GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الأخبار تخترق مدرسة الحنصالي وتكشف عن حقائق صادمة

الأخبار تخترق مدرسة الحنصالي وتكشف عن حقائق صادمة

كوثر كمار
هم مواطنون مغاربة يعيشون كلاجئين بمدرسة الحنصالي بالبيضاء، اضطرت السلطات لإخراجهم من دورهم الآيلة للسقوط بأحياء المدينة القديمة لضمان سلامتهم، كما وعدتهم بإعادة إسكانهم بمنازل تحفظ كرامتهم. معظمهم غير راضين عن حياتهم بالمدرسة، حيث يشعرون بالإهانة والتهميش، فضلا عن الحرج الشديد بعدما أجبرتهم الحاجة على اقتسام حجرات كانت مخصصة للدراسة من أجل الاختباء من حر الصيف وبرد الشتاء، بعدما رسموا الحدود بينهم بأثواب وأغطية بالية. وبينما يعيش أفراد أسر مختلفة مجتمعين داخل تلك الحجرات، اضطر آخرون إلى صنع براريك من البلاستيك والأغطية. «الأخبار» تنقل من خلال هذا التحقيق مأساة عشرات الأسر وتكشف عن حقائق صادمة حول ظروف عيشها.

انتقلنا إلى مدرسة الحنصالي الموجودة بشارع الجيش الملكي بالبيضاء، حيث تعيش حوالي 17 عشرة أسرة وستة وعشرين شخصا، داخل حجرات الدراسة، وخيم من الأغطية.
لم تكن نتوقع أن المرور بجوار المدرسة قد يشكل خطرا على حياتنا حيث كادت أن تصاب صحافية «الأخبار» بمكروه لولا لطف الأقدار، وذلك بعدما تساقطت حجارة متوسطة الحجم من سقف البناية المتآكلة.
معظم قاطني المدرسة أكدوا لـ «الأخبار»، أن حياتهم هم الآخرون معرضة للخطر خاصة عندما تتهاطل الأمطار، إذ تتساقط الأحجار من واجهة المدرسة على رؤوس أطفالهم، فيما تغرق خيمهم عندما تفيض عليهم مجاري المياه. وقد عاش قاطنو الحنصالي ليلة مرعبة الجمعة الماضي، بعدما شب حريق في المحول الكهربائي، ليضطر عدد من الأسر لإخلاء حجراتهم والمبيت في العراء، إلى أن تم إصلاح المشكل.

مدرسة الرعب
تتكرر الحوادث المفزعة باستمرار بمدرسة الحنصالي فجميع الليالي مرعبة بالنسبة للساكنة. عائشة محرم، مطلقة وأم لثلاثة أطفال تعيش رفقة أسرتها الصغيرة داخل خيمة مكونة من الأغطية البالية.
لم نجد بابا نطرقه، بل أزلنا غطاء، حيث وجدنا عائشة تجلس القرفصاء وسط أمتعتها المبعثرة هنا وهناك.
وتحمل بين يديها عصا غليظة تأهبا لأي هجوم.
تقول عائشة وعيونها مغرورقة بالدموع: «نعيش في مدرسة الرعب، لا أستطيع النوم بسلام خوفا من المجرمين الذين يقتحمون علينا المدرسة، ليلا ويحاولون سرقة واغتصاب النساء. لذا أضع دائما تحت رأسي عصا غليظة للدفاع عن أبنائي».
وتضيف عائشة أنها تشعر وكأنها تعيش في غابة تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، لا أستطيع الذهاب إلى المرحاض بسبب عدم وجود الأبواب، حيث يتم اقتحامه من قبل المخمورين.
تقول عائشة، إنها كانت تفضل الموت داخل منزلها بالمدينة القديمة على أن تعيش بدون كرامة في مدرسة الرعب، وتحكي أن السلطات أخرجتها من المنزل الذي كانت تعيش فيه لأنه آيل للسقوط، كما تلقت وعودا بإعادة إيوائها داخل سكن لائق. وتردف بنبرة متحسرة أنها بعدما تم نقلها إلى المدرسة رفضت الجهات المسؤولة تعويضها بدعوى أنها لا تملك توصيل الكراء بالرغم من أن لديها شهودا يثبتون عيشها بذلك المنزل.
وتسترسل أنها لا تستطيع العيش مع والدتها وإخوانها الإثني عشر، خاصة أنها عاطلة عن العمل وتوفر الطعام لأبنائها بفضل مساعدات ساكنة الحنصالي.

محاولة اغتصاب
يعيش معظم قاطني مدرسة الحنصالي في ظروف بئيسة خاصة النساء والأطفال المعرضين للاغتصاب.
مليكة فتحي أرملة وأم لخمسة أبناء تعيش هي الأخرى داخل خيمة مكونة من البلاستيك والأغطية البالية، كادت أن تفقد ابنتها عدة مرات خلال هجوم المنحرفين على قاطني المدرسة.
تقول مليكة لـ «الأخبار» والدموع تنهمر بغزارة من عينيها المحمرتين: «يحاول العديد من المنحرفين خطف طفلتي البالغة من العمر ثماني سنوات ونصف، وهي تعاني من إعاقة ذهنية، فقبل حوالي شهر اقتحمت عصابة مكونة من سبعة أفراد مدججين بالسيوف حاولوا اختطاف واغتصاب طفلتي، لكن لحسن الحظ أنقذها أبناء الجيران بعدما سمعوا صراخ النساء».
وتضيف مليكة أنه لا يغمض لها جفن خوفا على أبنائها من المجرمين. فحلمها الوحيد أن تحصل على منزل يصون كرامة أسرتها وأن لا ينحرف أبناؤها.
تعمل مليكة في الميناء رفقة ابنها البالغ من العمر خمسة عشر سنة من أجل توفير لقمة العيش المرة وتسديد مصاريف علاج ابنتها المريضة وشراء الكتب لابنها الطالب بالجامعة.
وعلاوة على ذلك تحاول جاهدة جمع مبلغ مالي للاستفادة من برنامج إعادة الإيواء.
وتحكي مليكة أنها تملك فقط ثلاثة آلاف درهم حصلت عليها من خلال مساعدات المحسنين، ثم تردف أنها لا تتوفر على خمسة آلاف درهم وهي مصاريف الموثق، وتشير إلى أنها في حالة عدم أداء المبلغ خلال شهر، ستسحب منها القرعة
ولن تتمكن من الاستفادة من برنامج إعادة الإيواء. وإلى جانب مصاريف الموثق فمليكة مطالبة بأداء مائة ألف درهم، فالحل الوحيد بالنسبة لها هو استدانة المبلغ من البنك وأدائه بالتقسيط فيما بعد. غير ذلك ستبقى مليكة مشردة في الشارع وتطرد من المدرسة التي تعيش فيها، حسب قولها.
تشعر مليكة أنها مكبلة الأيدي غير قادرة على تغيير الواقع البئيس فمنذ سنة وهي تنتظر الفرج، وترى أن الرجال لن يستطيعوا تحمل المسؤولية التي تقع على عاتقها، وتطلب من الجهات المسؤولة إنقاذ أسرتها من الضياع.

hns

حجرات الدرس
يعيش قاطنو مدرسة الحنصالي حياة بئيسة داخل حجرات الدرس، فكل أربع عائلات تقتسم حجرة واحدة، تفصل ما بينهم الأغطية البالية.
فيما حول البعض طاولات التلاميذ إلى موائد يتناولون عليها الخبز اليابس والشاي المر. رحمة سيدة في عقدها الرابع تعيش بمفردها داخل حجرة تقتسمها مع ثلاث أسر، وتفضل عدم الكشف عن هويتها خوفا من جارها.
تقول رحمة بنبرة متحسرة خلال حديثها مع «الأخبار»: «منذ أن انهار منزلي وأنا أعيش بدون كرامة داخل حجرة بمدرسة الحنصالي، يفصل بيني وبين رجل فقط غطاء بال، إذ لا أستطيع تغيير ملابسي، كما أشعر بالرعب عندما يغلق باب القسم بالقفل. ويمنعني أيضا من تشغيل المذياع أو التحدث في الهاتف. أشعر أنني أعيش في السجن».
وتضيف رحمة أنها تضطر لقضاء حاجتها في الدلاء، إذ تخاف كثيرا من الذهاب إلى المرحاض، وذلك بسبب اقتحامه من قبل المخمورين الذين يتربصون بالنساء ويحاولون اغتصابهن.
وتحكي أنها اضطرت للاستدانة من البنك مبلغا قيمته ستة ملايين سنتيم من أجل الاستفادة من برنامج إعادة الإسكان، إلا أنها مازالت تنتظر الفرج منذ أزيد من ستة أشهر.
مليكة الذهيبي أم لستة أبناء تعيش هي الأخرى داخل حجرة بمدرسة الحنصالي منذ حوالي سنة وحلمها الوحيد أن تحصل على منزل يصون كرامتها.
تحكي أنها كانت تعيش في «الفرينة» بالمدينة القديمة قبل أن تترك منزلها مضطرة بسبب انهيار جزء منه.
وتضيف أنها لجأت إلى البنك من أجل اقتراض مائة ألف درهم كي تستفيد من برنامج إعادة الإيواء، إلا أن إدارة البنك رفضت طلبها ووافقت فقط على منحها مبلغا قيمته ستون ألف درهم.
وتقول مليكة: «نبكيو الدم ولكن حنا صابرين، لا أملك باقي المبلغ هل أدفع أبنائي إلى السرقة؟ فأنا أعيل أسرتي بدريهمات قليلة أحصل عليها من خلال عملي في التنظيف».
سيدة أخرى قاطعتها قائلة: «أربع سنوات وأنا هنا أريد حلا فأنا لا أجد طعاما أقتاته وبالرغم من ذلك تمكنت من جمع المبلغ المطلوب ومازلت انتظر الاستفادة من شقة تؤويني».

سجن وضياع
بسبب الظروف المزرية التي يعيشها قاطنو مدرسة الحنصالي يدخل البعض منهم في متاهة الانحراف والإجرام. رضى «اسم مستعار» شاب في عمر الزهور يقطن رفقة إخوانه الأربعة داخل القسم منذ أربع سنوات، بعدما سجن والده انقلبت حياته رأسا على عقب.
يقول رضى إنه شرطي الحي رفقة آخرين، إذ يضطر للدخول في عراك مع الغرباء الذين يقتحمون المدرسة، ويضيف أنه قضى عقوبة حبسية بتهمة الضرب والجرح. ويرى أن السجن أفضل بكثير من العيش داخل المدرسة.
التقينا شابا آخر يقطن بمدرسة الحنصالي بالطابق الأول يعاني من مرض نفسي تأزمت وضعيته بسبب حياته البئيسة، ويحكي الشاب وعيناه مغرورقتان بالدموع أنه قضى حوالي أربع سنوات بالمدرسة ولم يتمكن من الحصول على الاستفادة. ويضيف أنه تعب من الحياة ويتمنى الموت على أن يعيش بدون كرامة. فقد تعرض عدة مرات للاعتداء من قبل المنحرفين الذين يقتحمون المدرسة ليلا ويسرقون القاطنين. ثم قالت والدته مقاطعة «نشعر بالضياع في هذه المدرسة، اقترضت خمسة وثلاثين ألف درهم من أجل استفادة ابني من شقة تحفظ كرامته، لأنه مريض أما أنا فلا أملك المال من أجل الحصول على شقة تؤويني أنا وأبنائي السبعة».
ثم تردف أنها تكبدت خسائر مادية جسيمة بعدما غمرت المياه «خيمتها»، عندما هطلت مياه الأمطار بغزارة. وتضيف أنها لا تستطيع دخول المرحاض بسبب الهجوم الذي يشنه المجرمون على المدرسة، إذ يقتحمون المراحيض ويحاولون اغتصاب النساء.

منازل الموت
ليس قاطنو مدرسة الحنصالي وحدهم من يملكون منازل آيلة للسقوط، فهناك العديد من الأسر فضلت العيش بمنازل قد تقع فوق رؤوسهم في أية لحظة بدل إخلائها والتشرد في الشارع، فقد سبق أن تم إحصاء قرابة 120 منزلا تقطن به أكثر من 350 أسرة داخل أسوار المدينة القديمة، من قبل مكتب للدراسات تم التعاقد معه من طرف الوكالة الحضرية لهذا الغرض، وذلك في سياق عملية هيكلة المدينة القديمة، في وقت يزداد العدد خارج الأسوار إلى 700 عقار يؤوي أزيد من 1800 أسرة، تم إحصاؤها من قبل المختبر العمومي للتجارب والدراسات بتكليف من شركة «صوناداك» المكلفة بمشروع المحج الملكي، توجد من بينها دور تشكل خطرا على أكثر من 900 أسرة خارج الأسوار، مما يستوجب ترحيل وإعادة إسكانها برمته.
انتقلنا إلى المدينة القديمة بوسط الدار البيضاء، حيث عاينا عددا من المنازل الآيلة للسقوط، وصادفنا عددا من الأسر التي عبرت عن استيائها بسبب الوضع المزري الذي تعيشه.
ورفض عدد من ساكني المنال الآيلة للسقوط مغادرتها، مبررين موقفهم بكون مساكنهم توجد على بقع تساوي اليوم ما لايقل عن 100 ألف درهم للمتر مربع في الوقت الذي يقترح ترحيلهم إلى ضواحي المدينة للسكن في شقق اجتماعية لا تتعدى مساحتها 46 مترا مربعا مقابل 200 ألف درهم، وهو أمر غير مقبول من طرفهم.

مستفيد.. ولكن
عزيز شاب صادفناه بالمدينة القديمة يتردد باستمرار على الحي الذي ترعرع فيه بالرغم من إخلائه لمنزله الآيل للسقوط. ويحكي لـ «الأخبار»، أنه اضطر لمغادرة المنزل رفقة أسرته الصغيرة ووالديه خوفا من انهيار المنزل فوق رؤوسهم.
ويضيف عزيز أنه كاد أن يفقد رضيعه خلال السنة الماضية، حينما انهار سقف الغرفة التي كان يوجد بها.
بسبب انهيار جدران المنزل عرضت الجهات المختصة على والديه آداء سبعين ألف درهم من أجل الاستفادة من شقة، بينما أدى عزيز مائة ألف درهم لكونه متزوج ويعيش مع أسرته منذ حوالي اثنتي عشرة سنة.
يقول عزيز بنبرة متحسرة: «اقترضت من البنك مائة ألف درهم وتقتطع من راتبي ألفا وست مائة درهم، في حين أنني أتقاضى فقط ألفين وست مائة درهم. فللأسف هناك العديد من المستفيدين من برنامج إعادة الإسكان قد تراكمت عليهم ديون البنك وفي حالة عدم تسديدهم المبلغ سيخسرون شقتهم». ثم يردف أن معظم قاطني المدينة القديمة يعيشون تحت عتبة الفقر ولايملكون ما يقتاتونه، وبالتالي لا يستطيعون تسديد ديون الأبناك.

البقالي : «بعض الأسر لم تتمكن من الاستفادة من الشقق بسبب مشاكلها الخاصة»
أوضح عبد الحفيظ البقالي نائب رئيس مقاطعة سيدي بليوط بالدار البيضاء في تصريح لـ «الأخبار»، أن سبع عشرة أسرة تعيش بمدرسة الحنصالي، بالإضافة إلى ستة وعشرين عازبا، مضيفا أن معظم الساكنة قد خضعوا للقرعة باستثناء العزاب، إذ مازالت ملفاتهم قيد الدراسة، مردفا أن ثلاثة شبان تزوجوا خلال مدة مكوثهم في المدرسة.
وكشف نائب رئيس مقاطعة سيدي بليوط بالبيضاء أن حوالي عشر أسر تعمل على تكوين ملفها والاقتراض من البنك، إذ إن الدولة تساهم بمائة ألف درهم، بينما على المستفيد تأدية مائة ألف درهم، مشيرا إلى أن مجموعة من قاطني مركز الإيواء الحنصالي لم يتمكنوا من تكوين ملفهم بسبب مشاكل داخلية كعدم حصول بعض النساء على أوراق الطلاق التي ضاعت منهن، أو دخول رب الأسرة إلى السجن مما يؤدي إلى حدوث عراقيل في إتمام الإجراءات القانونية.
وقد أكد عبد الحفيظ البقالي أن الأسر تقطن بشكل مؤقت بالمدرسة، إذ حدد سقفا زمنيا محددا من أجل إخلائها، خاصة أن المدرسة تجب إعادة ترميمها.
ويعزو نائب رئيس مقاطعة سيدي بليوط سبب إيواء بعض الأسر داخل خيمات إلى عدم تحمل المدرسة العدد الكبير للأسر التي انهارت منازلها، حيث سمحت لها المقاطعة بالمكوث كحل مؤقت.
وأفاد البقالي أن قاطني المنازل الآيلة للسقوط بالمدينة القديمة تمنحهم الدولة خمسة عشر يوما من أجل إخلاء المنزل والقيام بإجراءات البنك للاستفادة من برنامج إعادة الإسكان، مضيفا أن البرنامج لقي استحسان العديد من الأسر التي عبرت عن رغبتها في الحصول على سكن لائق وفي حالة حدوث عراقيل تقوم المقاطعة بالتوسط ما بين البنك والمستفيدين، حسب تصريح المسؤول المحلي ذاته.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة