CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

الانتخابات في العالم العربي

الانتخابات في العالم العربي

لقد تتبعت الانتخابات في العالم العربي خاصة في الأنظمة الثورية الانقلابية، لأصل إلى نتيجة ومفتاح لفهم الانتخابات، يمكن أن تطبق في أي مكان في العالم، بما فيها أوربا وأمريكا. إن رصيد الانتخابات هو وعي الناس أكثر من الصناديق والأصوات. والأصوات يمكن أن تباع وتشترى، ومعها الضمائر، ويمكن لأي تاجر أمي أن يتحدث في مقام أعظم فلاسفة السياسة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

أذكر جيدا حين جرت الانتخابات في تونس في 25 أكتوبر 2004م قبل طيران بن علي، وكانت النتيجة كما كان متوقعاً، فقد فاز الرئيس بنسبة 95 في المائة من الأصوات للمرة الخامسة، وهذا يعني نوماً هنيئا في كرسي الحكم ربع قرن من الزمن، كما التهم الحزب الحاكم غالب كراسي مجلس الشعب. أي أن الشعب التونسي ران عليه الأمد في نظام حكم واحد لا يتزحزح خمسة وعشرين عاماً، حتى كانت الزلزلة. وحاليا بعد الثورة هناك نكسة للخلف وإعلان حالة الطوارئ، وهو ما سيمهد لظاهرة تسونامي ارتجاعية جديدة.

نحن نعرف أن موجة التسونامي الأولى لا تأخذ كل شيء، ولكن الثانية مدمرة تماما، وكذلك باب هلاك الأنظمة.

نحن نذكر أيضا أن نتيجة الانتخابات في عهد صدام المصدوم كانت 100 في المائة قبل أن تأتيه الصدمة الأمريكية؟ كما أن بشار البراميلي لم يستفد من كل ما حدث عنده فقرر الانتخابات ليحصد نسبة تقترب من المائة، شاهدا على أن الطغاة لا يوقظهم أي شيء إلا الغرق كما حصل مع فرعون فقال آمنت.

يبدو أن هناك تحركا في العالم السياسي بمعدل النانو في الحركة، وإذا وقفت ذبابة على طرف حاملة طائرات فهي تكسر التوازن بمقدار يتناهى إلى حجم الأوتار الفائقة ولكنه يبقى تغيرا في علم الفيزياء الذرية.

وهذا التعديل الطفيف قد يوحي أن هناك شيئا حقيقيا يحدث، أو يدفع الآمال في هذا القنوط المقيم، وأن (الانتخابات) أصبحت فعلاً انتخابات. ولكن الجميع يعرف أن الانتخابات في العالم العربي لا تزيد عن مسرحية كوميدية وأن (المؤتمرات) هي مكان للمؤامرات، وأن الاجتماعات هدفها فرط الاجتماع. وأن الانتخابات ظاهرها انتخاب وحقيقتها بيعة كافور الإخشيدي إلى يوم التنادي.

وكل هذا الكلام يعرفه الجميع ولا جديد فيه، وفي علم النحو والصرف والفلسفة يجب أن نقول كلاما جديدا مفيدا. وكلام من هذا الطراز قد ينفع في تفريغ شحنة نفسية، ولكنه لا يقترب من الحل أكثر من معرفة فلاح من صعيد مصر عن تشريح الكبد في مرض البلهارسيا.

ومن كشف عن مرض البلهارسيا في مصر كان طبيبا ألمانيا درس دورة حياة يرقة الماء، وكيف تدخل الجلد أثناء دخول الترع الملوثة التي يبول فيها الجاهلون. ومرض البلهارسيا كشف عنه في مومياءات مصر في الآثار الفرعونية، ولكن مصر لم تتخلص منه حتى اليوم كما لم تتخلص من المرض الفرعوني السياسي سواء بسواء. ومع أن الطب الألماني كشف عن حقيقة المرض الفرعوني وفك لغز نقل السلطة السلمي ومارسه كما أدخل الحداثة في الطب والعمارة ولكن العالم العربي واقف في مربع الزمن كما تركه الفرعون بيبي الثاني.

ولكن لم يحدث ما يحدث في العالم العربي؟ لماذا يمشي مجتمع ومواطنوه إلى الخلف على رؤوسهم بدون أن يشعروا بالدوار؟
والجواب مثلث الزوايا من (العناصر الخارجية) و(العجز الداخلي) و(الثقافة الميتة). ولفهم هذه المعضلة لا بد لنا من دخول علم الاجتماع السياسي، ولكن بيننا وبين العلم مسافة سنة ضوئية.

كما يجب أن نستوعب حقيقة موجعة أشد من قولنج المرارة، هي أن المرض العربي واحد مع اختلاف الدرجة. فمسؤول عربي إعلامي يرى أن بلده تحول إلى قوة عظمى مثل الصين، وأن بلده أصبح كعبة سياسية يحج إليها سياسيو العالم، كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد. وفي أولمبياد عام 2004م لم يحمل فريق صورة رئيس دولته سوى فريق دولة عربية بدون خجل من أصل 200 دولة حضرت اللقاء، وهو يروي عمق تجذر الوثنية في بلاد العروبة. وفي ظلام هذا الإحباط لا ينفعنا سوى استخدام قشرة الدماغ للتحليل، ومن يقنط من رحمة ربه هم الضالون.

فالعنصر الأول والأوضح والأسهل مسكاً في هذه المعادلة هي أمريكا القوة العظمى التي تفعل ما تشاء، فهي من زرعت هذه النبتات السامة في تربة العرب وتحرص بدأب على مدها بأسباب الحياة من سماد السلاح ونور المعلومات الاستخبارية وماء المساعدات المالية، ولكنه لا يفسر كل المعضلة، فلو كان العالم العربي بلدا طيبا لأخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون.
وعندما دخلت أمريكا إلى العراق لم تحرر العراق بل أضافت فوق الاستبداد مرض الاحتلال، كما كشف عند مرضى الإيدز انتشار سرطان كابوزي العفني في الجلد. ولم يكن معروفا سوى عند المسنين اليهود.

ومن أجمل ما قرأت عن تحليل دخول أمريكا إلى العراق أنها جاءت ليس لنشر الديمقراطية بل لقطع الطريق على العراق أن يتحول تحولا سليما إلى الديمقراطية. وأخوف ما تخاف منه أمريكا هو يقظة الشعوب، والآن يتعاون على الدمار في العراق أربع فرق إجرامية: الفكر البعثي الفاشي، والإسلامي الأصولي، والصهيونية، ودول مجاورة.

وغريب هذا اللقاء الذي يجمع فرقاء متشاكسين، ولكن يجتمع على الجثة في العادة الأسد وابن آوى والغربان والديدان والنمل. وعلى الجثة العراقية اجتمع اليوم الأسد الأمريكي وأبن آوى الصهيوني والغراب العربي والنمل الأصولي.

إن قصتهم تشبه قصة الجرذ والسنور، فلم يجتمعوا قط في وليمة إلا هذه، فالصهيونية تريد عراقاً مفتتا. والأنظمة العربية تريد فشل التجربة العراقية بكل المقاييس حتى تحمد الشعوب رب العزة والجلال على وضعها فتعيد ترشيح رئيسها للمرة السادسة عشرة. والفكر القومي يبكي أطلال دولة فقدها كما حصل مع الشاعر قيس العربي فهو يبغى تحصيلها ولو في الأحلام والدم، وقتل 49 شاباً في رمضان بطلقة في القذال. وأما الفكر الأصولي فهو يعيش في الزمن مقلوبا، فيطيل لحيته بمقدار قصر عقله، بعد أن انفك عن إحداثيات التاريخ والجغرافيا.

ولكن قدر التاريخ أنه يمشي وفق سنته أكثر من رغبات الصهيونية، وأحلام البعثيين الفاشيين، أو رغبات دول الجوار، أو هلوسة الأصولية الإسلامية عن خلافة ستعيد خلافة العثمانيين فيفتتح السلطان أول يوم حكمه بمحزنة عظمى؛ فيخنق إخوته التسعة عشر، بفتوى من مفتي الديار الإسلامية، وبآية من القرآن، أن الفتنة أشد من القتل.

وأمريكا لو أرادت أن تحرج الطغاة في العالم العربي وتحرف مسارهم أو تقطع الطريق عليهم لفعلت، ولكن أمريكا ليست عندها رسالة، وأوربا تمارس النفاق السياسي، فيحج رؤوساء دول أوربية كبيرة إلى إقطاعيات عائلية عربية من أجل صفقات العمل.

مع هذا فيجب أن لا نلومهم وعلمنا القرآن أن لا نلوم الشيطان، ويوم القيامة يتحول اللعين إلى خطيب مفوه فيقول للناس: فلا تلوموني ولوموا أنفسكم فلن ينفع أحد اليوم أحدا. ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي. إني كفرت بما أشركتموني من قبل.

وإذا كان القرآن لم يعد لنا شرعة ومنهاجا فنحن نعول على أمريكا وننسى أنفسنا من معادلة التغيير. ونقرأ القرآن بعيون الموتى. والتغيير لا يحدث إلا من الداخل. هكذا جرت سنة الله في خلقه. ولكن بيننا وبين هذا الفهم مسافة ثلاث سنوات ضوئية.

فهذا هو العنصر الثاني أي (العجز الداخلي)في ولادة آلية (نقل السلطة السلمي) والكف عن الكذب والتزوير في الانتخابات وهو موضوع موجع أكثر من قولنج المرارة والحالب.

وننتقل إلى العنصر الثالث وهو أشدها حساسية عن عناصر الموت في الثقافة العربية. فنفس ابن خلدون صاحب الدماغ العبقري يمكن أن تستخدم أفكاره في ترسيخ الاستبداد في العالم العربي فقال بحكم (العصبية) أي الحزب الحكومي الذي التهم مقاعد الشعب بدون شعب. وأفكاره على قدر عظمته إذا خرت كان لها وقع عظيم. فكما اعتبر الرجل الشمس غير ساخنة مع أنها تغلي بدرجة حرارة تصل إلى المليون في باطنها فيمكن أن يقول كما قال فقهاء العصر المملوكي أن الحكم هو بالغلبة فمن نجح بالغش والخداع والمخابرات والجيش أن يستولي على الأمر وجب على الفقهاء مبايعته، لأن الفتنة أشد من القتل، فيجب الحرص على عدم الفتنة، ويجب الحرص على الشخير العام، ويجب الدعاء إلى الله أن يحفظ السلطان وذراريه من بعده إلى يوم الدين.

إن موت الأمة الحالي يشبه موت جحا، فقد سأل زوجته يوماً كيف نعرف الحي من الميت؟ قالت له إذا بردت أطراف الجثة فقد شبعت موتاً، وهو كلام نصف صحيح في جراحة الأوعية الدموية. وفي يوم برد شديد خرج جحا على ظهر حماره فازرقت أطرافه وجمدت من البرد فقال في نفسه لا شك أنني ميت، ثم إنه استلقى فجاءت عصبة من الذئاب فهجمت على الحمار وابتدأت في افتراسه؛ فالتفت جحا إليهم وقال تعلمون أيها المجرمون أني ميت ووالله لو كنت حيا لأدبتكم.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة