GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الإرهاب وعين بنكيران

في أسبوع واحد فقط عشنا في المغرب مشاهد بكل ألوان الطيف وبكل المفارقات الممكنة، ففي السياسة أغلق بنكيران فمه حين كانت قوات الأمن تشن حملة تطهير في كل المدن بالعصي على الأساتذة المتدربين، وفي الفن زفوا لنا هيفاء وهبي فوق «العمارية» وهي تغني «بوس الواوا»، وجاء بعدها مهرجان الفيلم بمراكش لينقل لنا من جديد حماقات «دياولنا» فوق البساط الأحمر، وفي الأمن فكك رجال الحموشي خلية إرهابية مسلحة كانت على وشك الضغط على الزناد، وفي الرياضة اكتشفنا أن لقجع يريد تغيير الزاكي، أما «فرسان العدالة والتنمية» فاختاروا القيام بحملة دعائية في الإنترنيت لإيهام الشعب أنهم مع إلغاء معاشات البرلمانيين والوزراء، وهذا طبعا في «الفايسبوك» وليس في حساباتهم البنكية.
في المغرب تخلق هيفاء وهبي الحدث وهي في كامل غنجها في بلاد لا تتوفر فيها المدارس العمومية على الماء والكهرباء وحتى الطاولات، تماما كما يفعل رونالدو الذي أصبح مقيما فوق العادة في مسابح وفنادق وعلب ليل مراكش، أما رئيس الحكومة فيعاني هذه الأيام من ضعف وتدني في نسب المشاهدة، بعدما حرق جميع نكته ومل الناس من شعبويته وشكاويه، وتبين بعد أقل من ستة أشهر على نهاية ولايته الحكومية أن العدالة والتنمية ليس سوى «ماكينة ديال الهضرة»، وأن إنجازه الوحيد الذي برع فيه وحصل بموجبه على أعلى النقط، هو الاقتراض من البنوك والمؤسسات العالمية، وأنه لا يحتاج إلى برنامج حكومي بعدما فوض الأمر في إطار المناولة إلى صندوق النقد الدولي.
لو كنا في فرنسا أو في أي بلد أوربي آخر لغطت التهديدات الإرهابية وتفكيك الخلايا الداعشية الذي يقوم به المكتب المركزي للأبحاث القضائية عندنا، على كل تفاعلات الأحداث، ولشاهدنا جميع الوزراء وقيادات الأحزاب والنقابات ورجالات الفكر، تتناوب على النشرات الإخبارية والبرامج الإذاعية للتعليق والتحليل على هذا الخطر الداهم الذي يهدد الدولة والمجتمع.. أما ونحن في أجمل بلد في العالم، فالحزب الحاكم يحتفل في موقعه الإلكتروني بذكرى تأسيس حركة «حماس»، أما الإذاعات الخاصة فهي مشغولة بوصفات العلاج من «التالول»، وطرق تحضير «الكيكة»، ومشاكل الجنس والنحس، والأحزاب أصبحت مجرد شركات انتخابية، في وقت اختفى صوت رجالات الفكر وماتت الفنون الجميلة، وترك الشعراء مكانهم للغاوين، والفقهاء هجروا المنابر وتخصصوا في فتاوى جواز ضرب المرأة خلال المعاشرة الجنسية،.. و هذا هو الخطر الحقيقي بعد الإرهاب.
كل الأتربة والمخصبات لزراعة التطرف أصبحت متوفرة في المجتمع، والكل يتابع بحياد غير مفهوم تفكيك الخلايا الإرهابية التي يقوم بها رجالات عبد اللطيف الحموشي كما لو أنها كانت مهمة أمنية فحسب، حتى أصبح حجز الأسلحة من مسدسات ورشاشات وذخيرة أمرا شبه يومي في نشرات الأخبار، لكن الكل منشغل في عوالم جزئية وتفاصيل تافهة، وحتى عبد الإله بنكيران وجد الحل المريح لنفسه وحزبه وحركته حين قال قبل أيام إنه «ليس من الضروري على رئيس الحكومة أن يعلم بكل شيء»، تيمنا منه بالمثل الشعبي «ودن صمة والأخرى فيها الما».
إننا أمام دستور جديد بصلاحيات لم تكن تحلم بها الحركة الوطنية في صراعها مع الحسن الثاني، وحكومة جاءت على آثار «الربيع العربي» بشعارات لم يتحقق منها شيء.. وفي المقابل هناك زحف مخيف في المدن للفقر والبطالة والتهميش والإحساس بـ «الحكرة» والتطرف، ولد نزعات إرهابية لدى فئات من الشباب أصبحوا جيشا احتياطيا لأبو بكر البغدادي، يبايعونه من تحت الأحزمة الناسفة، كل هذا لم يحرك في الحكومة والحزب الحاكم أي رد فعل، هما اللذان يسيران المدن ويدبران ميزانية البلاد وعيونهما وقلباهم على ولاية ثانية، لكن بسياسة خطيرة اسمها «عين شافت وعين ما شافت».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة