MGPAP_Top

الأخوة الأعداء

الأخوة الأعداء

ما فتئ رئيس الحكومة بنكيران يعطي الكعكة تلو الأخرى للأحزاب المشكلة لأغلبيته لأنه يدرك اليوم أكثر مما سبق أن النظام السياسي المغربي لا يسمح بوجود حزب أغلبي وإنما يسمح فقط بالتوافق الفسيفسائي لشغل رقعة السلطة التنفيذية، فالشعبية الجماهيرية في نظر العقل السياسي ليست سوى أفيون يجب على الفاعل السياسي الاحتراس من تناول جرعات كبيرة منه حتى لا يصاب بالإدمان ثم الخرف السياسي.
لنبدأ بكعكة المناصب السامية، حيث الموقف الأخير الصادر عن وزير الوظيفة العمومية، أو ما يسمى تحديث القطاعات العامة، في شأن عدم «الشفافية المطلقة» التي نهجها الوزراء في تنفيذ مراسيم التعيين في المناصب العليا لوزاراتهم. فهذا الموقف الذي عبر عنه الوزير مبدع صراحة يكشف في عمقه عن موقف سياسي تكتيكي لدى هؤلاء الوزراء «المتهمين» أكثر من كونه ترميما تقنيا لنصوص قانونية سيئت طرائق تنفيذها.
فكلام وزير الوظيفة العمومية، من حزب الحركة الشعبية، عن تربص الوزراء بالنصوص وبالمساطر لوضعها على مقاسات من يريدون «تبليصهم» في الإدارة هو كلام سياسي خطير كان من الأجدر أن تكون له تبعات قانونية تطعن في خارطة المسؤولين الكبار المشبوه في طريقة تعيينهم، لكنه لم يرد أن يصل إلى ذلك البعد بل أراد فقط أن يرمي   بحجارة على بركة كانت دوما راكدة لتثبيت مصالح الحركة الشعبية في مجالات أخرى غير ظاهرة. كما لو أنه يريد أن يقول «تتهموننا بأكل ثلاثة ملايين سنتيم من الشوكولاتة، وأنتم تغرفون من المال العام الملايين في تثبيت أوليائكم داخل أسلاك الدولة».
وموافقة مجلس الحكومة السريعة والمتسارعة على مناظيم Organigrammes الوزارات، مع الشراهة غير المسبوقة في تخصيص اعتمادات مالية لتمويل هذه المناظيم، له مبررات سياسية واضحة تظهر خصوصا في الإسراع بتفعيل اختصاصات وزراء التحالف والمصادقة على خارطة المسؤولين بها، وذلك خارج نطاق التمحيص والتدقيق، لأن كل وزير يملك مفاتيح خارطة المسؤوليات التي يريد إرساءها.
هذا النهم والشطط مارسه وزراء العدالة والتنمية بشكل لافت للانتباه. فوزير «الحوار الوطني حول المجتمع المدني» وضب دخول «قاض» مفصول إلى الوزارة «الهجينة» ذات الاختصاصات غير الواضحة، ليضعه في منصب سام. ثم منح رئيسة ديوانه، الوزيرة الحالية المنتدبة في التعليم العالي، اختصاصات إدارية واسعة وغير مشروعة ليضرب عرض الحائط مبادئ عدم تدبير الديوان للشؤون الإدارية.
الشيء نفسه يقوم به وزير «إصلاح منظومة العدالة» الذي يدبر أمورا إدارية كثيرة من ديوانه مع رئيسته السيدة القروي، رئيسة «منتدى الزهراء» زوجة القيادي حامي الدين، الذي لم يجد حرجا في إرسال ملخص للتقرير النهائي للحوار الوطني إلى السكرتيرة الثانية في السفارة البريطانية المكلفة بالاقتصاد والسياسة، «آن إيشروت»، لكي «تطلع» عليه.

 

وزير الاتصال حاول مرارا تمرير تنصيب رئيس ديوانه، العضو البارز في حركة الإصلاح والتوحيد، في منصب كاتب عام، لكن يقظة المحسوبين على تركة التقدم والاشتراكية بالوزارة «كشفت» المخطط في حينه.
أما وزيرة المرأة فقد حطمت أرقام الشطط والعبث في تشكيل خارطة المسؤوليات بقطاعها، بحيث وضع رئيس ديوانها السابق، الذي تخاصمت معه من بعد وهو أخو سليمان العمراني مدير حزبها، شخصين محسوبين عليه لهما عليه أفضال سابقة، عندما كان مكلفا بالدراسات في ديوان الراحل الهاروشي، واحد وضعه كاتبا عاما، هو الآن بمظلة الحركة الشعبية، والآخر مديرا للموارد المالية والبشرية، مشغول هذه الأيام بمغاولة أجهزة حزب الأحرار وأجهزة أخرى.. وذلك وفق مساطر ترشيح مطروزة على مقاسهما.
والشطط الواضح هو ما قامت به هذه الوزيرة كثيرا في ملف تعيين مدير مؤسسة التعاون الوطني الذي جاء ثالثا في ترتيب الأحقية ليكتشف الجميع أنه وضع في الرتبة الأولى، ضاربة بالشفافية والقانون عرض الحائط، ونفس الشيء قامت به لتعيين المفتش العام للوزارة، الذي يطعن أحد أعضاء لجنة الانتقاء في أهليته المطلقة وهو الشاب الذي كان رئيس مصلحة مبتدئا وتنقصه خبرات كثيرة في التفتيش.
والشيء ذاته بالنسبة إلى مديرة المرأة ذات الجنسية الفرنسية المنتمية إلى «نادي الإسلاميات الدولي» والتي لا تتوفر إطلاقا على معايير ولوج هذا المنصب، خصوصا عدم درايتها الشديدة باللغة العربية وبملف شائك كملف المرأة. نفس المنهاج تقوم به الوزيرة الإسلامية حاليا لتثبيت أحد مقربيها الناشط بحركة الإصلاح والتوحيد، وهو للذكر مدير تم استقطابه للحركة مؤخرا سيجتاز مباراة ولوج منصب جد حساس هو منصب مدير وكالة التنمية الاجتماعية بمقاييس ومعايير موضوعة على مقاسه.
إذن، حركة مبدع وزير الوظيفة العمومية، الوزارة التي تؤشر على مناظيم الوزارات، جاءت لتقف أمام هذا المد الجارف للعدالة والتنمية التي تستدرك ما بقي لها من عد عكسي في الزمن السياسي المتبقي لتزرع مشاتلها بالمرافق العمومية والمؤسسات والإدارات، بمباركة من عبد الإله بن كيران الذي يوقع على المراسيم بسرعة البرق.
غير أن بعض المواضيع تكون أكثر حساسية من بعضها في ضبط توازنات التحالفات السياسية. ولعل الجميع يتذكر «خذلان» عبد الرحمن اليوسفي للرفيق سعيد السعدي عندما طرح هذا الأخير خطته في إدماج المرأة في التنمية، وهو الخذلان الذي ترجمه تراجع الوزير الأول آنذاك عن التبني السياسي للمشروع أمام البرلمان وخروج السعدي من الحكومة منسحبا، دون أن تنسحب التقدم والاشتراكية دائمة المشاركة بكل الأثمان، وهي الخطة التي قسمت المغرب إلى قسمين في مسيرتين جارفتين كانت محصلتها دخول القصر على الخط لضبط التوازن وفك التقاطب الصعب الذي دخلته الساحة السياسية حول قضية الأحوال الشخصية والمساواة بين الجنسين.
الآن، جاء الدور على العدالة والتنمية لتدبير الانفجارات الموقوتة حول قضية المرأة. وبسيمة الحقاوي ووزيرها الأول عبد الإله بنكيران وكل الإسلاميين، هم اليوم شديدو الحرص على عدم تكرار مشهد 1998. لأن من بين مكونات توازن أغلبيته يوجد معه اليوم خصوم الأمس الذين تعاركوا معه في قضية المرأة، وهن الرفيقات الشيوعيات.
خوف بنكيران من انفجار الأغلبية أو التحالف «الحيوي» مع الشيوعيين جعله يؤثر سلبا على خروج نصوص مفصلية وجد هامة لمناصرة قضايا المرأة وحقوقها. فمشروع قانون العنف الذي «طبخته» بسيمة الحقاوي طبخة أفرغته من المضامين المطلوبة وجعلته تكرارا لمقتضيات جنائية متفرقة مع بعض التعديلات، كاد يؤدي إلى انفجار «التحالف الاستراتيجي» الهش مع التقدم والاشتراكية، حيث قادت نزهة الصقلي الوزيرة السابقة للمرأة حملة محمومة بمساعدة الأذرع الجمعوية اليسارية، خصوصا الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب وربيع الكرامة وغيرها.. وهي حملة جعلت بنكيران يخضع لهذا الثقل اليساري ليقبر المشروع في «لجنة وزارية» شبح لم يعرف الآن هل عقدت اجتماعها ولم يعرف مآل هذا القانون الذي سحب من قنوات المصادقة. لماذا؟ لأنه قانون يحمل من مدلوله وحمولاته السياسية خطر تفتيت التحالف وخروج التقدم والاشتراكية للمعارضة.
نفس المآل عرفه مشروع إحداث هيأة المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز الذي تتلكأ الحكومة اليوم في عرضه للنقاش والمصادقة عليه، لأن العدالة والتنمية يعي تمام الوعي أن عليه أن ينجح في معادلة جد صعبة وهو يدبر هذا الملف الحساس المرتبط بحقوق النساء. فهو يوجد بين سندان القواعد الحزبية الإسلامية المتطرفة وأذرع حركة الإصلاح والتوحيد التي ترفض تماما الدفع بحقوق النساء في اتجاه المساواة المطلقة، وبين مطرقة التحالف السياسي مع اليسار الذي يجر العدالة والتنمية نحو مزيد من «التقدمية» في ما يتعلق بملف المساواة.
ثم إن تدبير ملف المرأة يضع ثالثا العدالة والتنمية في محك الالتزامات التي وقعتها الحكومة مع الاتحاد الأوروبي والذي مول «الخطة الحكومية للمناصفة» بأكثر من 43 مليون أورو، وهي تمويلات مرهونة بإعطاء الحكومة مجموعة من المؤشرات التي تبرز توجهها السياسي الحقيقي وليس الزائف نحو المساواة بين النساء والرجال.
لكن خبراء الاتحاد الأوروبي قلقون كثيرا على عدم تقدم جملة من الالتزامات الحكومية وبالأخص التزامات العدالة والتنمية المدبر لملف المرأة في الحكومة، وهناك إحساس رائج بأن هذا المشروع التعاوني سيفشل وستقف كل التمويلات الأجنبية المرتبطة به، سيما أن الإسلاميين يمقتون هذه التمويلات ذات النكهة «الإمبريالية».
ومن يدري، فربما يبتلعون في العدالة والتنمية هذه التمويلات الامبريالية مثلما فعل بنكيران الذي كان أيام المعارضة في البرلمان يتهم تمويلات برنامج «تحدي الألفية» الأمريكي بالمس بالسيادة الوطنية، فأحيانا الله حتى رأيناه رئيسا للحكومة يمدح ويتغزل في هذا البرنامج الأمريكي، لا بل يطالب بتمتيع حكومته بطبعة ثانية منه، فسبحان مبدل الأحوال.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة