«إينياريتو» حاصد جوائز «الأوسكار» يعود بفيلم عن أكثر لحظات أمريكا قتامة

«إينياريتو» حاصد جوائز «الأوسكار» يعود بفيلم عن أكثر لحظات أمريكا قتامة

عزيز الحور

يعود المخرج المكسيكي «أليخاندرو غونزاليس إينياريتو» مرة أخرى لإشعال المنافسة على أعرق الجوائز السينمائية مع بداية هذا العام عبر فيلمه الجديد «العائد» (the revenant).
عبر هذا الفيلم يتيح «إينياريتو» للممثل الأمريكي المعروف «ليوناردو ديكابريو» فرصة الظفر بأول جائزة «أوسكار» كأحسن ممثل في حياته بعدما كان أقرب إليها العام الماضي أكثر من أي وقت مضى عبر دوره المثير في فيلم «ذئب وول ستريت» الذي تعامل فيه مع المخرج العالمي وشريكه في عدد من الأفلام، «مارتن سكورسيزي».
كثيرون من محبي الفن السابع قد يرون في فيلم «إينياريتو» الجديد مجرد عمل سينمائي آخر موجه نحو جمهور من المستهلكين الذين يرفعون عائدات «البوكس أوفيس» بقدر ما يحذوهم ذوق جمالي معين، لكن لفيلم «العائدون» لمسة تجعله أكثر من مجرد فيلم تجاري كتلك التي يقوم عليها اقتصاد السينما الأمريكية بالخصوص.
في فيلم «العائد» يحافظ «إينياريتو» على نسقه الفني الذي تميز به واشتهر من خلاله عبر فيلم «Amores perros» الذي كان قد أخرجه سنة 2000. خمس سنوات كانت كافية لمنح المخرج المكسيكي الذي صار يطبع السينما الأمريكية والعالمية، للانتقال إلى مستوى آخر من الإبداع مع الحفاظ على ما ظل يطبع أعمال هذا المخرج المركزة على ضبط ملفت للسيناريو الذي يسلط الضوء، على نحو دقيق، على الحالة الإنسانية في تفاصيلها البسيطة، والرؤية التقنية/الفنية المتفردة عبر حركات الكاميرا والتقطيع المشهدي الذي يكسر رتابة السرد ويؤدي بالمشاهد إلى الغوص في عمق الشخوص والأحداث.
لقد كانت ذروة هذا التوجه الفريد الذي يميز «إينياريتو» فيلمه الذي أذهل الجميع وحصل على أكبر جوائز «الأوسكار» العام الماضي، «بيردمان» (الرجل الطائر)، والذي كان فيلما مميزا على مستوى قصته التي تركز على شخصية ذلك الممثل الذي اشتهر في فترات ماضية عبر أفلام الرجال الخارقين والذي يحاول استعادة شهرته من خلال المسرح الذي تراجع وراء سطوة السينما على الحياة الفنية الأمريكية، وكان أهم عنصر للتميز هو مزاوجة المخرج بين ملكة تقنية استثنائية من خلال أعمال تقنية تصوير تجعل فضاء الفيلم، الذي لم يتجاوز مسرح «برودواي» الشهير وجزء الشارع الموجود به، أشبه بمتاهة يجهد المشاهد في تتبع مساراتها التي تنفذ كلها إلى عمق الشخصية الرئيسية وبقية الشخوص.
الأمر ذاته يتكرر في فيلم «العائد»، والذي يحكي قصة أمريكيين مستحدثين يتحدرون من المهاجرين الأوربيين الذين استقروا هناك بعد اكتشاف أمريكا، يعملون في مجال جمع الجلود، وهم يفرون من محاربين من الهنود الحمر يحاولون سرقة ما بحوزتهم من جلود لبيعها لتجار فرنسيين. الجلود في الفيلم لها أهمية أكثر من حياة الأشخاص الذين يموتون من أجل حمايتها، لأنها عملة فريدة في تلك البيئة الأمريكية القاسية البرودة.
بينما يحاول جامعو الجلود الفرار نحو قريتهم وخلفهم الهنود الحمر تحدث تطورات يعيشها البطل الذي يجسد «ديكابريو» دوره باقتدار. وعبر هذه التطورات يعالج «إينياريتو» تيمات مختلفة بينها المأساة الإنسانية والحب والأبوة والخيانة وغيرها عبر نسق درامي يتأرجح بين ليونة مشاهد البطل المستحضرة عبر «الفلاش باك» مع زوجته ذات الأصل الهندي، وبين قساوة ما يحدث من اقتتال لا يتوانى المخرج في إظهاره بشكله البشع والمرعب، كل ذلك وسط ديكور خارجي بالغ القسوة والوحشية وغير محدد جغرافيا.
طريق «العائد» بين الثلوج الكثيفة والبرد الشديد والخوف من المطاردين يلخص لحظة حاسمة في تاريخ أمريكا حينما كانت الفوضى وعدم الثقة والوحشية تسود البلد، وبالخصوص النقطة السوداء في هذا التاريخ وهي إبادة الهنود الحمر الذين لم يستطع المستحدثون الأمريكيون التعايش معهم، وهنا الرسالة المضمرة في الفيلم والتي أجاد المخرج بثها عبر مشاهد تحمل كثيرا من العنف تارة، كما هو مشهد اغتصاب امرأة من الهنود الحمر، وكثير من الحنو والتعايش في مشاهد البطل مع ابنه الذي يظهر بسحنة هندي أيضا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *