الملف التربوي

الأكاديميات تفرج عن الأنظمة الأساسية للموظفين بثغرات قانونية مريبة

خرق للفصل 6 من الدستور وتطاول على السلطات التنظيمية لرئيس الحكومة

المصطفى مورادي

أعطى سعيد أمزازي أوامره لمديري الأكاديميات بنشر الأنظمة الأساسية الخاصة بموظفي الأكاديميات، وذلك بعد أن تم التأشير عليها من طرف وزارة المالية، بحكم الطبيعة القانونية للأكاديميات كمؤسسات عمومية. صدور هذه التنظيمات رافقته حملة إعلامية واسعة النطاق، سواء من طرف الحكومة أو من طرف مسؤولي وزارة التربية الوطنية، يبسطون فيها «فلسفة» هذه الأنظمة، بالحديث، مثلا، عن نهاية التعاقد وما يمثله على مستوى الوضعية الإدارية للموظفين، وأيضا الإبقاء على أسلوب التوظيف الجهوي، والذي اعتبره كل هؤلاء «خيارا استراتيجيا للدولة». غير أن الأنظمة الأساسية الجديدة، والتي مايزال سعيد أمزازي يصر على عدم إصدارها في مراسيم، جاءت مخيبة للآمال في هندستها القانونية، لتضمنها ثغرات لا يمكن أن يسقط فيها خبراء القانون، من قبيل خرق مبدأ دستوري ورد في الفصل السادس، وهو الفصل الذي يتحدث في الفقرة الثالثة منه عن أن احترام مبدأ تراتبية القواعد القانونية هو مبدأ ملزم، لنجد أن مهندسي هذه الأنظمة ينسخون مراسيم حكومية ماتزال صلاحياتها قائمة، فضلا عن التطاول على السلطات التنظيمية التي يختص بها رئيس الحكومة أو التي تدخل ضمن السلطة الحكومية للقطاع، والتي لا ينبغي أن يشملها التفويض مهما كان الأمر. وهي الثغرات التي تعطي دليلا جديدا على الطابع الارتجالي الذي تصرفت وماتزال تتصرف به الوزارة مع ملف الأساتذة المضربين، الذين دخل إضرابهم المفتوح شهره الثاني.
تسرع أم سوء نية؟
صدرت الأنظمة الأساسية التي صادقت عليها المجالس الإدارية الاستثنائية التي انعقدت يوم 13 مارس الماضي. الوزارة، ومن خلالها الحكومة، تعتبر هذه الأنظمة تعويضا لنسخة غشت الماضي، حيث تم القضاء نهائيا على ما يسمى التعاقد، والإبقاء عليه فقط بخصوص التعاقد مع الخبراء، تماما كما ينص التعديل الذي أدخل سنة 2011 على قانون الوظيفة العمومية. لكن، بخصوص ما كان يسمى «أساتذة التعاقد»، فالوزارة تؤكد أن الأمر يتعلق بموظفين رسميين وعموميين عند مؤسسة عمومية هي الأكاديميات الجهوية لمهن التربية والتكوين. وتعتبر الوزارة، أيضا، أن هذه الأنظمة تتصف بالمرونة، بدليل أن خصوصية الجهات الصحراوية تم أخذها بعين الاعتبار، في ما يتعلق بالتعويضات الممنوحة لموظفي هذه الجهات، عملا بما هو جار به العمل في باقي القطاعات العمومية الأخرى. هذه الأنظمة كانت مصدر صدمة بالنسبة لبعض الخبراء في القانون، لتضمنها ثغرات وصفت بـ«الخطيرة»، من قبيل ضرب مبدأ «توازي الشكليات»، والذي يفرض أن أي تعديل أو نسخ للنص القانوني لا يتم إلا بنص من الدرجة نفسها. فالمرسوم المحدث للأكاديميات، والصادر سنة 2000، يتحدث في المادة 11 عن أنه «تتكون هيئة المستخدمين الخاصة بالأكاديمية من أعوان يتم توظيفهم من لدن الأكاديمية طبقا لنظام أساسي خاص يحدد بمرسوم»، بمعنى أن موظفي الأكاديميات، وبحكم أن هذا المرسوم مايزال ساريا، يتطلب توظيفهم بمرسوم وليس فقط بنظام أساسي تتم المصادقة عليه من طرف مجلس إداري، تغيب فيه تمثيلية النقابات.
ففي المادة 1، نجد أنه تسري مقتضياتها على الأطر العاملة بالأكاديميات، هكذا بتعميم، ولم يتم تدقيق نوعية هذه الأطر، لأن الأطر التابعة للنظام الأساسي للوزارة هي أيضا عاملة بالأكاديمية وتخضع لسلطة مدير الأكاديمية. فصيغة المادة واضحة في كون موظفي الوزارة سيخضعون هم كذلك لمقتضيات هذا النظام. وهو ما تؤكده المادة 2 حين تحديدها للفئات العاملة بالأكاديمية. أما المادة 3 فيفهم منها أن تعديل النصوص التشريعية يجب أن يراعي مقتضيات النظام الأساسي، في حين يجب أن يكون العكس، فالنظام الأساسي الذي صادقت عليه الأكاديميات لا يمكن بأي حال من أحوال أن ينسخ النصوص القانونية الأعلى التي تصدر، سواء من الوزارة أو من الحكومة. فنجد في المادة 8 أنه لم يتم التمييز بين أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، وبالتالي حرمانهم من خارج السلم. والسؤال هو أين هي المطابقة والمماثلة؟ أما المادة 19 والمادة 20 فتجعلاننا نتساءل إن كانت الوزارة ستتخلى عن تنظيم مباريات مراكز التكوين أم أن الأكاديميات سترخص لأطرها باجتياز المباريات المنظمة بمراسيم وقرارات وزارية؟ حيث يصبح ترخيص الأكاديمية أقوى من النصوص القانونية، وفي هذا تطاول كبير.
