الاختيار

الاختيار

«وما القلق إلا حالة الخوف المطلق أمام العراء المطلق»، مارتن هايدغر.
أحيانا تحدث أشياء بسيطة وليست غريبة تماما، لكن من شأنها أن تثير في أعماقك جدلا يجعلك تنزل ضيفا ثقيلا على وحشة السكون.. ففي الليلة الماضية استسلمت للنوم، بعدما قرأت نتفا من إشراقات السهروردي، وذلك على سبيل ما جاء منه عفوا.. لكنني استيقظت منزعجة من طنين بعوضة أتلفت نومي قبيل الفجر.. جن جنوني كالمعتاد وقفزت من فراشي لأضع حدا لحياة بعوضة لا تعي معنى أن تمارس طقوسا لكي تنعم بنومة تليق بآخر الأسبوع.
فجأة، وأنا أبحث عن سلاح ملائم، تبادرت إلى ذهني بشاعة ما أنا مقبلة عليه، في مقابل مشهد من فيلم لمصاصي الدماء مثلا.. أحسست بغثيان، وبأشياء تهوي بثقلها من أعلى مكان بداخلي، وقلت لنفسي: ماذا لو أخليت سبيل هذه البعوضة حتى وإن كان سبيلها رشفة هنيئة من دمي؟ حسنا سأفعل ليس من باب التجربة ولكن على سبيل الاختيار، خاصة أننا نسلم بقدرة هذا المخلوق الضئيل- الذي وضع فيه الخالق أعظم أسراره- على إفساد نومة كأغلى الأمنيات بعد أسبوع من الركض وراء «ماذا». اعتبرت قراري هذا خروجا عن المألوف، سوف أغمض جفني ولن أعبأ بالبعوض المستهتر براحتي وصفوي.
حدث ذلك بالفعل، لكنني لم أنم بعدها حتى انبلج الصبح، وطوال تلك الساعات وأنا أفكر بأكثر شيء كان يؤرقني ويسرق مني هدأتي: لماذا بقيت كل اختياراتي وقراراتي معلقة على جدار الأحلام؟ لماذا لم أستطع أن «أمد يدي وأن أختار»؟ هل كان إخلاء سبيل بعوضة في هزيع الليل، أهم ما يمكن تحقيقه كشكل من أشكال السلطة في ممارسة الاختيارات الوجودية، كإنسان حر متحرر من عقد المنظومة الوراثية؟ وما معنى أن أختار ثم أقرر ولا أفعل؟ هل كل ذلك ينضاف إلى قائمة العبث، أم أنني فقدت القدرة على الفعل، أم أنهم أجهزوا على تلك القدرة في غفلة وضعف مني؟ وما الفائدة من طرح كل هاته الأسئلة؟
ألفت منذ أن جدلت أمي أول ضفيرة بشعري، أن أستمع إلى القول فلا أتبع أحسنه، بل إنني كنت أفعل عكسه تماما، وكانت أمي والكبار يقولون لي: «يضربوك على البيض تاكلي الفلالس» حتى آمنت بأنني حالة ميؤوس منها، وبأنني لن آكل غير «الفلالس» مع أنها لم تكن اختياري قط، فعشت نهاراتي وأنا أعتبر أولئك الذين يحيون حياة أو جزءا منها وفق اختيارات شخصية وواعية، أبطالا أو ربما أشخاصا ذوي ملكات خاصة، لأنهم برأيي استثناءات لا تخضع لرقابة الكبار وتواضعاتهم ومعتقداتهم، إنهم أناس ينعمون بابتسام القدر.
عندما صرت أملك قدرة على الفهم والإدراك، قرأت أن إرنست همنغواي كتب قبل انتحاره بأيام، أن الإنسان لا يملك إزاء موته عدا سلطة اختيار الزمان والمكان لحدوثه، ففهمت أن الاختيار من شأنه أن يصبح في أخطر تجلياته شكلا من أشكال تحدي الموت، وقد بلغ ذلك ذروته عندما قرأت عن انتحار فرجينيا وولف وكيف اختارت لموتها شكلا دراميا، وفق سيناريو أعدته للتاريخ بعناية. وقد أصبت بذهول لما انتهت إليه حياة الفيلسوف نيتشه نتيجة اختياراته المجنونة، وتساءلت مرات: هل كان انتحار كريم حوماري على آلة جنونه سيكتب اسمه في صفحة المشاهير أم في صفحة الوفيات؟ ولماذا تشغلني مشكلة هاملت في أن أكون أو لا أكون من دون أن أستوعب مفهوما شافيا للكينونة؟ ثم كيف لي أن أكون ما أريد؟ أسئلة لا حصر لها تأخذني إلى ضفاف المحيط وتعيدني عطشانة..
لا فائدة من صراع أطرافه غير متكافئة، الإنسان إنسان وكفى.. مهما علا أو مال نحو الكمال، ومهما مد يده واختار، فإن قوة لا كنه له بها قد ترديه ميتا تحت عجلات حافلة أو سقوط رافعة.
لكنني لا أنفي شيئا له أهميته التاريخية والأنطولوجية، وهو أن المرء بإمكانه أن يحيا في أكثر من مكان وزمان من خلال ما يكتب، أعني الكتابة كاختيار وجودي ومصيري. ففي الكتابة حياة أخرى أتاحت لأفلاطون وأرسطو وغيرهما أن يعيشوا في أزمنة وأمكنة ممتدة في عرض التاريخ.

نبذة عن الكاتب

كاتبة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *