اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْراً

اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْراً

أحمد الراقي
الحديث الثالث والسبعون بعد المائة الثانية (273)

عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول ُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْراً، فإِنَّ المرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوجَ ما في الضِّلعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهبتَ تُقِيمُهُ كَسرْتَهُ، وإِنْ تركتَهُ، لمْ يزلْ أَعوجَ، فاستوْصُوا بِالنِّسَاءِ» متفقٌ عليه وفي رواية في الصحيحين: «المرْأَةُ كالضلعِ إِنْ أَقَمْتَها كسرْتَهَا، وإِنِ استَمتعْت بِهَا، اسْتَمتعْت وفِيها عَوجٌ». وفي رواية لمسلمٍ: «إِنَّ المرْأَةَ خُلِقتْ مِن ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتقِيمَ لكَ علَى طريقةٍ، فَإِنْ استمتعْت بِهَا، اسْتَمتَعْتَ بِهَا وفِيها عَوجٌ، وإِنْ ذَهَبْتَ تُقيمُها كسرتَهَا، وَكَسْرُهَا طلاقُها».
لقد كرم الإسلام المرأة وصان حقوقها وأوجب على الرجل القيام على جميع شؤونها، فالقوامة تكليف ومسؤولية وليست تحكما واستبدادا كما يتوهمه كثير ممن لا يفقهون العلاقة بين الرجال والنساء، فالمرأة إما أن تكون أما وأختا أو زوجة أو بنتا أو تربطها بالرجل قرابة أو غير ذلك من الروابط الاجتماعية، ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتعددة، وفي كل وصية يشرق معنى جديد وتوجيه نبوي سديد، وحين التأمل في حديث اليوم نجده يضيء الطريق أمام الرجال ويوضح لهم السبيل الأقوم للتعامل مع النساء، فالحديث يبدأ بصيغة الأمر: استوصوا بالنساء خيرا وينتهي بالصيغة نفسها: فاستوصوا بالنساء، وفي هذا تأكيد على حسن التعامل مع النساء وهن على طبيعتهن اللاتي خلقن عليها، ويشير الحديث إلى تكوين المرأة الذي يختلف عن تكوين الرجل في المزاج والطبع والهيئة وطريق التعامل مع قضايا الحياة ومشكلاتها.
فالمسلم في تعامله مع المرأة لا بد أن يكون حكيما، فالمرأة لن تتغير طبيعتها وإنما يمكن تهذيب هذا الطبع بالعشرة الحسنة والمعاملة الجميلة وعلى الرجل أن لا يترك الأمر على اعوجاجه بل عليه أن يعالج الأمور ويسوسها في اتزان وثبات ومحبة ومودة ورحمة حتى تحسن العشرة استجابة لأمر رسول الله: استوصوا بالنساء.
ومن فقه الحديث بيان الحكم في معاشرة النساء وما يجب لكل من الزوجين نحو الآخر، وقد اتفق الفقهاء على أنه يلزم كلا الزوجين الإحسان إلى الأخر والبر به فتلتزم الزوجة بطاعة زوجها في كل ما يأمر به، ما لم يأمرها بمعصية فلا طاعة له لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويلتزم الزوج بمعاشرة زوجته بالحسنى والبر بها وإكرامها وعدم إهانتها وسبها أو ضربها مالم ترتكب محظورا فيجوز له حسن تأديبها حسب ما ورد في الشرع من طرق التأديب، وإكرام الرجل لزوجته لا يعني عدم إيذائها بل تحمل أذاها إن حدث وذلك أكرم الخلق
في هذا الحديث شبه النبي صلى الله عليه وسلم ما فطرت عليه المرأة بالضلع الأعوج مما يدل على احتياج المرأة إلى تعامل من نوع خاص كالرفق والرحمة والحكمة في تقبل بعض التبرم الذي قد يحدث منها في بعض المواقف، إلى غير ذلك مما يطرأ على تصرفات المرأة مع زوجها، لأنه حين يعلم طبيعتها يمكنه أن يتقبل بعض التصرفات العادية التي تنم عن تلك الطبيعة التي تحتاج إلى الحكمة والرفق والصبر، وفي ذلك إشارة إلى الطبيعة التكوينية للنساء وهي تغليب الفطرة على العقل، ولهذا فالمطلوب من الرجال مخاطبة الفطرة والغرائز قبل مخاطبة العقل، وفيه دعوة للرجال على الصبر على عوج النساء، وذلك لا يعنى نقصان المرأة ولا امتهانها ولا كون الرجل أفضل منها، وقد كثرت النصوص في القرآن الكريم والتي تؤكد على منزلة النوعين وكون المرأة مظهرا من مظاهر نعم الله على الرجال فضلا على التسوية بينهما في التكاليف والثواب والعقاب وسائر الحقوق والواجبات، وكل إسقاط عن المرأة في جانب التكاليف-أو إرجاء-فهو من باب التخفيف عليها من ناحية مراعاة لطبيعتها التكوينية ولظروفها الاجتماعية كإسقاط وجوب الجمعة والجماعة والجهاد مع إعطائها استقلالية ذاتية بمثل ما يعطى الرجل، وما القوامة إلا لتحميل الرجل دوره تجاه المرأة في الرعاية والعناية ودرء الأذى.
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الرجال إلى الصبر على نسائهن وبين لهم طبيعتهن التى جبلن عليها، حيث قال: «وإِنْ ذَهَبْتَ تُقيمُها كسرتَهَا، وَكَسْرُهَا طلاقُها» يعني أنك إذا حاولت أن تستقيم لك ما تريد، فلا يمكن ذلك وحينئذ تسأم منها وتطلقها وكسرها طلاقها، فالمرأة إن كرهت منها خلقا رضيت منها خلقا آخر فقابل هذا بهذا، قال تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» وفي الحديث الصحيح: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *