إيحاءات حاتم وهذيان سلمى 

مراد العشابي

 

أكثر من متتبع للشأن الفني المغربي لم يعد يدري هل يضحك أم يبكي وهو يتابع الهجوم الظالم الذي تتعرض له الأغنية المغربية من طرف بعض الفنانين المغاربة الشباب، الذين صعدوا بسرعة البرق وهم مرشحون للنزول بنفس الوتيرة، فكوا هذه الأيام عقدة لسانهم وغنوا تفاهات أطلقوا عليها اسم “كليبات”، وكان حريا بمطربي الشبكة العنكبوتية أن يطيلوا في الصمت حتى لا يظهر للناس ضعف أغانيهم، وخواء فكرهم، كما حصل لحاتم إيدار حين غنى “بنات الدنيا” بإيحاءات جنسية ولقطات استفزازية مفرطة في الإثارة البذيئة وكلمات ذات مستوى هزيل تتسول الإقبال الجماهيري وعدد المشاهدات على موقع “يوتيوب”، معتمدا على كائنات فيسبوكية من قيمة المسمى أدومة والمدعو نييبا،فيما طبخت قبله سلمى رشيد كلمات “أغنية أش جا يدير” الفارغة المحتوى في تقليد مفروش لأسماء لمنور، ثم صورت “كليبا”رديئاشكلا ومضمونا وأطلقته على موقع “يوتيوب”، معتمدة على مشاهد سحر وشعوذة  تكرس فكرة  أن المغربيات يستخدمن الشعوذة لجذب الرجل، في الوقت الذي تقام حملات ضد من يقول ذلك لتأتي المسماة سلمى رشيد وتظهر ذلك في “كليبها” الذي حرصت على تصوير مشاهده في مصر التي طالما اتهم بعض فنانيها المرأة المغربية بالسحر والشعوذة.
إن موجة الأغاني المبتذلة التي تكتسح الساحة الفنية هذه الأيام من طرف متطفلينعلى الميدان ممن يستسهلون الصعب،ويعتبرون أن الشهرة والمجد والثروة توجد على مرمى حجر، وأنه يكفي لتحقيق كل ذلك إطلاق أغنية عابثة قوامها كلمات جوفاء فارغة من أي معنى، وتنجح بين يوم وليلة في صنع نجوم من ورق كل مؤهلاتهم وبضاعتهم كلمات ذات إيحاءات جنسية فاضحة تستفز مكبوتات الجمهور، و”كليبات” تظهر أكثر مما تخفي من أجساد “الفنانات الكاسيات العاريات”، وهو ما يختزل مقومات الإبداع الفني في قدرته على إثارة العين دون أن تطرب الأذن،ولو عاد مطربو الزمن الجميل إلى عصرنا لما وجدت نعيمة سميح ولطيفة رأفت ومحمد الحياني وعبد الوهاب الدكالي موقع قدم في ساحة فنية ذات معايير الحضور ومقاييس الجودة الأقرب إلى منطق الماركتينغ التجاري منها إلى شروط الكفاءة والتكوين والتدرج في الصعود إلى قمم المجد،فكيف لهؤلاء أن يصمدوا أمام مزاحمة “مغنيين” لاعلاقة لهم بالغناء أو “مغنيات” يخضعن باستمرار للجراحة التجميلية و”إضافات” “السيليكون” أكثر مما يخضعن للشروط الحقيقية للفن الرفيع.
لقد خاض “فيسبوكيون” حربا ضد الميوعة التي اكتسحت الأغنية المغربية وأثاروا حولها الزوابع وكأنها حدث القرن في مغرب له مشاغل وأسبقيات أخرى غير هلوسات إيدار وهذيان سلمى رشيد، فمن هو المؤهل لكي ينبه المغاربة الذين تابعوا حاتم إيدار وسلمى رشيد وسعد لمجرد وإيهاب أمير وغيرهم على “يوتيوب” ساهموا في انتشار الرداءة على لسان الأطفال والمراهقين الذين رأوا في مثل هؤلاء الفنانين نموذجا يحتذى به في مجال إحراز النجاح السهل دون عناء،ودون تكوين أوتأهيل رصين يتطلب الصبر والتفاني وسهر الليالي الطوال، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه منتقدو هذه الأغاني، حيث ساهموا في انتشار هذه الأغاني فأتت النتائج بعكس ما كانوا يتوقعون رغم عدم توفرها على أبسط مقومات العمل الفني، لكن طموح أصحابها يعمي أبصارهم فيتخيلون أن فقاعات الصابون يمكن إدراجها في خانة الإبداع استناداإلى عدد المشاهدات، بينما لا يتعلق الأمر سوى بجمهور عرضي يرغب في التسلية العابرة ويستهويه”البوز”، لكن لا يعني ذلك أبدا أن تلك”الأغاني”اكتسبت جمهورا حقيقيا لأن الأمر يتعلق بسحابة صيف شعارها “شوف وسكت”.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.