نسخ مرسوم بقانون أقل رتبة
نجد أن الوزير سعيد أمزازي فوض الاختصاص التنظيمي لرئيس الحكومة بمقرر لمجلس إداري، ونعلم أن مجلس الإدارة للمؤسسة العمومية له صبغة إدارية وليس له حق إلغاء نص تنظيمي. بل إن ترؤس الوزير للمجلس الإداري باعتباره عضوا من المجلس، لا يخول له القانون التصرف كسلطة حكومية. لذلك حملت الأنظمة الأساسية خرقا دستوريا واضحا بخصوص تراتبية القواعد القانونية، حيث خول لمدير الأكاديمية، وكما تنص المادة 11 من النظام الأساسي لموظفي الأكاديميات، في جهة مراكش- آسفي مثلا، «إصدار مقرر ينظم السنتين التكوينيتين». والخرق هنا هو أن المرسوم المحدث للمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين والصادر في دجنبر 2011، يتحدث في المادة 35 عن أنه «تحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتعليم المدرسي، بناء على اقتراح من مجلس المركز، وبعد استطلاع رأي مجلس التنسيق واللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي، كيفيات تنظيم التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين ومضامينه». فنلاحظ أن الوزارة غيرت مقتضيات مرسوم صادر عن سلطة حكومية بقانون أقل شأنا صادر من مجلس إداري للأكاديميات.
ففي قراءة للأنظمة الأساسية، نلاحظ التعامل مع المراكز كأنها بنيات إدارية وليست مؤسسات للتكوين لها نظامها الخاص. مثلا أن تسيير المراكز يستند على المادتين 33 و35 من القانون 01.00 ، والذي لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى تدبير الشأن البيداغوجي للمراكز من طرف الاكاديميات، فضلا عن عدم إعمال مواد مرسوم إحداث المراكز بخصوص استصدار أنظمة الدراسة والتقويم، التي ينبغي أن تعدها اللجان التابعة لمجالس المراكز وتصادق عليها هذه الأخيرة لتنقل بعد ذلك إلى مجلس تنسيق التعليم العالي لإبداء الرأي. فواضعو هذه الأنظمة تجاهلوا أن للمراكز لها أنظمتها الخاصة بالدراسة والتقويم الصادرة بالجريدة الرسمية سنة 2016 ومن الناحية الشكلية للقانون، ما معنى أن تعين مديرا للمركز بقرار للمجلس الحكومي بناء على مشروع لبرنامج عمل ممتد لأربع سنوات وعرضه على مجلس المركز للمصادقة، ليتم بعد هذا اتخاذ قرارات إدارية أو بيداغوجية خارج المركز.
في الحاجة إلى التصحيح والتواصل
في الوقت الذي تشهد الجهات والأقاليم حركية غير مسبوقة لإنقاذ الموسم الدراسي لمليون تلميذ مستهم بشكل مباشر أو غير مباشر إضرابات الأساتذة..، صدرت أنظمة أساسية تحتاج للكثير من التدقيق، بسبب التسرع الذي طبع وضعها والتصويت عليها. أنظمة تفرض على الوزارة، أيضا، التواصل مع الأساتذة المعنيين بها قصد شرحها وتنقيحها إن تطلب الأمر، بسبب الثغرات القانونية التي تضمنتها.
فالوزارة ماتزال تصر على تدبير ملف إضراب الأساتذة من خلال وساطة النقابات، وهذه تصر، من جهتها، على حل يشمل مختلف الفئات وليس فقط الأطر المضربة. لذلك، فعدم تنازل الوزارة عن هذا الشرط من شأنه أن يعمق التخوفات. فالحوار مع التنسيقية أضحى ضرورة، فإذا كانت الوزارة مقتنعة بأنها أعطت الحل النهائي والذي يضمن الأمن المهني لهذه الأطر، فإنه لا معنى لأن لا تنظم لقاءات حوارية وتواصلية مع هذه الأطر لرفع المخاوف وشرح مواد الأنظمة الأساسية، وهذا أفضل بكثير من أن تتخذ الوزارة قرار عدم الحوار وتترك الأطر ضحايا التأويلات والتغليطات والتمويهات، التي يرغب البعض في استثمارها، وعلى رأسهم بعض السياسيين والنقابيين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق