إيران والغرب.. ألعوبة النووي

يسود لدى مراقبي الشأن الإيراني، بعد سريان مفعول الاتفاق النووي مع مجموعة الـ5+1، افتراض منطقي المنطلق؛ مفاده أن الرئيس الإيراني حسن روحاني ـ بوصفه شاغل الوظيفة الأرفع في صف الذرائعيين داخل هرم السلطة الإيرانية ـ سوف يجد يديه طليقتين، نسبيا على الأقل، في الذهاب أبعد، وتحسين علاقات طهران مع الغرب عموما، أو على الأقل في الميادين التي يمكن لطهران أن تقايض فيها ملفا بملف، على وتيرة ما تفعل كل مقاربة ذرائعية، وفي الغرب وأمريكا أولا، حيث مسقط رأس الفلسفة الذرائعية.
ليس تماما، يرد آخرون من أهل الاختصاص ذاته؛ فالقول الفصل، قبل الاتفاق النووي وبعده، يبقى منعقدا للمرشد الأعلى، علي خامنئي، وأطقم العمل المتعددة المرتبطة بمكتبه مباشرة، ذات الأذرع الضاربة في أجهزة الاستخبارات والحرس الثوري والجيش ومجمع تشخيص مصلحة النظام… وليس من السهل، كما لا يجوز الإفراط في التفاؤل، حول استعداد خامنئي للاعتدال، أو حتى التراخي، حول أدوار إيران في ملفات إقليمية كبرى، مثل سوريا والعراق واليمن، ثم السعودية والبحرين راهنا، وتجييش الجمهور الشيعي لأغراض سياسية وأمنية في المنطقة بأسرها.
هذه المعادلة لن تلغي، أغلب الظن، اشتداد ديناميكية التنافس ـ لكي يتجنب المرء المفردة الأصعب: التصارع ـ بين المحافظين والذرائعيين، ليس بصدد الملفات الإقليمية، على أهميتها البالغة، وانعكاساتها المباشرة في المشهد الداخلي الإيراني، فحسب؛ بل، أولا، حول سلسلة من الاستحقاقات الاقتصادية والمعاشية الناجمة، في قسط كبير منها، عن العقوبات الغربية التي ارتبطت بالبرنامج النووي؛ وكذلك، استطرادا، حول سلسلة أخرى من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والحريات العامة، خاصة على أبواب الانتخابات البرلمانية التي ينتظرها البلد أواخر شباط (فبراير) القادم. ولن يكون مستغربا أن يلجأ خامنئي إلى إقامة محاصصة من نوع ما، بين الفريقين، روحاني والحكومة من جهة، ومختلف مجموعات التشدد التابعة لمكتبه من جهة ثانية؛ بحيث يتولى محمد جواد ظريف، وزير الخارجية، على سبيل المثال، تخفيف أجواء الاحتقان مع السعودية، وترطيب المناخات مع تركيا، والانفتاح أكثر على الولايات المتحدة والغرب، وتحسين صورة الجمهورية الإسلامية إجمالا؛ وفي المقابل، يواصل الجنرال قاسم سليماني، على سبيل المثال الموازي، مهامه التسخينية والتجييشية في سوريا ولبنان والعراق واليمن، ثم السعودية والبحرين أيضا… لم لا!
على الجانب الآخر، الولايات المتحدة بادئ ذي بدء، سوف يتضح سريعا أن البرنامج النووي الإيراني لم يكن سوى ألعوبة السطح، رغم الأهمية الفائقة لسردية امتلاك القنبلة الذرية بالطبع؛ وأن ما خفي على الدوام، في ملف العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية منذ ثورة 1978، سيظل يخفي المزيد من القضايا الشائكة، العالقة، المحرضة على التأزم بدل الحلحلة. والكاتب الأمريكي ماكس فيشر لا يتردد في الجزم بأن هذه العلاقات ستظل رهينة صراعات مزمنة بين ثلاثة محاور/ ست مواجهات، تحكم السياسة الخارجية الأمريكية: محور الذرائعيين، مقابل دعاة الهيمنة؛ والدبلوماسيين، أمام العسكر؛ ومشجعي إصلاح الشرق الأوسط، في وجه المطالبين بالإبقاء على الأوضاع القائمة.
وإذا جاز القول إن إسرائيل، في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الراهنة تحديدا، سوف تمضي قدما في استغلال الاتفاق النووي بين الـ5+1 وإيران، من حيث المطالبة بمزيد من المساعدات الاقتصادية والعسكرية، خاصة من واشنطن؛ فإن المرجح، أيضا، أن تواصل الضغط من أجل تحجيم إيران ما أمكن، في مستوى برامج التسلح الأخرى غير النووية. وليست العقوبات الأمريكية الأخيرة بصدد برامج طهران في تطوير الأسلحة الصاروخية، سوى المؤشر المبكر على أن الألعوبة في اشتداد، وليست في ارتخاء؛ ما دامت الهواجس الفعلية أبعد بكثير من محض برنامج نووي، نُزعت منه تسعة أعشار الأسنان!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة