كتاب الرأي

إصلاحات تحتاج إلى إصلاح

أغلب المغاربة اليوم لا يعرفون بوجود وزارة اسمها «الوزارة المكلفة بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية». وحتى الذين علموا بوجودها فقط هذا الأسبوع علموا بالأمر لأن هذه الوزارة عممت توضيحا تنفي فيه أخبارا راجت هذه الأيام تقول إن الوزارة المعنية تأخرت في تسوية ترقيات موظفيها خلال السنة التي ودعناها.
قد يبدو الأمر مجرد نكتة في البداية، لكنه واقع حقيقي أكدته الوزارة. تقول الوزارة إنها أجرت امتحان الكفاءة لموظفيها في نهاية السنة الماضية خلال شهر دجنبر واستفاد الموظفون المستوفون للشروط من الترقية في نهاية شهر يناير. أي أن الوزارة، ببساطة، تكذب ما تم تناقله بشأن تأخر الترقيات.
أفضل ما يمكن القيام به في هذه الحالة هو عدم الانتباه أصلا إلى هذه المفارقة. فالذين روجوا هذه الأخبار كان همهم هو لفت الانتباه إلى التأخر. والوزارة لم تنفه ولم تؤكده، لكنها أكدت إتمام إجراءات الترقية في نهاية يناير من السنة الجديدة. وهكذا يكون الذين أرادوا إجبار الوزارة على النطق قد حققوا غايتهم لنتذكر جميعا حكمة الفقيه والبلغة.
مشكلة الإدارة المغربية مركبة وليست بسيطة أبدا. فجل الذين يشتكون اليوم من رداءة أداء موظفي الإدارات العمومية في مختلف الوزارات ومؤسسات الدولة، هم ضحايا تأخر إجراءات الإدارة من جهة، وانعدام التواصل معهم من جهة ثانية. أمام تعقيدات الإجراءات والمساطر، لا يملك المواطن البسيط إلا أن يتأبط ملفاته وينظر إلى سقف الإدارة، وهذا الأخير بدوره يشعر المواطنين والموظفين بالرعب..، إذ إن هناك بعض الملحقات الإدارية يبتسم حديدها البارز من التشققات وينذر بإمكانية أن يقع فوق الرؤوس في أية لحظة.
ومن معضلات الإدارة العمومية التي استعصى حلها على المسؤولين، نجد أقسام الأرشيف. وأثيرت زوبعة في فنجان، للأسف، أثناء انتقاد تحجج بعض الإدارات للمواطنين بالفيضانات كمبرر لاختفاء أوراق تسجيلهم في بعض الخيريات. وهكذا أصبح بعض النزلاء بدون أوراق إدارية لأن وثائق تسجيلهم وعناوين المُتخلين عنهم أثناء طفولتهم الصعبة، انمحت تماما من الوجود، لأن نظام التسجيل كان يتم في سجلات ورقية لا تتوفر منها أي نسخ احتياطية مصورة، وبعض السجلات تضيع بسبب الرطوبة أو الحشرات التي تعيش في الأقبية وتلتهم كل شيء، ولا يتم اكتشاف الكارثة إلا بعد سنوات. وهذا يعني أنهم لا يحتاجون إلى فيضان ولا إلى تماس كهربائي، فالحشرات تتكلف بهذا الأمر.
حتى في السينما، عم غضب عارم سرعان ما أصبح منسيا عندما أعلن بعض الباحثين والنقاد أن الدولة اليوم لا تتوفر على نسخة من أولى الأعمال السينمائية التي تؤرخ للسينما المغربية، وأن بعض الباحثين اتصلوا بشركات أوربية قامت بإعداد أشرطة تلك الأفلام تقنيا أو قامت بتلوينها لصالح منتجيها المغاربة. وتنفس أحدهم الصعداء عندما وجد أن شركة إسبانية تتوفر لحسن الحظ على نسخة من الشريط ووافقت على منحها للباحثين عنها. أما المكلفون بهذا النوع من الأرشيف فلم يبدوا اهتماما بالموضوع أصلا. وهذا ما يجعلنا نتساءل إن كانت الإدارة العمومية في هذا البلد تهتم فعلا بالشأن العام وتمارس القلق المشروع على الإرث العمومي سواء كان ماديا أو معنويا.
أجرت مجلة «لايف» الأمريكية الشهيرة استطلاعا مصورا سنة 1955 مع كل الفرقاء السياسيين المغاربة الذين كانوا يتأهبون في نهاية تلك السنة لتسلم زمام المسؤولية وكان الكل متحمسا. ومن بين الصور التي نشرتها المجلة، واحدة للوزير الراحل عبد الله إبراهيم كان يتأمل فيها شريطا للصور موجها إياها في اتجاه الضوء، وقال للمجلة إنه مهتم كثيرا بالماضي حتى تعرفه الأجيال المقبلة.
ماذا وقع، إذن، حتى خبا كل هذا الحماس بعد ستين سنة، لنسمع بوزارة لا يعلم أغلب المغاربة بوجودها، تأخرت ترقية موظفيها وهي المسؤولة عن إصلاح الإدارة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق