GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الانتماء الحزبي يطيح بالوزراء الأولين

محمد الأشهب
كاتب و صحفي

غابت بديهيات السياسة عن فترة من حياة المغرب، تعايش فيها رجالاتها مع فكرة أن حيازة الغالبية النيابية لا تتيح بالضرورة تعيين الوزير الأول وتشكيل الحكومة من مكوناتها. واجتاز «الاتحاد الدستوري» امتحانا عسيرا بعد تشريعيات العام 1983، حين لم يتفهم بعض قيادييه في تلك الفترة، معنى أن يحوز الحزب على الرتبة الأولى، ولا يحق له أن يشكل الحكومة.
أقله نظريا «لإغاظة الحساد»، طالما أن السلطة السياسية ظلت «مقتنعة»، ضدا على كل الأدلة، بأن الانتخابات جرت في أجواء «يطبعها الحياد والنزاهة والشفافية». لكن البلاد، منذ معاودة التطبيع الشكلي مع الانتخابات، لم تواجه هكذا إشكاليات سياسية. فقد استمر أحمد عصمان وزيرا أول، بعد حيازة حزبه الذي تأسس بعد الانتخابات، صدارة المشهد في اقتراع العام 1977. وكان عين في منصبه للمرة الأولى من دون مراعاة أي توازن سياسي، لأنه لم يكن ينتمي لأي حزب. فقد كان عدم الانتماء مطلوبا يرجح الكفة أكثر من غيره.
وعلى رغم أن الأفكار طرحت في اجتماعات مغلقة داخل الاتحاد الدستوري، أدلى فيها الداعمون لمفهوم رجاحة الغالبية، بما لديهم من براهين سياسية، خرج النقاش إلى العلن. وتولى المستشار أحمد رضا كديرة، الذي لم يكن بعيدا عن ميلاد تلك التجربة الحزبية، الدفاع عن واقع أن تعيين الوزير الأول والوزراء له مرجعية دستورية، ولا يخضع لحسابات الغالبية والأقلية. فقد كان ينتصر لحرفية القانون وليس لمتطلبات السياسة، بصرف النظر عن أي نقاش حول ظروف تشكيل الغالبيات التي تعرضت دائما لانتقادات شديدة من طرف أحزاب المعارضة.
بيد أنه على خلاف ما كان يبشر به المستشار، لم تفارقه قناعة أن الحزب الذي يحظى بنيل الغالبية يجب أن تسند إليه مهمة تشكيل الحكومة. ولعله لهذا السبب بدأ حياته السياسية من الممرات الحزبية، وظل حريصا على تمثيل تيار سياسي، إلى أن أقبرت حالة الاستثناء ما تبقى من خيوط الآمال في أن يصبح وزيرا أول باسم حزب أو تكتل سياسي. ثم تقبل أن يمارس العمل السياسي من موقع أقرب إلى القصر، وكان ذلك يعرضه لانتقادات خصومه الذين لم يبلعوا قط أنه سكب الخل على العسل في تجارب سياسية عديدة، أي أفسد طعمها الأصلي.
سئل المستشار وقتذاك عن حيثيات مرافعته كرجل قانون، مع أن الوزير الأول الحاج أحمد أباحنيني عين وزيرا أول في الحكومة التي تلت إقرار دستور 1962. فرد بأن انتماءه للحزب «الاشتراكي الديمقراطي» الذي تحالف ضمن تكتل «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية»، لم يكن السبب الوحيد، وإنما اقتضته توازنات هيمنت على نسبية الخارطة الحزبية. وصادف أنه خاض معارك ضد المعارضة، خصوصا في البرلمان رغم أنه كان وزيرا للخارجية، تعمد أن يعزف على وتيرة الأزمة الناشئة وقتذاك مع الجزائر، ولذلك أكثر من قصة.
قلت له مرة إن استخدام ورقة سحب الثقة عبر ملتمس الرقابة، يعني أن الوزير الأول يستند في استمرار عمل حكومته إلى غالبية مساندة، وقد حدث ذلك في العامين 1964 و1990، لكنه رأى أن دعم الغالبية مصدره الاتفاق على برنامج سياسي وليس تعيين الوزير الأول والوزراء. لم يكن دستور 1996 خرج إلى الوجود، فيما الوقائع السياسية كانت تفيد أن حيازة الغالبية تطيح بالوزراء الأولين، وليس العكس.
توجه الحسن الثاني بكلامه إلى الوزير الأول المعطي بوعبيد، قائلا إنه بعد تأسيس حزب «الاتحاد الدستوري» لم يعد بلا انتماء، وإنه حان الوقت ليترك لانتمائه حرية التعبير، أي مغادرة الوزارة الأولى التي سبق أن اضطلع بمهامها، عندما جمع بين صفتي الوزير الأول ووزير العدل. وكان قطع صلاته بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، على رغم أنه عمل في حكومة عبد الله إبراهيم وزيرا للشغل بانتماء حزبي. واعتبر واحدا من أعضاء الكتلة النيابية للحزب في البرلمان الأول، التي كانت شديدة المراس في انتقاد التوجهات الحكومية.
قبله اكتشف الوزير الأول أحمد عصمان أنه أمضى سنوات في المسؤولية، من دون أن تزحزحه أي هزات. وعندما «استقوى» بغالبية حزبية تشكلت بعد انتخابات العام 1977 وليس قبلها، وجد نفسه مضطرا إلى أن يقدم استقالته من الوزارة الأولى، كي يتفرغ لشؤون الحزب. وإنها لمفارقة أن يكون تجمع حاز على أزيد من مائة وأربعين مقعدا، في الظروف إياها التي سارت بذكرها الركبان، يحتاج إلى من يتفرغ لتنظيم شؤونه. ومن مبطلات هذا المسعى أنه بعد التفرغ انشطر الحزبان إلى نصفين، حيث ثار تيار عرف باسم «العروبية» في وجه الزعامة «المدينية». ولم يكن ذلك أكثر من عتاب، لأن أحمد عصمان كان يميل إلى انفتاح سابق لأوانه، من دون إلغاء خلفيات أخرى.
وحده الدكتور عز الدين العراقي من بين الوزراء الأولين، انتبه إلى أن الانتماء الحزبي يحد من طموحاته، لذلك فقد انعطف في الاتجاه المعاكس لرغبة رفاقه في حزب الاستقلال، عندما رفضوا تزكية أوضاع ما بعد تشريعيات 1983. كان يشغل وزارة التربية الوطنية، ثم أصبح نائبا للوزير الأول، قبل أن يعهد إليه بالدور الأول في حكومة سيتم التشنيع بها من طرف رفاقه القدامى وحلفائهم في الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي.
كان عز الدين العراقي يتناول غداءه وحيدا في فندق «المامونية» في مراكش، حين جاء من يفاتحه في إمكان التفكير في تأسيس حزب جديد. رد عليه بالقول: ألا ترى أني وحيد في الطاولة؟ ثم استدرك بلهجة لا تخلو من حدس: هل تريدون أن أغادر منصب الوزير الأول؟
بعد مرور ست سنوات على تعيينه نائبا للوزير الأول، ترك مقعده، ولم يخلفه سوى الرجل الذي كان استلم منه المفاتيح، أي محمد كريم العمراني الذي وصف بأنه «جوكر» الكثير من المراحل.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة