أين نحن من الإسلام؟

في الكثير من الأحيان أحتار في تصنيف توجهاتنا وإيديولوجيتنا وعقائدنا، وفي كل مرة أرتكن لزاويتي المظلمة وأستكين على إيقاع الانجراف والتبعية والضياع، وليس في مقدوري سوى اجترار الحسرة والخيبة والكثير من الأعطاب. ولمن تحكي زبورك يا داود؟ في زمن أطرش لا يسمع إلا ما يطرب آذانه من ثناء منافق. زمن لم يعد يخشى ترك بصماته في مسرح الجريمة، وعهد يعاين البشاعة بالملموس وبالعرض البطيء، ويغض الطرف من كثرة ما اعتاد عليها، واتخذ لنفسه شعار «الصبر حتى يأتي الفرج» ذريعة يكتم فيها رصاصة القهر والمعاناة.
أحيانا لا أفرق بيننا والأمريكيين والفرنسيين سوى في الجوع والبؤس والتخلف، وتحدث لغتهما أفضل منهما، بل أفضل من رئيسي بلديهما، في الوقت الذي لا نتقن نحن حتى لغتنا الأم.. فالكثير من وزرائنا يُقِرّون بجرأة وقحة بأنهم لا يعرفون لغة الضاد، بل إنهم مصرون على نبذها ووأدها، وزرع بذور تقنية لا علمية لأنهم لا يريدون عقلا يفكر لينتقدهم وإنما يريدون آلة تطبق بالحرف ما يقولونه. وللأسف، فالكثير من أبنائنا أصبحوا يتوجهون نحو لغات عالمية تفرض قوة دباباتها وصواريخها النفاثة واقتصادها العابر للقارات، وهكذا بتنا نستخف بهويتنا، لأن اللغة إحدى ركائزها، ونرمي جباتنا ونرتدي معاطف الاغتراب بكل أشكاله، بجرأة سخيفة.
لطالما تساءلت عن جبتنا العقائدية، فوقفت عند محطات كثيرة عصفت بكياني وأدخلتني في دوامة حجزت لي تذكرة مستشفى الأعصاب. فعندما أزور البحر للترويح عن النفس من رطوبة البيوت الضيقة، أعرف أين نحن من الإسلام، حين أعاين الأفخاذ والأرداف والنهود تتهادى كما لو كنا في عرض تعرية، وحين أرتاد المقاهي لأطالع كتابا أو أتصفح جريدة، فتحرجني المخاصرات والقبل العلنية وجاذبية الأيدي كما لو كنا في سوق نخاسة، وعندما أذهب إلى حديقة لأرتاح رفقة الأقرباء أو الأبناء بعيدا عن نتانة الحي، أدرك كم الوضع محرج بفعل الحميمية البركانية التي تؤجج المراهقين الصغار والكبار على حد سواء، هاهنا أدرك أين نحن من الإسلام، وكم نحن متأثرون بالتغريب. أما عندما أقصد بيت الله فإن أحد أفدح المشاهد التي تؤثث الفضاء بمحاذاته، وتشعل ألسنة الناس، وتكثر من الاستغفار والرحمة، هي حين يترجم شبابنا حميمية المسلسلات والأفلام الدخيلة التي تهدف إلى جرفنا نحو الانحلال والضياع، وتوشحنا حكمة الغراب الذي يحاكي مشية الحمامة، أما عندما ندخل المسجد للتشبع بهدي القرآن فإننا نصادف خُطبا محبوكة بعناية يلوكها خطيب بصيغة إنشائية مملة. وأدرك موقعنا في الإسلام عندما أرى الناس يحفرون الخنادق ويأكلون جلد إخوانهم بقسوة أمام المحاكم وفي المستشفيات وفي الأسواق، وكيف يتأففون من سكان الشارع المضطهدين. وعلى ذكر الشارع، فقد أصبح يصدح بمخلوقات «لابسة من غير هدوم»، واستحال حجاب العفة سترة للعيوب والقُنَن المشعثة، لا أقل ولا أكثر.
أما عن سياستنا المريضة التي تصر في عناد على نقل فيروس فسادها وفتك هذه الأرض، فإنها خير دليل على التشبع بدروس التربية الإسلامية والاستفادة من حلقات الذكر والدروس الدينية، فضلا عن كيف يجوعنا أسيادنا ويتخمون أولادهم، وكيف يغتصبون حريتنا ويشرعون الحياة لأولادهم، وكيف يتلذذون بقهرنا ويشربون نخب النشوة عندما يدمغوننا. هل الإسلام في هذا الزمن هو أن يغتني المسؤول بلا حشمة وخزي وعندما يمر على الجائعين يغلق نوافذ سيارته الفارهة التي طلبتها ضرائب الكادحين من مصانع عملاقة؟ أين هو حكم عمر بن الخطاب؟ هل الإسلام هو أن نقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وننغمس في المنكر والفسق ونقول إن الله غفور رحيم؟ وهل الإسلام هو المظاهر؟ أن أطلق لحيتي وأصبغها بقليل من اللون الأرجواني لتحاكي بعض فقهائنا الذين باعوا كرامتهم والإسلام باكرا واشتروا بهما سيارات رباعية الدفع وفيلات في الخارج لقضاء العطل؟ وهل الإسلام أن أتدثر بعباءتي الأفغانية أو أتبجح بجلباب أبيض كطائر البقر من محلات تجارية مصنفة وفي المساء أتعشى مع الشياطين؟ هل الإسلام هو أن أحج إلى بيت الله لأغسل ذنوبي وحالما أعود أباشر بقدح خمر وأنوثة جائعة؟ هل الإسلام هو أن نرخص بيع الخمور في البارات ونحرمها في الأحياء المنسية؟ هل الإسلام هو أن نحارب العهر علنا ونرخص للفنادق المصنفة وملاهي القمار والبارات بممارسة الرذيلة ونعتقل المشردين وننشر أخبارهم لنقول إننا نحارب الفساد؟ وكم من «هل» استنكارية لا تشفي الغليل؟!
رأيت عددا لا يحصى من المفارقات الصادمة أدخلتني في غيبوبة نفسية، فعائدات الربا والقمار والخمور في هذا البلد المسلم تحقق أرباحا خيالية، وكل هذه الأرباح يستفيد منها سياسيون مصابون بداء النهب والاستغلال، ومليارديرات مرضى المعدة، ورجال أعمال لهم علاقة مصاهرة مع الوزراء وأصحاب النفوذ. فالبارات الفارهة تحقق أرباحا فائضة، جرعة نبيذ بألف درهم والقنينة في المناسبات كرأس السنة وغيرها تصل إلى خمسة آلاف درهم للزجاجة. شراب، وعناق، وشفاه قرمزية تعاقر بنت ألحان وتقهقر، وبطون مترهلة تخاصر غلمانا وتمضي على شيكات وعقود بيع وصفقات. عالم سحري لا يؤمن سوى بالصفقات وبالأرباح وتضخم الأموال والألاعيب التي تفضحها تلك المتسولة التي تصدمهم أول ما يبارحون «الفضاء البرزخي»، تبتهل المارة والرواد بالقرب من الفضاءات المنتشية، تضم بمحاذاتها طفلا يرتعد من شدة البرد في حين توجد في العالم المنتشي مكيفات هوائية تحت الإشارة، وحراس غلاظ شداد تحت التصرف أيضا، هكذا أصبح للفساد حراس في العلن وحراس في السر. هكذا نحتار أين نحن من الإسلام، وفي أي إطار يمكننا أن نصنف أنفسنا، نحرم أشياء في القانون والشريعة ونسمح بها لأصحاب الملاعق الذهبية، هذا بدون أن نستطرد في حديثنا عن النفاق والكذب والاختلاس واستنزاف مال المساكين وكثير من الخروقات والمفارقات..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة