إلى كنتي راجل ستاقل

إلى كنتي راجل ستاقل

كنا نعتقد أن عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المعين، ليس لديه الوقت لكي يحك رأسه، خصوصا بعد التنبيه الملكي حول التأخر في تشكيل الحكومة، وأن الرجل يسابق الزمن لتقديم حكومته بين يدي الملك، إلى أن اكتشفنا أن “السيد مسالي قبو”، ولديه فائض في الوقت إلى درجة أنه منح مجلة خليجية تهتم بأخبار المشاهير من الممثلين والمغنين، حوارا مطولا تحدث فيه عن كل شيء إلا ما يهم دافعي الضرائب، أي أخبار تشكيل الحكومة.
والواقع أنه كان أجدر بمجلة “الرجل” التي أجرت الحوار مع بنكيران أن تجريه مع نبيلة بنكيران عوض زوجها، لأنها ببساطة هي “الرجل” في كل هذه الحكاية، فهي من مول مشاريع زوجها الفاشلة، وهي صاحبة البيت الذي قال عبد الإله إنه يخشى أن تطرده منه إلى الشارع “إلى دار القباحة”.
ولذلك فعندما قال بنكيران في حواره مع “الرجل” إنه راغب في التعدد مثل كل الرجال، ضدا على التوجه العام لروح المدونة التي أقرها الملك، إلا أن وفاءه لزوجته هو ما يمنعه فهو يكذب، لأن ما يمنعه حقيقة من أن يعدد مثنى وثلاث ورباع بعقد شرعي أو عرفي أسوة بإخوانه في الحزب والحركة، هو أنه إذا جلب لنبيلة الضرة فستطرده من البيت شر طردة.
ولذلك فهو يكتفي من التعدد بملاطفة الحسان من النساء والتودد إليهن بالجميل من القول، حتى ولو كن متزوجات وعلى ذمة رجل آخر، مثلما صنع مع المنشطة الصنهاجي التي قال لها في أذنها “كاتعجبيني” قبل أن تحطه بوجهه وتفضحه أمام زوجته، فقلبها ضحكا كما يصنع دائما عندما يجد أن “تبوهاليت” تسلكه.
ولهذا فبنكيران يعوض الحديث عن عجزه الدستوري المزمن في تشكيل الحكومة بالحديث عن فحولته الجنسية المفترضة ورغبته في التعدد وعشقه للتزلال وملاطفة النساء، والحال أن دافعي الضرائب الذين يؤدون راتبه ورواتب وزراء “تصريف المكتاب” الذين يشكلون الحكومة المصغرة التي تتقاضى رواتبها وهي في حالة عطالة بانتظار تشكيل الحكومة، لا يهمهم أن يسمعوا قصصه حول حبه لزوجته ووفائه لها، والتي أصبحت مملة لفرط تكرارها، أو أن يسمعوا حديثه حول حبه لملاطفة النساء أو ترديده للأغاني في الحمام، بل إن ما يهم دافعي الضرائب الذين تخرج من رواتبهم وعرق جبينهم مانضة رئيس الحكومة المعين والامتيازات المرتبطة بمنصبه هو متى سيشكل الحكومة لكي تبدأ في العمل وحل مشاكل الشعب العالقة.
لكن يبدو أن حمار الشيخ بنكيران وقف في العقبة، ولذلك وقع لحكومته المنتظرة ما وقع لذلك الحرامي الذي خرج أعور من بطن أمه بسبب يد القابلة وكثرة الأيادي التي ساهمت في إخراجه.
إن مشكلة بنكيران أنه كشف عن الأوراق التي بيده، أي “فرش يدو” كما يقول لاعبو الرونضة، عندما أعلن عن “تشبطه” بهبيل فاس، وقبله بالرفيق المقامر، عفوا المغامر، نبيل بنعبد الله، لأنه بإعلانه المسبق لتشبثه بهذين الرجلين وقع له ما وقع لذلك الصياد الذي باع فروة الدب قبل أن يصيده.
ويوجد مقابل شعبي لدينا نحن المغاربة لهذا المثل يقول إن رجلا بمجرد ما خرج من البيت ليصيد بدأت زوجته تخير أبناءها بين الأطباق التي يشتهون أكلها، فبدأت تقول لهم “نطيب ليكم الحجل بالزبيب ولا قنية بالملوخية”، إلى أن عاد زوجها خاوي الوفاض بعدما ضيع جميع خراطيشه في الفراغ فانتهت الزوجة “مطيبة البقولة بالتومة”.
واليوم نسمع بنكيران يقول في مخيم غابة المعمورة أمام كتابه المجاليين إن أخنوش “خصو يكول ليا واش باغي يدخل للحكومة ولا لا.. وما يبقاش يهضر فبلاصة الأحزاب الأخرى ويهضر غي على راسو”، مع أن السؤال الحقيقي ليس هو هل يريد أخنوش أن يدخل إلى الحكومة أم لا وإنما لماذا بنكيران متشبث بدخول أخنوش للحكومة ؟
لماذا يريد بنكيران أن يعطي الانطباع أمام أعضاء حزبه أنه يمكن أن يتخلى عن الأحرار، فيما هو في الواقع يحلم، بل “يهتهت” بدخول الأحرار لحكومته ؟
ولذلك فالسؤال الذي لا يستطيع بنكيران أن يجيب عنه ليس هو لماذا أخنوش متشبث برفض دخول الاستقلال للحكومة، فالجميع فهم أن حزبا يقوده هبيل فاس هو حزب خطير على المغرب داخليا وخارجيا، بل السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عنه هو لماذا بنكيران متشبث بدخول الأحرار إلى الحكومة ؟
أما أن يقول مهددا إنه كتب استقالته من رئاسة الحكومة ولا ينقصه سوى توقيعها، فهذا كلام لا يليق برجل دولة، لأن المعني بهذا التهديد هو الملك الذي عين رئيس الحكومة لتشكيلها، “أسيدي إلى سميناك راجل سنيها ورسلها للديوان الملكي”.
فأنت لست عبد الرحمان اليوسفي الذي ذهب إلى كان ليلتزم بيته هناك بعدما تم تعيين جطو وزيرا أول رغم أن الاتحاد الاشتراكي حصل على المرتبة الأولى، وأرسل بعد سنة رسالته حول الخروج عن المنهجية الديمقراطية من بروكسيل حيث كان يحاضر.
لأنه في هذه المرة لن يكون هناك خروج عن المنهجية الديمقراطية التي أصبحت بندا في الدستور يسمى “احترام الاختيار الديمقراطي”.
ومن يقرأ ما خطه الكاتب الوطني للجامعة الوطنية لموظفي التعليم “عبدالإله دحمان”، الذي تم منعه من الترشح في دائرة سيدي قاسم بعدما تخلى المرشح الذي دخل “البيجيدي” قادما من الاتحاد الدستوري بعد منحه رخصة البومبا الشهيرة فذهب إلى الحج وترك الانتخابات، عندما شبه ما سماه التنازل الذي قدمه رئيس الحكومة المكلف عبد الإله بنكيران لرئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بإقصائه لحزب الاستقلال، بالتنازل الذي قدمه محمد رسول الله يوم صلح الحديبية لأهل مكة، مسميا ذلك بالوحي الملهم للتاريخ.
ولم يبق لعبد الإله دحمان، المرشح لشغل مقعد الحلوطي في المجلس الأعلى للتربية والتعليم، سوى أن يشبه تحالف التقدم والاشتراكية ذي المرجعية الشيوعية مع حزب العدالة والتنمية الذي يدعي المرجعية الإسلامية ببيعة الرضوان تحت الشجرة، عندما عاهد المؤمنون الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الهرب بعدما تأخر عثمان ابن عفان عن العودة من مكة حين ذهب يخبر قريشا أن الرسول وصحبه جاؤوا معتمرين ولم يأتوا مقاتلين.
ولذلك فاستقالة بنكيران، إذا ما امتلك الجرأة على الاستقالة، ستفتح المجال أمام تعيين شخص ثان من الحزب الأول، أي العدالة والتنمية، لكي يشكل الحكومة، قد يكون الرباح أو العثماني أو الرميد، الذي نودي عليه يوم تعيين بنكيران معتقدا أنه سيسمع خبر تعيينه فإذا به يسمع شيئا آخر.
ويبدو أن بنكيران صدق ما يقوله أتباعه حوله من خرافات ترفعه إلى مصاف الأنبياء والأولياء الصالحين، خصوصا أولئك الذين وضعوه في مصاف رسول الله، حاشى لله، ولذلك أصبح يتصور أنه مبعوث العناية الإلهية الذي يستطيع أن يهدد الجميع ويبتز الجميع، بمن فيهم الملك الذي كان أول من وقف ضد حل حزب بنكيران بعد اعتداءات 16 ماي الإرهابية، وعوض أن يحمد الله ويشكر الملك، لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فإنه تفرغ للتنطط على شخص الملك من خلال استغلاله لتلميع صورته وحكاية كل ما دار بينهما من حديث سواء كان في شؤون الدولة أو شأنا خاصا.
لهذا فتلويح بنكيران بتقديم استقالته إلى الملك ليست سوى واحدة من مناوراته السخيفة التي يحتاجها للتسويق لنفسه بوصفه شهيدا أمام إخوانه في الحزب والحركة، لكنه في الواقع متشبث بمنصبه بشكل مرضي إلى درجة أنه مستعد لكي يتخلى عن نبيل بنعبد الله نفسه وليس فقط شباط.
و”حربش إلى ما ترجل وقدم استيقالتك، ياكما يسحاب ليك دخول الحمام بحال خروجو”؟
فالرجولة ليست هي الثرثرة عن الفتوحات النسائية في مجلة من مجلات البيترودولار تسمى “الرجل”، بل الرجولة مواقف يكتبها الزعماء السياسيون الحقيقيون في سجل التاريخ.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة