GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الأخبار ترصد اختلالات معبر باب سبتة ومعاناة ممتهني التهريب المعيشي

الأخبار ترصد اختلالات معبر باب سبتة ومعاناة ممتهني التهريب المعيشي

باب سبتة: حسن الخضراوي
يعرف المعبر الحدودي باب سبتة، بين المدينة المحتلة ومدينة الفنيدق، فوضى عارمة عند كل ولوج وخروج لممتهني التهريب المعيشي الذين ارتفع عددهم في الآونة الأخيرة ليصل عشرات الآلاف. في أيام «السماح» بمزاولة التهريب المعيشي، التي تقلصت لتصبح أربعة أيام في الأسبوع من الاثنين إلى الخميس، بمعدل ساعتين في كل يوم، تتجمع طوابير لا تكاد تنتهي من النساء والرجال والشباب والمسنين، ممن يقصدون سبتة المحتلة لأجل حمل البضائع المهربة وتوفير لقمة العيش.
لا حديث بباب سبتة المحتلة عن حقوق المرأة كما يحدث في صالونات الرباط، ولا استنكارا حكوميا لاستغلال ذوي الاحتياجات الخاصة والقاصرين والمسنين في التهريب المعيشي. كل شيء هنا مسموح به ما دام يحقق المراد.
مؤخرا وقعت العديد من النساء ضحايا التدافع والازدحام المسمى «الهجمة» فتوفي بعضهن وأصيبت أخريات كما سبق وأحرق مواطنون ذواتهم احتجاجا على الأوضاع، لكن ذلك لم يغير من الواقع المر شيئا، سوى بعض الحلول الترقيعية الفاشلة.
تضخ أموال ضخمة في الاقتصاد الإسباني كل يوم، ويخسر الاقتصاد الوطني فرص انتعاشه لتحقيق مناصب شغل مهمة تحفظ كرامة المواطنين وتصونها عوض هدرها بشكل مستمر في العمل بمجال التهريب المعيشي.
كان الجميع ينتظر من حكومة حملت شعار الإصلاح، أن تطرح على الأقل مشروعا لمعالجة الملف على المستويين البعيد والقريب، في إطار إعادة الهيكلة التي تعرفها المنطقة ومع تدشين الملك لمشروع الميناء المتوسطي الضخم. لكن ذلك لم يحدث، كما لم تتحقق بعد أهداف المشاريع السياحية التي طرحت كبديل يراد منه توفير مناصب شغل تضمن كرامة المواطن.

نساء مشردات
حل المساء وخفت حركة السير الخاصة بالسيارات والراجلين ممن يعبرون الحدود الوهمية من سبتة المحتلة إلى الفنيدق والعكس، وتجمع العديد من ممتهني التهريب المعيشي من النساء والرجال لتدبر كيفية المبيت حتى الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي وحتى يكونون في الصف الأول للخروج محملين برزم البضائع المهربة.
من النساء من يبتن في الشارع بالقرب من المستودعات الكبيرة للسلع بسبتة المحتلة، مفترشات قطع «الكارطون»، في مشهد أثار الإعلام الإسباني المحلي والوطني والجمعيات الحقوقية، ومنهن من يبتن داخل المستودعات مع الحرص على أن لا تراهن أعين السلطات لأن ذلك ممنوع في القانون الإسباني.
يوفر المبيت على الحدود الوهمية فرصة لأن يكون ممتهن التهريب من الأوائل في الصف ومن ثم يحظى بالخروج أولا، لتوفير مبلغ مالي مهم بعدما ارتفع خلال الآونة الأخيرة ثمن حمل الرزمة (البورطو) خلال الأسابيع الماضية ليصل إلى 900 درهم أو أكثر.
السلطات المغربية تمنح ساعتين قد لا تكون كافية في الكثير من الأحيان لخروج الجميع، لذلك يتدافع عشرات الآلاف في مشهد جنوني للخروج أولا ما يتسبب في فوضى عارمة تقف أمامها سلطات سبتة المحتلة الإسبانية موقف المتفرج في بعض الأحيان، وتستخدم أحيانا أخرى العنف المفرط في حق ممتهني التهريب المعيشي لتنظيم العبور والتزام الصف.

مشاهد صادمة
من المشاهد التي تصدم زائري الحدود الوهمية بسبتة المحتلة، عمل عدد كبير من المسنين من النساء والرجال بمجال التهريب المعيشي في ظروف قاهرة، بالإضافة إلى عمل عدد لا يستهان به من المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة بنفس المجال.
يقول أحد العاملين بالتهريب المعيشي إن «كل شيء يمكنك من الخروج دون أن تصادر سلعتك يجوز على الحدود الوهمية. لا تتحدث لي عن الكرامة واحترام حقوق الإنسان، لأن هذا المكان وهذا المجال هو مجال الفوضى». ويضيف المتحدث نفسه: «هناك العديد من المسنين ممن لا يجدون ما ينفقونه على أنفسهم وأبنائهم لذلك يضطرون إلى العمل وسط هذه الظروف القاسية مثلهم مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا يؤلمنا نحن أيضا، لكن ما باليد حيلة. نتمنى أن يلتفت المسؤولون إلى هذه الفئة ويمنحونها حق ضمان العيش بكرامة».
ويشدد المتحدث ذاته على أن فئة المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة تتعرض للاستغلال، كما أنها تعتبر الحلقة الأضعف خلال الازدحام والتدافع، وهو ما يشكل خطرا يهدد حياتها وسلامتها بشكل مستمر مع توالي ما يسمى بعملية «الهجمة»، خلال الآونة الأخيرة.
وسبق للعديد من الجمعيات الحقوقية التنبيه إلى الأمر والمطالبة بتوفير لقمة العيش وضمان كرامة الفئة الخاصة من المعاقين والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، لحماية لحقوقهم التي يكفلها القانون وتجنيبهم المعاناة القاسية التي يتكبدونها يوميا بالمعبر الحدودي الوهمي.

اعتداءات متكررة
تزايدت حدة الاعتداءات التي يتعرض لها ممتهنو التهريب المعيشي من طرف السلطات الإسبانية بباب سبتة، ما تسبب في إصابة العديد من المواطنين المغاربة إصابات متفاوتة الخطورة.
وذكرت مصادر من عين المكان أن سيدة طاعنة في السن من ساكنة الفنيدق تعرضت لاعتداء شديد من قبل أحد أفراد الحرس الإسباني عندما انهال عليها بعصا في رأسها لتسقط مغشيا عليها والدماء تنزف من رأسها، ما تسبب لها في جروح وكدمات خطيرة. وقد حضرت سيارة الإسعاف الإسباني وتم نقل الضحية على وجه السرعة إلى مستشفى المدينة السليبة لتلقي العلاج، وهي في حالة حرجة.
وقد خلف الاعتداء الذي تعرضت له المسنة موجة عارمة من الغضب في صفوف ممتهني التهريب المعيشي، والذين عبروا عن استيائهم وتذمرهم من تزايد حدة الاعتداءات والمعاملات غير الإنسانية التي يتعرضون لها داخل المعبر، محملين كل المسؤولية للسلطات الإسبانية، في ما يمكن أن تتطور إليه الأمور، ومطالبين في نفس الوقت المسؤولين المغاربة بالعمل على حمايتهم والدفاع عنهم.
وتعرض مواطن آخر يدعى (م.م) لاعتداء جسدي شنيع من طرف الحرس المدني الإسباني بباب سبتة المحتلة أدى إلى إصابته بكدمات ورضوض على مستويات مختلفة من جسمه.
ويشتغل الضحية بأحد المراكز الثقافية بالثغر المحتل، حيث وصفت إصاباته جراء الاعتداء الذي تعرض له بـ»الخطيرة» على مستوى الحوض وفخذه اﻷيسر، ليتم نقله إلى المستشفى الجامعي بسبتة لتلقي العلاج. وسلمت له شهادة طبية حددت مدة العجز بها في 22 يوما قابلة للتمديد، وذلك إثر تعرضه لضرب عنيف بالهراوات على يد الحرس المدني اﻹسباني.
المركز الثقافي المذكور تقدم على إثر الواقعة بشكاية رسمية لدى المحكمة، كما وجه مراسلة في الموضوع إلى حاكم سبتة المحتلة والحكومة اﻹسبانية، فيما قالت مصادر إن الضحية تنازل عن متابعة عناصر الحرس المدني، الذين كانوا موجودين بالنقطة الحدودية الوهمية وقت تعرضه لحادث الاعتداء.

SEBTA

تدافع وإجهاض
تدافع المهربين المعاشيين باب سبتة الذي يسمى بـ«الهجمة» كثيرا ما يخلف جرحى وقد يصل الأمر إلى التسبب في وفيات في صفوف النساء بشكل خاص.
هذه «الهجمة» تقتضي أن يجتمع عدد كبير من ممتهني التهريب المعيشي، ويقررون الهجوم للخروج من سبتة المحتلة وهم يرددون في بعض الأحيان «الله أكبر» مع الصياح عاليا والجري لمفاجأة عناصر الجمارك والأمن ودفعهم لإخلاء الطريق.
تخلف «الهجمة» العديد من الإصابات وتشكل خطرا شديدا على الجميع، فقد أصيبت فتاة عشرينية من ممتهني التهريب المعيشي بجروح خطيرة خلال الأيام القليلة الماضية، وأجهضت سيدة أخرى حامل في حادث تدافع وازدحام بالقرب من مستودعات السلع المحاذية للحدود الوهمية، حيث وقع الحادث الذي يتكرر كل يوم ويطلق عليه اسم «الهجمة» بعد فتح السلطات الإسبانية العبور أمام ممتهني التهريب المعيشي الذين يبيتون في العراء، لينطلق طوفان بشري محمل بالبضائع والرزم الثقيلة، ويتسبب الازدحام الشديد في سقوط العديد من النساء اللائي داستهن الأقدام بشكل عنيف في مشهد درامي تابعته السلطات الإسبانية دون أن تتمكن من السيطرة عليه ما تسبب للنساء الضحايا في جروح متفاوتة الخطورة، كانت أشدها تلك التي أصيبت بها فتاة عشرينية ودخلت على إثرها قسم العناية المركزة بمستشفى المدينة السليبة قبل أن تتحسن حالتها الصحية بشكل طفيف.
وتم تخليص الضحية من بين أرجل ممتهني التهريب المعيشي بصعوبة بالغة من طرف الأمن الإسباني، إذ لم ينتبه أحد إلى سقوطها رفقة أخريات فيما كان هم الجميع هو التمكن من تحقيق أمل الخروج محملين بالرزم والحصول على المبلغ المغري 900 درهم الذي يتسابق من أجله الجميع ويفوز به القليل.
سبق للمعبر الحدودي الوهمي أن شهد وفاة نساء جراء الازدحام الشديد والتدافع عند الخروج، وسبق أن عمد فيه شباب إلى إحراق ذواتهم احتجاجا على مصادرة سلعهم، ليبقى السؤال المطروح: متى تفكر الحكومة في مشاريع بديلة تقطع مع مفارقة التهريب المعيشي الذي يحفظ السلم الاجتماعي من جهة ويهدد الاقتصاد الوطني من جهة أخرى، كما يعرقل بناء دولة الحق والقانون؟

«بورطو» الـ900 درهم
خلال الأسابيع الماضية بباب سبتة المحتلة كثر الحديث عن الرزم «البورطو» التي وصل ثمن حملها من طرف ممتهني التهريب المعيشي إلى 900 درهم. المبلغ يغري الكثيرين ويجعلهم يتسابقون في ما بينهم للخروج، وسبب ارتفاع الأثمان حسب مصادر مطلعة، هو الإجراءات الأمنية التي تم اتخاذها من الطرفين المغربي والإسباني وتشديد المراقبة الضرورية على الحدود الوهمية.
يقول مصدر أمني إن إجراءات الدخول والخروج القانونية لا بد منها وإن العناصر الأمنية واجبها أن تراقب بشكل مشدد الداخلين والخارجين من سبتة المحتلة، تفاديا لتسلل المهاجرين السريين بطرق أو أخرى واستغلال «مافيا» تهريب البشر للظروف التي يوجد عليها المعبر بسبب ممارسة التهريب المعيشي.
وتقول العديد من النساء ممتهنات التهريب المعيشي إن ثمن حمل «البورطو» هو حلم ووهم يجري خلفه الكل هذه الأيام دون تحقيقه، لأن الفوضى بالمكان تتيح فرص العمل للأقوى من حيث النفوذ والسوابق العدلية والقوة الجسمانية، مع القدرة على «البلطجة» وما إلى ذلك. أما الضعفاء والفقراء فلا يصلهم إلا الفتات في حال كانت هناك فرصة للخروج أصلا.

التهريب والعبودية
وصف رئيس حكومة سبتة المحتلة المواطنين المغاربة العاملين في مجال التهريب المعيشي والمنظم بالمعبر الحدودي الوهمي بـ»العبودية في العمل»، في إشارة إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه عدد كبير من رجال ونساء مغاربة يمتهنون حمل السلع المهربة من المدينة المحتلة في اتجاه الفنيدق.
مصادر الجريدة أضافت أن رئيس حكومة الثغر المحتل قال إن الوضع المزري الذي يعيشه ممتهنو التهريب لا يمكن السماح به مستقبلا بالمدينة، متوعدا بالعمل على اتخاذ كل الإجراءات القانونية لإنهائه.
وعبرت مجموعة من الجمعيات الحقوقية بسبتة المحتلة عن استيائها من الظروف التي تعمل فيها النساء ونوم العديد منهن بالشارع العام، مفترشات «الكارطون» للاحتماء من البرد في مشهد يحيل على اللاجئين والمشردين، تناقلته مختلف وسائل الإعلام الإسبانية المحلية والوطنية.
المعبر الحدودي الوهمي عرف مؤخرا تشديد الإجراءات الأمنية التي تخص التفتيش ومراقبة الهوية بسبب التهديدات الإرهابية الأخيرة، والأحداث التي عرفتها مجموعة من البلدان خاصة فرنسا، وهو ما استدعى إضافة عناصر أمنية جديدة من الجانب الإسباني.
طوابير ممتهني التهريب المعيشي تصل إلى قرابة الكيلومترين في الكثير من الأحيان، فيخرج بعضهم بينما لا يتمكن البعض الآخر من الخروج وسط فوضى عارمة واعتداءات متكررة من طرف السلطات الإسبانية التي أصبح يقلقها وضع مبيت المئات من النساء في الشارع وسط المدينة المحتلة.
هذا الأمر قد يؤدي لمنع الدخول إلى سبتة المحتلة على العديد من ممتهني التهريب المعيشي ممن يقطنون بمناطق أخرى وهاجروا نحو تطوان والمدن القريبة من أجل الحصول على شهادة السكنى وإعداد جواز السفر للعمل بمجال التهريب المعيشي.
مصادر مطلعة قالت إن وزارة الداخلية الإسبانية راسلت مندوب سبتة المحتلة، في موضوع الإسراع بإعداد دراسة شمولية تحدد عدد الوافدين يوميا على مدينة سبتة، ورفع مقترحات لتخفيض عدد المدن والقرى المنتمية إلى مدينة تطوان ممن يسمح لقاطنيها بالولوج إلى سبتة بواسطة جواز السفر فقط. بالإضافة إلى دراسة اقتراح حلول من قبيل السماح للمزدادين بتطوان والمدن المجاورة بولوج سبتة المحتلة بواسطة جواز السفر، ومنع المزدادين خارج تطوان من الولوج إلا بالحصول على التأشيرة الضرورية.
الحديث عن قرار منع الدخول لغير المزدادين بتطوان والنواحي أثار العديد من التساؤلات حول إمكانية تطبيقه والمشاكل التي ستترتب عنه، كما شككت مصادر أخرى في نجاعته ليكون حلا للفوضى التي تعرفها الحدود الوهمية.
بعض المتتبعين يرون أن قطاع التهريب المعيشي يطرح إكراهات عديدة ويعتبر معيقا رئيسيا لبناء دولة الحق والقانون واحترام كرامة المواطن. لذلك سيبقى سؤال طرح البديل مستمرا في انتظار التفات الحكومة لتقديم الجواب الشافي لهذه المعضلة التي عمرت عقودا بالمنطقة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة