GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الأخبار تكشف عن الوجه الآخر لمهنة نادلي المقاهي

الأخبار تكشف عن الوجه الآخر لمهنة نادلي المقاهي

كوثر كمار
هم عناصر رئيسية في المقاهي، يحرصون على راحة الزبائن ويبتسمون في وجوههم رغم الألم الذي يعتصر قلوبهم، لعلهم يحصلون على إكراميات يضيفونها على أجورهم الهزيلة. معظمهم يشتغلون في ظروف مزرية، فهم محرومون من التغطية الصحية ويجدون أنفسهم خارج الخدمة عند تعرضهم لحادثة شغل أو بسبب مشكل بسيط مع الزبائن. «الأخبار» تسلط الضوء على نادلي المقاهي وتكشف عن معاناتهم اليومية.
يعيش نادلو المقاهي ظروفا اجتماعية مزرية، إذ تتراوح أجورهم ما بين ثمان مائة درهم وألفي درهم، فضلا عن أنهم يعانون بسبب عدم استفادتهم من أبسط حقوقهم القانونية. هذا ما تكشفه أقوال أفراد هذه الفئة الاجتماعية كلما فاتحهم شخص حول ظروف عملهم وأوضاعهم المادية والمعنوية، لكن الأمر يتفاقم أكثر أثناء التعرض لحادث معين.
إبراهيم أفندي، نادل بمقهى بمدينة أيت ملول، منذ حوالي ثلاثين سنة إلى أن تعرض لحادثة شغل ترتب عنها إجراء عمليتين جراحيتين، ليجد نفسه في الأخير مطرودا من العمل بعدما طالب بحقوقه.
ويؤكد إبراهيم خلال حديثه مع «الأخبار»، أنه وقع ضحية نصب واحتيال من قبل مشغله الذي استغل جهله للقراءة والكتابة، ليسلمه وثيقة لا يعرف محتواها أو مضمونها وطلب منه المصادقة عليها، ليكتشف بعد مرور الوقت أنه قد وقع على التنازل عن جميع تعويضاته ليتم بموجب ذلك إلغاء الحكم الابتدائي الذي جاء لصالحه بعدما قدم شكوى في الموضوع.

حادثة شغل
يتعرض العديد من نادلي المقاهي لحوادث شغل مختلفة، خاصة أنهم يحملون كميات كبيرة من الأواني الزجاجية، وقد يتعرضون للإنزلاق بسبب سرعتهم في العمل التي تتطلبها هذه المهنة.
يقول إبراهيم أفندي بنبرة متحسرة: «قضيت أزيد من ثلاثين سنة وأنا أعمل بالمقهى كنادل، لكن عندما وقعت على رأسي وأصبت بجروح بليغة على مستوى الرأس بسبب الصحون لأجد نفسي مطرودا، حسبي الله ونعم الوكيل». ويروي إبراهيم أنه كان يتقاضى 1800 درهم منذ 1988 إلى أن تم طرده تعسفا من عمله خلال 2004 بسبب الحادثة، وظل يصارع من أجل الحصول على كافة حقوقه إلى اليوم.
ويضيف أن المحكمة أصدرت حكما لصالحه مفاده أن الحادثة التي تعرض لها داخل المقهى تعتبر حادثة شغل وعلى مشغله أداء تعويضات يومية قدرها 8475 درهما، أما عن الإيراد المقدر بـ6574 درهما فيجب أن يؤديه على شكل أقساط أربعة أشهر.
بالرغم من تعويض إبراهيم على حادثة فقدان الشغل، إلا أنه لم يتم تعويضه على الطرد التعسفي، ويؤكد النادل أنه وقع ضحية نصب واحتيال بعدما صادق على وثيقة يجهل محتواها.
ويقول إنه بعدما صدر الحكم لصالحه قام المشتكى به بتسليمه مبلغا قدره مائة ألف درهم وطلب منه المصادقة على وثيقة تثبت تسلمه للمبلغ. غير أنه تنازل عن كافة التعويضات التي حكمت بها المحكمة لصالحه. ثم يردف أنه لم يكتشف عملية النصب والاحتيال التي تعرض لها إلا عندما عاد مجددا للاشتغال رفقة المشتكى به الذي قام بطرده وأخبره بأنه تنازل عن كافة تعويضاته.
في مقابل ذلك، صرح المدعى عليه في محضر قانوني أنه اشترى مقهى من شخص يعيش بالخارج، إذ طلب منه النادل والذي كان يعمل سابقا بالمقهى العمل لديه مجددا، إذ اشتغل لمدة ستة أشهر وغادر دون إخباره.
ثم عاد مجددا بعد شهرين وطلب منه تعويضه عن المدة التي اشتغل بها فاتفقا على تسليمه خمسة آلاف درهم.
وأدلى له بالتنازل، مضيفا أن المشتكي تقدم بشكايتين لدى المحكمة الابتدائية والاستئناف وتم رفض الدعوتين، نافيا تعريض النادل لأي نوع من النصب والاحتيال.

serveur

حقوق مهضومة
العديد من نادلي المقاهي محرومون من الانخراط في الضمان الاجتماعي والعطل السنوية، فجميع حقوقهم مهضومة.
صلاح «بار مان» بمقهى بمدينة الدار البيضاء يمارس هذه المهنة منذ سبع سنوات، وينتقل من مدينة لأخرى بحثا عن الاستقرار. يحكي صلاح خلال حديثه مع الجريدة، أنه يعمل في ظروف مزرية، إذ يظل واقفا لحوالي ثلاثة عشر ساعة متواصلة إلى أن تتورم قدماه، وذلك مقابل ألف وأربع مائة درهم شهريا، كما أنه غير مصرح به في صندوق الضمان الاجتماعي رغم مضي سنتين.
يقول صلاح: «عمال المقاهي يعانون كثيرا بسبب عدم حصولهم على حقوقهم خاصة نادلي المقاهي، ففي أي لحظة يجدون أنفسهم مطرودين من دون سبب، وعلاوة على ذلك هناك من يتقاضون ألف درهم شهريا ويضطرون لبيع السجائر بالتقسيط».
ويردف أن أصحاب المقاهي يجنون أموالا طائلة فأرباحهم تفوق عشرة آلاف درهم في اليوم، خاصة خلال فصل الصيف، في حين لا يتقاضى نادلو المقاهي سوى بضع دريهمات.
وأفاد المكتب الجهوي لأجراء وعمال المقاهي (المنضوي تحت لواء اتحاد النقابات المهنية بالمغرب)، في بلاغ له، أن أجور عمال المقاهي جد هزيلة، إذ تتراوح ما بين 800 و1200 درهم شهريا، وعلاوة على ذلك فهم محرومون من الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع غياب الاستفادة من العطل الأسبوعية.
وكشف العربي الكركزي، الكاتب العام للمكتب الجهوي لأجراء وعمال مقاهي الفداء بالدار البيضاء، التابع لاتحاد النقابات المهنية بالمغرب، في تصريح صحفي أن أكثر من 100 ألف عامل ونادل يعملون في 20 ألف مقهى دون احترام قانون الشغل، موضحا أن الخدمات التي يقدمها نادلو وعمال المقاهي أعمال متعبة، مستدلا بارتفاع ساعات العمل التي تتجاوز 12 ساعة يومية، وبظروف العمل في بعض المقاهي، التي يتعرضون فيها لاعتداءات، إلى جانب تعرضهم لأخطار أمراض مهنية، كالربو والسل.

«بوربوار» النادل
بسبب الأجور الزهيدة التي يحصل عليها نادلو المقاهي جرت العادة أن يقدم زبون المقهى بضعة دريهمات للنادل، ويعتبره بعض العمال مكملا لأجرهم والبعض الآخر عربون شكر لقاء الخدمة الجيدة. إلا أن العمال يقبلون «البوربوار» لأن الأجور ضعيفة ولا تلبي حاجيات معيشتهم اليومية. ويرى البعض أن «الإكراميات» تسيء إلى العمال لأنها تضعهم دوما تحت رحمة سوء معاملة الزبون ورب المقهى.
العربي، نادل صادفناه بأحد المقاهي الشعبية بالبرنوصي بمدينة الدار البيضاء. الابتسامة لا تفارق محياه رغم الألم الذي لا تخطئه العين المتأملة بدقة لملامحه. العربي يقدم المشروبات للزبائن وبموازاة مع ذلك يبيع الزبناء السجائر بالتقسيط.
يقول العربي: «الناس في هذا الحي الشعبي بالكاد يجدون ثمن فنجان قهوة. فالقليل من الزبائن من يمنحوني درهمين تعبيرا منهم عن تعاطفهم معي».
ويضيف أنه يتقاضى ألفا وخمس مائة درهم للشهر، إذ لا يقتصر عمله على تلبية طلبات الزبناء، بل يقوم بالكنس، التنظيف، ترتيب الكراسي والطاولات.
اضطر العربي الاشتغال كنادل بعدما هاجر من البادية إلى المدينة عندما توفي والده، حيث أضحى هو المعيل الوحيد لأسرته، غير أنه اصطدم بواقع مرير أثناء مزاولته لمهنة نادل، بحسب العربي الذي يردف أنه يتعرض لسوء المعاملة من قبل مشغله، ويهان من قبل الزبناء الذين ينهالون عليه بعابرات السب والشتم، مضيفا أن ليس له أي حل سوى الصبر على الإهانات من أجل العيش.

نادلات المقاهي يتعرضن للتحرش الجنسي من قبل الزبائن
يفضل عدد من أرباب المقاهي تشغيل النادلات بسبب قدرتهن على جلب الزبائن والقيام بأعمال أخرى كغسل الصحون وتنظيف المقهى. لكن في مقابل ذلك لا تتجاوز أجورهن ألفا وأربع مائة درهم شهريا.
وتتعرض معظم النادلات للتحرش الجنسي وفي حالة عدم الانصياع لرغبة الزبون المتحرش، فإنه يعمد إلى افتعال أي نزاع معها ثم يشتكيها لمشغلها فيتم طردها.
سكينة فتاة طويلة القامة ترتدي زيا أسود، يفرضه صاحب المقهى، تمضي النهار كله، وهي تتنقل من طاولة لأخرى لتلبية طلبات الزبائن.
تبدأ عملها في العاشرة صباحا ولا تغادره إلا في الثامنة مساء. تنتظر الزبون حتى يجلس على الطاولة، ثم تهرول لاستقباله وتلقي طلباته بابتسامة، ثم تنتظره حتى يهم بالمغادرة، لعله يمنحها «بوربوار» يساعدها على مصاريفها اليومية.
تحكي سكينة التي تعمل بمقهى راق بمدينة الدار البيضاء، أنها اضطرت للعمل كنادلة بعدما توفى والدها، غير أنها تتقاضى فقط ألفا وخمس مائة درهم شهريا لا تكفيها في تسديد مصاريف البيت.
تقول سكينة: «أتعرض كثيرا للتحرش الجنسي، إلا أنني أحاول أن ابتسم في وجه الزبائن كي لا أطرد من العمل، وأذكر قبل سنة تعرضت للتحرش من قبل زبون في عقده الخامس كان يرغب في ربط علاقة معي، غير أنني رفضت ذلك فلو كنت أريد الدعارة لما اشتغلت في المقهى. وكي ينتقم مني المتحرش سكب على سرواله القهوة واشتكاني لمشغلي الذي خصم مائة درهم من راتبي. فقررت مغادرة العمل». ثم تردف: «بعض الزبناء عندما يمنحونني «البوربوار» يشعرونني بأنني تحت رحمتهم، ومن ثم لا يحق لي صدهم».
سكينة هي فقط واحدة من بين المئات من النادلات اللاتي يتعرضن للاستغلال والتحرش الجنسي من قبل الزبائن، في حين هناك نادلات يستغلن عملهن من أجل التعرف على زبنائهن الذين يلقبنهم بـ «الفيكتيمات».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة