إرهاصات الربيع في السودان

لا أستطيع أن أدعي أن إرهاصات الربيع العربي وصلت إلى السودان، إلا أن الثابت أن غضب الجماهير هناك بلغ مبلغه، حتى تم الإعلان عن عصيان مدني هناك لمدة ثلاثة أيام، خلال الأسبوع الماضي.
ذلك أن المجتمع ضاق بعمليات قمع الحريات والتنكيل بالمحامين والصحافيين، وهي الحملات التي استمرت طيلة السنوات الأخيرة، ثم جاءت أزمة الغلاء التي ترتب عنها رفع أسعار المحروقات بنسبة 30٪، إضافة إلى رفع أسعار الأدوية، فلم يكن هناك بد من انفجار الغضب الذي تمثل في رفع منسوب الاحتجاج والإعلان عن العصيان المدني.
(الرئيس عمر البشير تحت ضغط الرأي العام أصدر قرارا بإلغاء الزيادات الجديدة في أسعار الدواء، وأقال الأمين العام لمجلس الأدوية من وظيفته).
كانت الأجهزة الأمنية السودانية قد دأبت على مصادرة الصحف التي تنقل أخبار معاناة الناس ومظاهراتهم. وتعمدت أن تتم المصادرة دون ذكر أية أسباب، وبعد تمام الطباعة، لإجبار الصحف على إتلاف ما طبعته وتحميلها خسائر مادية يؤدي تكرارها إلى إنهاك الصحف وتعجيزها عن الصدور.
وإذا كانت المصادرة الأمنية قد أصبحت تقليدا مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن معدلاتها تزايدت بشكل ملحوظ، خلال الأسبوع الماضي، إذ صار مألوفا أن تصادر يوميا ما بين صحيفتين وخمس، حيث حرصت السلطة على كتمان أخبار العصيان المدني والمظاهرات التي تخرج مؤيدة له.
(يوم الأربعاء 30/11 تمت مصادرة الصحف الخمس التالية: التيار- الأيام- الجريدة- اليوم التالي ـ الوطن).
العصيان المدني له تاريخ في السودان، فقد أدى العصيان الذي أعلن في ستينات القرن الماضي إلى سقوط حكم الفريق إبراهيم عبود، وفي الثمانينات أدت المظاهرات إلى سقوط حكم الرئيس جعفر نميري، واستيلاء الجيش على السلطة التي تولاها الفريق عبدالرحمن سوار الذهب، الذي سلمها إلى السيد الصادق المهدي بعد إجراء انتخابات ديمقراطية فاز فيها حزب الأمة، إلا أن انقلابا عسكريا تم عام 1989 جاء بالرئيس عمر البشير إلى السلطة، التي يتولاها منذ ذلك الحين.
غضب الجماهير السودانية عبرت عنه أبرز القوى السياسية (أحزاب الأمة، والاتحادي الديمقراطي والمؤتمر) إضافة إلى بعض النقابات المهنية. وقد شكل هؤلاء تحالف قوى المعارضة ومبادرة المجتمع المدني مع بعض الشخصيات الوطنية، ووجهت مذكرة إلى الرئيس البشير طالبته بالتنحي وتسليم السلطة إلى الشعب (إدارة المراسم بالقصر الجمهوري رفضت استلامها، بحجة أن الرئيس موجود خارج البلاد).
وجاء في المذكرة الموجهة إلى البشير «أن البلاد تمر بمنعطف حرج وخطير، وأنتم تتحملون فيه كامل المسؤولية عما حدث خلال 27 سنة؛ نتيجة انقلابكم على سلطة منتخبة واتباعكم سياسة التمكين السياسي والاقتصادي ومصادرة الحريات وتصعيد الحرب في الجنوب حتى تم فصله…
وأمام هذا الفشل التام وعجز النظام وتخليه عن مسؤوليات الحكومة تجاه الشعب، وافتقاده الشرعية السياسية والمشروعية الشعبية، وفقدانه الأهلية الأخلاقية والمهنية، نطالبكم بحل السلطة القائمة والتنحي عن السلطة فورا وتسليمها إلى الشعب السوداني، لإقامة سلطة انتقالية تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية».
لدي ملاحظتان على المشهد السوداني؛ الأولى أن قمع السلطة كان له سقف لم تتجاوزه، حيث تم الاكتفاء بمصادرة الصحف وإطلاق الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين من المحامين والصحافيين وغيرهم، بحيث لم ترق فيه دماء تذكر. وتلك بادرة إيجابية في زماننا. والثانية أن أخبار العصيان لم تحاصر داخليا فقط، وإنما عربيا أيضا إذ كان النشر شحيحا عنها في وسائل الإعلام العربية، حتى بدا وكأن ثمة توافقا على حجب أصوات الجماهير الغاضبة حيث كانت، حتى لا تتناثر الشرارات هنا وهناك، خصوصا أن التجربة أثبتت أن الله سبحانه وتعالى يضع سره -أحيانا- في أضعف خلقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.