الرأي

ابن بطوطة وابن تيمية

بقلم: خالص جلبي

 

 

 

 

ينقل لنا الرحالة المغربي الشهير (ابن بطوطة) قصة مثيرة كان شاهدا فيها أثناء مروره على دمشق، حينما تعالى صراخ الناس في المسجد، وهم يحيطون برجل يشبعونه ضربا، فهرع مع الناس يستطلع الخبر، ليفاجأ بهجوم العامة الكاسح على فقيه يصفه في كتابه المعنون على طريقة القرون الوسطى بالسجع المكرر «عجائب الأنظار وغرائب الأسفار» بهذه الكلمة: الفقيه (مصاب بلوثة عقلية!) تتعاون عليه الأيدي بالتأديب، بالنعال على رأسه؛ فسقط الفقيه وطارت عمامته، وقيد إلى أحد القضاة للتعزير. ونفاجأ بأن الفقيه الذي (أكل هذا الضرب المبرح مهانا في المسجد العام، وربما كان المسجد الأموي) وطارت عمامته من خفق النعال على جمجمته، لم يكن سوى العالم المصلح المجدد شيخ الإسلام (ابن تيمية) رحمه الله تعالى!

هذه القصص وأمثالها تروي حقيقة إنسانية مكررة في جانب الإصلاح العقلي، في دورة حزينة متكررة، ذات وقع رتيب، ودورة خالدة، ترسم التاريخ بالدم والسم والدموع والدخان واللهيب. دورة لا مناص منها ولا مفر لا وزر ولا مخبأ؛ حتى نفهم العقم الحضاري وجذوره الخبيثة.

هذه القصة المثيرة جاءت في الوقائع التي عاصرها ابن بطوطة بالذات، وكان شاهدا شخصيا عليها؛ تلقي الضوء على المسار التاريخي الذي بدأ ينخر في كيان الحضارة الإسلامية، وكان أحد ضحاياها ابن تيمية عندما قام يعظ الناس، فاعتبر كالمجنون يجب تأديبه، فقام الناس عليه ونشبت (حفلة ملاكمة) بالأيدي والأحذية من طرف واحد، حتى طارت عمامة الفقيه (المجنون) وسلموه بعدها إلى القاضي، الذي قام بحبسه وتعزيره، يقول (ابن بطوطة) في كتاب «الرحلة»

(وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم. فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به؛ فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته. واحتملوه إلى دار عز الدين ابن مسلم، قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزره).

بقي أن نعرف سبب حفلة الضرب هذه ما خلفها؟ ينقل لنا ابن بطوطة أنه كان يقول

بــ(أمور منكرة منها أن المطلق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة!). ومن الغريب أن القضاء أخذ لاحقا بفتوى ابن تيمية في بعض الدول الإسلامية، وأما الفقيه (ذو اللوثة)، (ابن تيمية)، فيعتبر اليوم مالك بن نبي مؤلفاته (الترسانة الفكرية التي لا تزال تمد الحركات الإصلاحية بالأفكار النموذجية حتى اليوم)، وإن كنت اختلف مع مالك بن نبي حول هذه النقطة؛ فابن تيمية يعتبر مستودعا رائعا أيضا لحركة داعش الإجرامية، التي ولدت نموذجا باسم الخلافة الإسلامية لا يزيد عن خرافة كبيرة.

المهم ابن تيمية في وقته كان مجددا وهو اليوم معطلا للفكر الإصلاحي، ما يذكر بالفيلسوف أرسطو ومنطقه الصوري الاستنباطي، الذي يضحك منه الوردي ويقول: إذا قمنا بتطبيق قاعدته الفكرية على الشكل التالي، كل إنسان فان. سقراط إنسان. سقراط فان. يقول الوردي: الحديد لا يطير. الطيارة حديد. الطيارة لا تطير. ويصدق هذا أيضا على السفن والبوارج الحربية. ليقول علي الوردي في النهاية إن منطق أرسطو عطل العقل البشري ألفي عام، حتى تخلص العقل الإنساني منه بولادة فلسفة الاستقراء وليس الاستنباط، وهذا له حديث آخر. وكذلك الحال حاليا مع فتاوى ابن تيمية ودرء تعارض العقل والنقل في عشرة مجلدات.

مات ابن تيمية بعدها بفترة خلف قضبان السجن، حزينا مكسور القلب في سجن القلعة بدمشق، ودفن في مكان مستشفى الولادة حاليا المقابل لجامعة دمشق، وبجانبه تلميذه الوفي صاحب المؤلفات الغزيرة، (ابن قيم الجوزية).

أما ابن بطوطة المذكور فقد خرج من طنجة (حاليا سمي مطار طنجة باسمه، أما قبره فيجب إعادة تأهليه فهو خربة غير ذات بال) بالمغرب الأقصى في 21 يونيو (حزيران) من عام 1325 ميلادي، الموافق للثاني من رجب لعام 725 هجري، ورجع إلى بيته عام 1354م الموافق 756 هجري، فيكون قد استغرق من السنوات الميلادية 29 سنة ومن الهجرية 31 سنة، وتراجع القصة بالتفصيل في كتاب «الرحلة» نشر دار صادر ص95.

ولكن أجمل ما اطلعت عليه حول سفرته هي ما شرحته المجلة الألمانية الشهيرة (PM)، التي لم تكن واحدة بل ثلاث، واستغرقت في مجموعها نصف قرن خلدها في كتابه المعروف، ولعله من أعظم رحالة العالم، واطلعت على رحلة لزوجين ألمانيين بدآ كما فعل ابن بطوطة فلما ذاقا متعة السفر لم يعودا سوى مسافرين عبر الآفاق، وكما يقول الفيلسوف ديكارت إن من اعتاد السفر أصبح غريبا في وطنه فلا يبق له وطن.

وحول مصير ابن تيمية أقول إن هذا المصير للمفكرين والمبدعين والفلاسفة مكرر معروف، لأنهم يقطعون السياق الطبيعي والرتابة والروتين في المجتمع، مما يحرض على التغير والتمرد، وهذا يعكر النفوس التي اعتادت الارتخاء والكسل وإعادة نظم الحياة كما هو، ولذا يذكر القرآن أن من اتبع موسى هم الشباب الصغار، فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم وإن فرعونا لعال في الأرض وإنه لمن المفسدين. والمسلمون يقرؤون سورة «الكهف» كل أسبوع ولا يخطر في بالهم أنها قصة حول مجموعة شباب تمردوا على وثنية المجتمع، وآثروا الكهف البارد، فناموا ثلاثة قرون وازدادو تسعا؛ فهذه هي دورة التاريخ المكررة الرتيبة؛ دعوة؛ فإصلاح؛ فتغيير؛ فركود؛ ليتبعه حركة جديدة ونبض مختلف وهكذا.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق