات المغربية – الجزائرية، أجاب بأنه يأمل ذلك، وليس لديه أي معطى بهذا الصدد. كان السؤال عارضا وعندما ألححت عليه بأن الموضوع من أجل الاستئناس وليس النشر، رد مبتسما بقول الشاعر: «إذا رأيت أنياب الليث بارزة..»، ولم يكمل الشطر الثاني.
لا ينقصه الوضوح والنزوع إلى تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، لكنه يميل إلى حدس تلقائي لاستقراء الهدوء الذي يسبق العاصفة. وكتب بمرارة عن خذلان القادة الجزائريين الذين شاركهم ملح الطعام. واستضاف مرة في بيته حين كان سفيرا في مدريد خادمتين مغربيتين كانتا تعملان في إقامة السفير الجزائري في إسبانيا، اشتكتا من ضروب الإهانة التي تعرضتا لها لأنهما مغربيتان.
بقي الفيلالي على قناعته بأن المسؤولين الجزائريين لا يهرولون في اتجاه المغرب إلا في حال اجتيازهم أزمة خانقة، أو لتمهيد الأجواء لخطة مبيتة. ومع أنه كان دبلوماسيا لبقا يصطفي كلماته بدقة، فإنه يفقد تحفظه كلما تعلق الأمر بالخلافات المغربية – الجزائرية.
بل إنه يعتبر من رجالات السياسة القلائل الذين جاهروا بأن استقلال المغرب كان ناقصا، لأنه لم يشمل الأقاليم الجنوبية ومناطق الصحراء الشرقية وثغور الشمال. وكان من دعاة استغلال فرصة الحوار مع السلطة الفرنسية آنذاك لاسترجاع كافة المناطق المغتصبة. وعلى رغم حماسه لبناء «الاتحاد المغاربي» الذي شارك في حواراته من موقعه كوزير للخارجية، فقد حرص على ربط أي تقدم في هذا المسار بالاعتراف الكامل بوحدة الأراضي المغربية.
كنا في مطار فاس – سايس لحظات قبل إقلاع الطائرة المتجهة إلى أديس أبابا، ورغبت في معاودة استفساره إن كان طرأ تطور ما على نظرته للملف، فأحالني مباشرة على المستشار أحمد رضا كديرة، قائلا: «اسأله هو. إنه رئيس الوفد المغربي إلى قمة منظمة الوحدة الإفريقية».
ربما كان يعني بذلك أنه المؤهل للإجابة على هكذا استفسار، وربما أنه لم يكن يتوقع من المؤتمر غير ما آلت إليه أوضاع منظمة الوحدة الإفريقية لاحقا. وفي غضون ذلك لم يفارقه منطق الحذر حيال أي كلام معسول يصدر عن الشقيقة الجزائر.. لأنه كان يقيس المواقف بالوقائع على الأرض، بينما كان المستشار كديرة أقرب إلى كشاف يجوب تخوم الصحراء، وفي ذهنه أنها لا يمكن أن تخلو من واحة ظليلة في نهاية المطاف. وقال مرة: ليس المهم اختصار الطريق، فالأهم أن تعرف إلى أين تريد أن تصل. لكنه في ملف العلاقات المغربية – الجزائرية سار كثيرا وما وصل إلى غير السراب.
بين شغف الصحافة بالأخبار التي تصلح كعناوين كبيرة، وتحفظ رجالات السياسة، تطول المسافات أحيانا وتتقلص في أخرى، وعندما سألت الوزير الفيلالي عن إمكان وقوع انفراج في العلاقات المغربية – الجزائرية، كنت أستند إلى معطيات، اعتقدت للوهلة الأولى أن السفير الجزائري في الرباط وقتذاك، وضعني في صورتها، من أجل التسلح بالأمل. وكان مما قاله إن وزير الخارجية أحمد الطالب الإبراهيمي أبدى استعداده لمحاورة مسؤولين مغاربة.
«خبطة صحفية» كما يقال، هكذا خلت الأمر، ولم أتردد في البحث عن استقراء الصورة من زاوية رسمية مغربية. لذلك حين عرضت الأمر على الوزير الأول الأسبق المعطي بوعبيد، أجابني باقتضاب: «علم ذلك عند ربي»، ثم أضاف أنه لم يكن يعول كثيرا على أي تقارب محتمل بين البلدين الجارين، قال لي إنه لم ير كبار المسؤولين المغاربة أكثر غبطة قبل ساعات من التئام قمة مغربية – جزائرية، واستدرك أن حسن النية مطلوب في الأخلاقيات والمعاملات، لكن السذاجة مذمومة في التكهنات السياسية.
الشاهد أني عندما أبلغت المستشار أحمد رضا كديرة برغبة مسؤولين جزائريين في الاجتماع إليه، أجاب بأن أديس أبابا ليست المكان المناسب لمثل هذه المبادرة. وطلب إلى وزير الشبيبة والرياضة عبد اللطيف السملالي متابعة الموضوع من موقعه الحزبي لا الحكومي. فقد كانت كافة الأحزاب المغربية انتدبت من يمثلها إلى قمة أديس أبابا لمنظمة الوحدة الإفريقية، لإبراز صورة الإجماع الوطني في قضية الصحراء.
قبل ذلك بفترة وجيزة سيقوم وزير خارجية الغابون بزيارة الرباط ثم تونس والجزائر، للبحث في قضية تفعيل جهود منظمة الوحدة الإفريقية لتسوية ملف التوتر القائم. لكنه سمع من مسؤولين جزائريين أنهم لا يمانعون في الدخول مع المغرب في حوار. ورهنوا ذلك بما وصفوه «التوقيت الملائم» الذي كان يعني الاجتماع بعد انتهاء مؤتمر القمة الإفريقية.
لم يحدث اللقاء في حينه ولا بعده، إلا بعد أن تدفقت مياه تحت الجسر. إلا أن التاريخ يؤكد بالوقائع الملموسة أن وزير خارجية الطوغو الأسبق آدم كودجو كان أغرق كل المراكب في البحر. وكما يحدث بعد انصرام الوقت، سيصرح الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية، سيء الذكر بأن ما فعله عبر محاولات إقحام «الجمهورية الصحراوية الوهمية» كان عملا طائشا وباطلا قانونيا وسياسيا وأخلاقيا.
من يذكر الآن، بل من يذكر المنظمة التي آلت إلى زوال، كما في بهتان السحرة الذين يستحلون اللعب بالكلمات، مع أنها قيم ومشاعر ومبادئ غير قابلة لتصرف الغير.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة