اجتهاد تاريخي للمحكمة الإدارية بالرباط يكرس المناصفة الانتخابية

أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط اجتهادا تاريخيا ومبدئيا يكرس المناصفة الانتخابية ويبطل العملية الانتخابية التي لم تراع التمثيلية النسائية، لأن مجموعة من اللوائح الانتخابية المطعون فيها لم تنتخب فيها لمنصب نواب الرئيس أي مترشحة مطلقا أو لم يتم ترشيح فيها الحد الأدنى المتمثل في الثلث بالمخالفة للفقرة السادسة من المادة 17 من القانون التنظيمي 113-14 المتعلق بالجماعات الترابية الناصة على أنه «يتعين العمل على ان تتضمن لائحة ترشيحات نواب الرئيس عددا من المترشحات لا يقل عن ثلث نواب الرئيس».
وهكذا أثيرت بصدد انتخاب مكاتب مجالس الجهات ومكاتب الجماعات إشكالية التمثيلية النسائية -كما أثرناها سابقا في مقال لنا مدافعين عن وجوب احترام مبدأ المناصفة- بين الوجوب والاختيار وما يترتب عنه من إبطال أو مشروعية بحسب الحالة للعملية الانتخابية. فانتصر عمل المحكمة الإدارية للرباط-بخصوص الحكم رقم: 4295بتاريخ: 01/10/2015ملف رقم: 362/7107/15، موضوع الطعن المتعلق بالغاء انتخاب المكتب الجماعي للرباط ، وكذا الحكم رقم 4193 بـتـاريخ 29/09/2015 ملف عدد: 350/7107/ 2015 موضوع الطعن المتعلق بالغاء انتخاب المكتب الجماعي لجماعة أولاد علي منصور قيادة بني حسان تطوان.
وأسس الاجتهاد القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط مرتكزاته الرصينة في تأسيس وجوب احترام مبدأ المناصفة على الأسس التالية:
1- تنصيص المشرع بصيغة الوجوب المتمثلة في عبارة «يتعين» على ضرورة مراعاة التمثيلية النسائية في تشكيلة المكتب المسير للجماعة بنسبة الثلث على الأقل، وهو مقتضى يبقى واجب التفعيل.
2- التدابير القانونية التي تفرضها المادة الثالثة من الاتفاقية الدولية المصادق عليها من طرف المغرب المتعلقة بمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
3-التنزيل التشريعي المتدرج للمبدأ الدستوري المنصوص عليه في الفصل 19 من الدستور الذي يلزمها بالسعي نحو تحقيق المناصفة بين النساء والرجال.
4- أهداف وغايات المناصفة: ضمان مشاركة أوسع للمرأة في الحياة العامة عن طريق سن مجموعة من الإجراءات التي تستند إلى مبدأ التمييز الإيجابي لصالح المرأة بفرض حضورها في المجالس المنتخبة استنادا إلى مبدأ «الكوطا»، وذلك من أجل النهوض في مرحلة أولى بوضعها داخل المجتمع بما يساهم في تحقيق الشروط المجتمعية والسياسية التي تجعل المرأة قادرة على الوصول في مرحلة ثانية إلى مواقع المشاركة في الحياة السياسية بدون الحاجة إلى إجراءات التمييز الإيجابي المشار إليها، بمعنى أن هاته الأخيرة تبقى مجرد إجراءات مؤقتة ينقضي العمل بها عندما تتحقق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة في شتى المجالات بحكم الواقع وليس بالاستناد إلى مثل هاته التدابير.
5- تنزيل مبدأ التمثيلية النسائية على مستوى لوائح ترشيح نواب رئيس المجلس الجماعي يبقى مقيدا بعدم تحقق ما يجعل ضمان هذه التمثيلية متعذرا، وهو ما يعني أن الإلزام الوارد بالمقتضى القانوني المذكور لا ينصب على ضرورة مراعاة التمثيلية النسائية في لوائح الترشيح بشكل مطلق في جميع الأحوال، بل يتعلق فقط بضرورة مراعاة هاته التمثيلية كلما كان ذلك ممكنا.
6- تفسير مفهوم تعذر تطبيق المناصفة بالتعذر الموضوعي لا الشخصي، فرفض النساء المنتمين للائحة لا ينهض عذرا مقبولا لعدم مراعاة التمثيلية النسائية لأن صيغة المادة المذكورة حسب المحكمة قد فتحت المجال لعدم تطبيق مقتضياتها على إطلاقها في حال تعذر ذلك، بكونها حالة استثنائية لا يُتوسع في تطبيقها، الأمر الذي لا يستقيم معه تقدير هذا الظرف الاستثنائي من خلال معيار شخصي مرتبط مثلا برفض عضوات المجلس الجماعي الترشح ضمن لوائح نواب الرئيس استنادا إلى رغبتهن المجردة في عدم الترشح بدون تبريرها بمعطى موضوعي مقبول، لأن ضمان مشاركة المرأة في مكتب الجماعة ليس حقا شخصيا للمرأة المنتخبة فحسب، وإنما هو حق لكل المجتمع الذي يفترض أن يكون هذا المقتضى القانوني قد جاء معبرا عن تطور المشترك الثقافي بين أفراده وبلوغه المدى الذي ساد معه الاقتناع بضرورة الدفع بالمرأة نحو مراكز القرار، بما يساهم في تحقيق مبدأ المساواة بينها وبين الرجل باعتبار تنزيل هذا المبدأ من مداخل التنمية والتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ،لأنه كما ذهبت إليه المحكمة عن حق أن ضمان مشاركة المرأة في مكتب الجماعة أنه ليس حقا شخصيا للمرأة المنتخبة فحسب، وإنما هو حق لكل المجتمع.
7- تنصيص المشرع على اللائحة النسائية في الانتخابات الجماعية يعني استحضار مبدأ انسجام النصوص القانونية وتكاملها نحو تحقيق المناصفة،لأن القبول بالمشاركة في اللائحة هو قبول للمشاركة في نتائجها، فاعتبرت المحكمة أن القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء المجالس الترابية جاء قاطعا في إلزامه بتخصيص عدد من المقاعد النسائية بما يضمن حضور المرأة بشكل مسبق في المجالس الجماعية، لذلك لا يبقى للنساء اللواتي اخترن الترشح لعضوية هاته المجالس المجال بعد ذلك للرفض المستند إلى مجرد الرغبة الشخصية في عدم الترشح في لوائح نواب الرئيس، لأن مثل هذا الرفض يعاكس أهداف المشرع ويفرغ جميع المقتضيات القانونية ذات الصلة من مضمونها، ولأن فوز المترشحات في الانتخابات المتعلقة بأعضاء مجلس الجماعة بعد قبولهن المشاركة فيها يستتبع ضرورة التزامهن بما يترتب عن هذه العضوية من واجبات يقتضيها المنصب الانتخابي الذي سعين إلى الترشح له، و يقتضي انضباطهن لما يفرضه القانون من ضرورة مشاركة النساء بنسبة الثلث كحد أدنى في لوائح الترشيح لنواب الرئيس تحقيقا لأهداف المشرع ولحق المجتمع في ضمان الحضور الفعال للمرأة في تسيير المجلس الجماعي. غير أن تحقق حالة التعذر لسبب موضوعي خارج عن الرغبة المجردة للمنتخبات يجعل لوائح الترشيحات المقدمة بدون التوفر على نسبة الثلث من النساء صحيحة، كما في الحالة التي يكون فيها الحزب أو التحالف الحزبي الذي قدم اللائحة غير متوفر على عدد كاف من المنتخبات في المجلس الجماعي لهن نفس الانتماء لهذا الحزب أو لأحزاب التحالف.
ودللت المحكمة غياب السبب الموضوعي المبرر للنزول كليا أو جزئيا عن مبدأ المناصفة في الطعن المتعلق بانتخاب مكتب المجلس الجماعي بالرباط بكون الثابت من خلال ما راج بجلسة البحث المجرى في النازلة أن عدد نواب الرئيس بالمجلس الجماعي لمدينة الرباط هو عشرة أعضاء وأن لائحة النواب التي تقدم بها رئيس المجلس وفازت بالرتبة الأولى تضمنت ثمانية مرشحين ذكور ومرشحتين من النساء فقط، مما يجعلها مخالفة للقانون ما دام أن العدد المطلوب لبلوغ عتبة الثلث على الأقل في النازلة هو أربع مرشحات كحد أدنى، وهو ما كان بالإمكان تحقيقه ما دام أن من بين أعضاء المجلس الجماعي للرباط توجد 13 عشر عضوا من العنصر النسوي تنتمين للتحالف الحزبي المُمَثّل في لائحة نواب الرئيس الفائزة حسب الثابت من جلسة البحث، منهن ثمان نساء عن حزب العدالة والتنمية واثنتين عن حزب التجمع الوطني للأحرار وواحدة عن حزب الاتحاد الدستوري وواحدة عن حزب الحركة الشعبية وأخرى غير منتمية حزبيا، مما يتضح معه أنه كان من المتيسر تقديم عدد من المرشحات بما يحقق نسبة الثلث أو أكثر طالما أنه لم يثبت تعذر ترشيحهن استنادا إلى مبرر موضوعي مقبول.
واستندت المحكمة في تبريرها المقنع على غياب السبب الموضوعي المبرر لتجاوز مبدأ المناصفة في الطعن المتعلق بانتخاب مكتب المجلس الجماعي لجماعة أولاد علي منصور قيادة بني حسان دائرة تطوان في كون أن عدد نواب الرئيس بجماعة أولاد علي منصور هو أربعة أعضاء وأن لائحة النواب التي تقدم بها رئيس المجلس وفازت بالرتبة الأولى لا تتضمن أي مرشحة بالرغم من أن تطبيق نسبة الثلث على الأقل المفروضة بنص المادة 17 أعلاه يقتضي أن تتضمن هاته اللائحة الفائزة مرشحتين كحد أدنى، مما يجعلها مخالفة للقانون خاصة أن من بين أعضاء المجلس الجماعي يوجد أربع عضوات من النساء وكان بالإمكان تضمين اللائحة مرشحتين أو أكثر في ظل عدم ثبوت تعذر ترشيحهن استنادا إلى مبرر موضوعي مقبول».
وانتهت المحكمة في الطعنين معا إعمالا لمقتضيات المادة 32 من القانون التنظيمي رقم 59.11 المحال إليه بنص المادة 31 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات في شأن شروط الطعن في أجهزة مكتب الجماعة، أن ثبوت مخالفة عملية الانتخاب للإجراءات المقررة قانونا يوجب الحكم ببطلانها، لكونه بالرجوع للنازلة فإن عدم تضمن لائحة نواب الرئيس الفائزة في الاقتراع للتمثيلية النسائية المقررة في المادة 17 المشار إليه أعلاه يجعلها مخالفة للإجراءات القانونية المعمول بها في شأن ضوابط لوائح الترشيح، الأمر الذي يكون معه انتخاب نواب رئيس المجلس الجماعي محل الطعن واقعا تحت طائلة البطلان ويتعين الحكم بإلغائه مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك».

نبذة عن الكاتب

عضو مؤسس بنادي قضاة المغرب- عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة