شوف تشوف

إنها الحرب يا عزيزي 2/2

 

 

وقد لقي راديو سوا صدى بين العراقيين المعادين لصدام، وكان الراديو منتقدا لاذعا للرئيس العراقي، وفي الوقت الذي كانت الكتائب الأمريكية تحتل العراق، كانت نسبة الاستماع تتزايد عند العراقيين، ليتم القرار بإنشاء قسم سوا العراق خاص بالأخبار العاجلة.

تصور أصحاب القرار في الولايات المتحدة، أن مشروعهم المضمون النجاح في العراق وأفغانستان، سيتكفل نجاحه بصناعة الدعاية له، وأن جميع وسائل الإعلام الأخرى ستروج لهذا المشروع، وأنها ليست بحاجة إلى إعلام تلفزيوني مباشر يتبنى الدعاية له، لكن سرعان ما اضطرت الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها والتفكير في أن الراديو ليس كافيا، وأن أمجاد راديو «أوربا حرة» لن تعود، وأن إطلاق قناة تلفزيونية أمر ضروري، خاصة بوجود قناة عربية وبتمويل عربي وتستحوذ على نسبة مهمة من المشاهدة العربية، هي قناة الجزيرة.

وهكذا انطلقت قناة الحرة في 2004، عندما كانت القوات الأمريكية في العراق تتعرض لهجمات عنيفة وغير متوقعة من قبل المقاومين العراقيين، وتم تخصيص قناة خاصة اسمها الحرة عراق، لتروج للعملية السياسية، وللوجود الأمريكي في العراق، وتصور الجندي الأمريكي هو ذاك البطل القادم من وراء البحار لينقذ المواطن العراقي المسكين من قبضة الديكتاتور صدام حسين، ويحول العراق إلى جنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وواحة للأقليات الدينية والعرقية.

تقرير الواشنطن بوست تحدث عن كيف تنافست شركات إعلامية أمريكية في تلقي عقود من وزارة الدفاع من أجل تقديم عمليات نفسية ومعلومات في شكل «خدمات إعلامية»، عبارة عن قصص إخبارية، وبرامج ترفيهية، وأفلام وثائقية، ومواضيع رياضية واقتصادية.

وخلال تحقيق للكونغرس عام 2005 في نشاطات المؤسسة القائمة على تسيير قناة الحرة، قال مستشار علاقات عامة ذو خبرة في قطاع الاستخبارات الخاصة لصحيفة إنديباندنت الإنكليزية «منهجيا، هذا كله جزء مما يسميه العسكر التفوق بالمعلومات، وهذا جزء من خطة لما يسمونه السيطرة الكاملة. الحقيقة هي أن هذا مجرد بروباغندا لطالما كانت متواجدة في الحروب. وهذه حرب».

مرت مياه كثيرة تحت الجسر، لكن لم يتغير الشيء الكثير في استراتيجية أمريكا واستعمالاتها للقوة الناعمة، وبالأمس كان الراديو ثم التلفزيون واليوم هناك شبكات التواصل الاجتماعية، وصفحة «أصوات مغاربية» التي يمتلئ مكتبها في فرجينيا، معقل البنتاغون، بصحفيين مغاربة مع بعض من الصحفيين من الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.

وهذه الصفحة وموقعها ليسا سوى امتداد لهذه الاستراتيجية التي تنهجها أمريكا لإبقاء أمريكا في المرتبة الأولى عالميا، كما يقول ترامب، ولكي تبقى أمريكا في المرتبة الأولى فهي تسعى لتدمير خصوصية باقي المجتمعات، والتي للصدفة هي مجتمعات ذات تاريخ عريق، وتسعى لإنشاء خصوصية جديدة لا تحكمها سوى القيم الأمريكية.

والحقيقة أن حركة «تنوير» التي أشرنا إليها سابقا لا تختلف كثيرا عن «أصوات مغاربية» وغيرها من أدوات الحرب الناعمة، حتى وإن كانت قد خرجت من رحم المغرب وبأسماء مغربية، فهي كما غيرها من المنظمات المحلية التي تقتات على المعونات الدولية المقدمة من خارجيات أمريكا وأوربا لمنظمات تأخذ اسم «منظمات غير حكومية» أو منظمات دولية غير ربحية، بينما هي في الحقيقة منظمات تحصل على تمويل من خارجيات دولها أو على تبرعات من شركات ضخمة، مقابل أجندة عمل تحددها الجهة المانحة، وتقوم هذه المنظمات بنقل هذا التمويل إلى جمعيات محلية في الدول المستهدفة، وتتكلف هذه الجمعيات بنقل أفكار هذه الخارجيات وتنفيذ أجندتها على أرض بلدها وبلغة أهلها، حتى وإن تطلب الأمر تجاهل التاريخ العريق للمغرب في حماية الأقليات الدينية.

ولكن الخطير في ما يحدث الآن هو أننا لا نكاد ننتبه لثلاثة أمور أساسية، أولها أن الإسلام السني ليس مجرد دين الدولة المغربية، بل هو أحد أقوى ثوابت الدولة المغربية وخصوصيتها، وهو الركن الذي تعمل عليه معاول هذه المنظمات، فالمغرب لا توجد فيه طائفية مثل المجتمعات الشرقية والخليجية، ولذلك يجب خلق طوائف دينية لاستيراد نموذج الفتنة المشرقية.

الآن، وبعد أن تكسرت موجة الفتنة في الحسيمة وفشل مشروع تفرقة المغاربة على أساس عرقي، تشحذ السكاكين لإسالة الدماء باسم الدين، فالمغرب معروف عنه أن قوته في النظام الملكي وفي الدين وأن التنوع الاثني والعرقي يوحده النظام الملكي والإسلام السني المالكي دون اضطهاد لما هو دون ذلك.

ثانيا لقب أمير المؤمنين ليس مجرد لقب يحمله ملك البلاد بل هو لقب يحمي أمة هذه البلاد، يحميها من أطماع دول وحركات وتنظيمات تحاول الدفع نحو الانقلاب على هذا اللقب باسم إقامة دولة مدنية أو باسم السماح لطوائف دينية أخرى بالتواجد في المغرب، لأنها تعرف جيدا أن هذا اللقب هو حماية للدولة والشعب وليس مجرد لقب.

ثالثا، حين يطالب هؤلاء بحقوق الأقليات الدينية في المغرب فالأمر يتجاوز حق الشيعة المغاربة أو المسيحيين المغاربة أو البهائيين أو الأحمديين إلى عقيدة أخرى وهي عبادة الشيطان، والتي تعتبر في عدد من المجتمعات الغربية، من قبيل المجتمع الهولندي مثلا، ديانة، ويراد لنا أن نتحول من مغرب يؤمن بإسلام متسامح إلى مغرب تنتشر فيه عقائد ينظر لها باستهجان حتى في الغرب نفسه.

الأمر، إذن، أكبر من مجرد حركة أو صفحة أو مؤتمر، الأمر يتعلق بما هو أكبر وأخطر، إنها الحرب يا عزيزي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق