MGPAP_Top

احكِ يا شهريار

أتساءل أحيانا: لماذا لمْ يحكِ شهريار لشهرزادهِ ولوْ حكايةً واحدة؟ لِمَ لَمْ يتحدثْ ولوعن شيء طريف صادفه في حياته كإنسان وكملك وقائد، أو حتى عن إحدى غرامياته، طيلة الألف ليلة وليلة؟ أتساءل ما إن كان هذا الشهريار يحسن الاستماع ويتقنه، أم أنه كان يشعر بعلُوِّ منزلته، فلا يسمح بالتحدث إلى من يحسبهم دونه، أم أن ما كان ينصت إليه فيه من الغرابة والمتعة ما فيه.. صحيح أن ما قرأناه في كتاب الليالي كان عجيبا وساحرا وأخَّاذا، لكنني أظل أوقاتا كثيرة أتخيل جلسات شهريار إلى جانب شهرزاد وهي تحكي طوال الليل دون انقطاع، لا يوقفها إلا صياح الديك عند بزوغ الخيط الأبيض من الأسود، والرجل ينصت ويشنف السمع ويرشف الأقداح.. أتصور أن حديث عروسه التي نفذت من سيف مسرور منذ أول ليلة، كان حديثا نغماً، ذا رنَّة، وبأن صوتها كان طروبا شجيا كصوت البلابل، من شأنه أن يسيطر على المكان ومن فيه، ويستحوذ على لبِّ أكثر الرجال بأسا وقسوة، شهرزاد تلك لم تقرأ كتب علم النفس والسيكولوجيا، ولم تتلقَّ تكوينا أو تدريبا في علم «الكوتشينغ»، ولم تأخذ دروسا في «اليوغا»، لكن ذكاءها وملكتها في القص وسرد الحكايات، كانا أقوى من كل المهارات المكتسبة، استطاعت أن تغير مجرى اللعبة لصالح بنات جنسها، هي التي تضع قانونا جديدا يتسيد فيه الليل ويغفو فيه النهار.
والغريب في الأمر أن شهريار لم يكن يسأل إلا عن تتمة الحكايات وعن بعض التفاصيل، لكي يتسنى له الفهم الدقيق لما يُروى، ويتوسل آخر الليل أن تُتمَّ شهرزاد الحكاية.. لقد تمَنَّيتُ بالفعل لو أنه استوقفها في ليلة من الليالي، لرواية قصة عن حروبه أو عن حريمه وجواريه، أو عن سياسته في الحكم وتدبير شؤون الرعية، لكنني أفكر في شيء أبلغ من كل ذلك، وهو أن في الصمت حكمة الكبار والعارفين، فمن يدري إن هو أكثرَ من الكلام، سكتت هي عن الكلام المباح نهائيا، كما أنَّ حسن الاستماع ليس بالأمر الهين، فالذين يتقنونه يحظون بثقة من يتحدث، بحيث يشعر هذا الأخير بالأمان والارتياح، فيكون الاسترسالُ حليفه والإقناع طوع يمينه، وما أعظم أن يستمع الرجل إلى المرأة أثناء حديثها، بانتباه وتمعن، دون مقاطعة، فيبين الرجل عن لطفه ونبله ولباقته، ويبدو خبيرا بأهم شكل من أشكال التواصل الحضاري، ألا وهو الإنصات الجيد.
في الواقع أنا أغبط كل شهرزاد في زمننا، تلك التي يهفو زوجُها آناء الليل وأطراف النهار، ليجلس إلى جانبها، فيسكن إليها ويرتاح لأحاديثها، دون إرباك أو حط من قدراتها في الكلام والتعبير، ومن دون الإصرار على انتقادها وإجبارها على الاختصار.. لذلك نرى شيئا صحيحا مثبتا، وهو أن أغلب العلاقات الزوجية الفاشلة، هي التي ينعدم فيها التواصل الإيجابي المبني على الحب والصداقة والصدق، الأزواج للأسف يملون من أحاديث زوجاتهم، فتصير بالنسبة إليهم نشازا طالما تتخللها كثرة الأسئلة التي يطبعها التحري، وكثرة المتطلبات والحاجيات، والتذمر من أعباء المنزل ومشاكل الأبناء وأحيانا كثيرة يكون الحديث ملفوفا في أكياس النميمة أو الدلال والتغنج التكسبي.. ما يجعل الزوج يبحث عن أصحابه على أرصفة المقاهي أو في عتمة الحانات عوض بحثه عن زوجته التي يجدر أن تكون صديقته وأمينة سره.

نبذة عن الكاتب

كاتبة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة