الأربعون النووية

jnouhi

ماذا يوجد في رأس الذين يروجون الإشاعات. سؤال عميق في الحقيقة لكنه، يا للأسف، كُتب له أن يبقى بدون إجابة. ببساطة لأننا لم نقم يوما باستصدار حكم قضائي عادل، يسري على الجميع، يقتضي تشريح كل الذين اشتغلوا قيد حياتهم في ترويج الأخبار الكاذبة ونشرها على أوسع نطاق. آخر الأخبار، الإشاعات التي راجت مؤخرا، بما يتعلق بشكوك روسية حول وجود أسلحة نووية في المغرب.
ولأن الذين يروجون الأكاذيب غالبا ما يعتمدون في استقاء معلوماتهم الكاذبة، إما على خيالهم الجامح، أو من السيد «جوجل» شخصيا، فإن خبرا مثل هذا لا يمكن أبدا تصور طبيعة المصدر الذي أخذ منه، أو عنه.
لا يمكن أن يكون الخبر صحيحا أبدا، لأن المغرب أولا ليس مثل تلك الدول القاتمة التي تشغل نفسها بالبحث السري لصنع رؤوس نووية بعيدا عن أعين الرادارات الأمريكية، فالمغاربة مشغولون بما هو أخطر من الصناعة النووية، ولا يبدو أن لدينا طموحا في المستقبل القريب ولا البعيد لولوج هذا المجال الذي عاد بنكبات كثيرة على الشعوب المتهورة التي أرادت الحصول على أسلحة نووية بطرق ملتوية.
مسؤولية الحاكمين في نهاية المطاف تقتضي إيلاء أهمية كبرى لشعوبهم، وهذا ما انتبه له دكتاتور كوريا الشمالية مؤخرا، عندما عرض عليه علماؤه شريطا، بطلب منه، يوضحون فيه مصير جميع الحكام والزعماء المعادين للولايات المتحدة الأمريكية، والذين حاولوا تصنيع الأسلحة سرا أو صناعة أسلحة نووية. والنتيجة كانت أن استعملت هذه الورقة ضدهم وأدختلهم في حرب غير متكافئة كلفتهم حياتهم وحياة أبنائهم، وخراب بلدان بأكملها.
الذين روجوا خبر توفر المغرب على أسلحة نووية، أو احتمال وجودها بالمغرب، وقفوا عند ويل للمصلين، لأنهم لم يطالعوا جيدا المصدر الذي ظهرت فيه عبارة الأسلحة النووية إلى جانب «المغرب»، باللغة الإنجليزية بطبيعة الحال. وربطوا بسرعة بين الكلمتين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث على الأقل والتأكد مما سينشرونه في مواقعهم البيضاء التي لا يلجها أحد إلا الراغبون في مشاهدة فساتين نجمات الإغراء وما تصوره كاميرا المواطنين من هفوات وغفوات.
تعود القصة، أيها الناس، إلى الخمسينات بالضبط، عندما أعدت المصالح العسكرية السرية للجيش الأمريكي تقريرا لتصور مفصل عن إمكانية نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي في غمرة الحرب الباردة بين المعسكرين، وجاء في التقرير أن القوات العسكرية الأمريكية بإمكانها استغلال قاعدتها العسكرية في مدينة القنيطرة على السواحل المغربية، ووضع رؤوس نووية بها، تحسبا لأي هجوم مباغت من الطرف الروسي، حتى يتسنى لأمريكا الرد عسكريا وبسرعة، وتضمن التقرير أسماء مدن أخرى في دول أخرى رجحت أمريكا أن تستغلها كقواعد لشن الهجومات على روسيا.
ظل هذا التقرير العسكري سريا، ورفعت عنه السرية مؤخرا في إطار أرشفة الوثائق العسكرية المهمة ووضعها رهن إشارة الباحثين والمهتمين، وقد سبق لـ «الأخبار» أن نشرت مضامين من نفس التقرير الذي رفعت عنه السرية، حيث كانت بعض فقراته تعرض بالتفصيل لعلاقات بعض الجنرالات الأمريكيين بمسؤولين مغاربة كبار في الدولة خلال سنوات الخمسينيات.
يأتي اليوم بعض الذين يبحثون عن اسم المغرب بالفرنسية أو الإنجليزية في محركات البحث، ويخلصوا بسرعة إلى ربط عجيب بين عبارتين يكفي الجمع بينهما لتغيير مصير شعب بأكمله، وينشروا في مواقعهم، بعد كل هذه السنوات العجاف التي مرت على التقرير الذي رفعت عنه السرية، أن المغرب صار يتوفر على صواريخ برؤوس نووية. في وضع كهذا، تحس أن الدكتاتورية التي تمارس في حق الولوج إلى المعلومة، وراءها حكمة كبيرة، لا يعلمها إلا الذين يسارعون دائما إلى الحيلولة بين المعلومة وبين الصحافة المغربية.
لا يمكن أبدا لشخص سوي أن يأتي بدون سابق إنذار وبدون مقدمات، ويقول إن المغرب يتوفر على رؤوس نووية.
يجب أن يكون رأس صاحب الخبر محشوا بالخردل أو أسمدة حيوانية حتى يصدق أولا كلاما كهذا قبل نشره.الأشياء النووية الوحيدة الموجودة في المغرب، هي القنابل التي تخرج من أفواه بعض البرلمانيين والوزراء -الذين يصل عددهم اليوم إلى الأربعين وزيرا ربما- حيث يزعزعون بها أرجاء الوطن ويخلفون في أنفسنا إشعاعات تقطع كل أمل في الشفاء.
بالله عليكم.. كيف سنصنع رؤوسا نووية ونحن لم نعرف بعد من سرّب امتحانات الباكلوريا؟

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *