الانتهازيون الجدد

 

عندما تم تأسيس حركة لكل الديمقراطيين من طرف بعض اليساريين والمثقفين الذين التفوا حول فؤاد عالي الهمة بعد استقالته من منصبه بوزارة الداخلية، كان الهدف الأساسي للحركة هو خلق دينامية في المشهد السياسي المتكلس، وضخ دماء جديدة في شرايين القلب الحزبي شبه المتوقف.

مرت مياه كثيرة تحت الجسر، وأسفرت الحركة عن تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، ودخل الحزب الانتخابات وانسحب مؤسسه بعدما اعتبر أن هناك انحرافات عرفها مسار الحزب.

مؤخرا وبمناسبة الاحتفال بذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال أصدر إلياس العماري بلاغا يدعو فيه إلى ضخ نفس جديد في مشروع الحزب الأصلي واسترجاع مرتكزاته واستحضار روح مبادرة حركة لكل الديمقراطيين التي أسست في نفس يوم ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال.

والواقع أن الحركة التي يجب أن يعلن إلياس العماري عن تأسيسها بعدما انكشفت مخططاته هي حركة الانتهازيين الجدد.

ومنذ إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة وإصابة المشروع الإلياسي بالفشل يحاول الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة “بزز” التشبث بآمال الاستمرار في المنصب السياسي والحزبي، رغم أن كل المؤشرات أكدت فشله الذريع في كل المهام الموكولة إليه، فضلا عن تزكيته واعتماده على أشخاص غير جديرين بالثقة، ولا يتوفرون على مقومات “الكاريزما” السياسية لطرح البديل الحقيقي، لأنهم ببساطة “رباعة من الشلاهبية” وأصحاب مصالح شخصية ضيقة، يسبحون بحمد من يثبت كفاءته في التغطية على خروقاتهم وتجاوزاتهم، ناهيك عن الشبهات التي تحوم حول علاقات بعضهم الخفية والمتشعبة.

ولقد أثبت إلياس العماري فشله في التعامل مع ما سمي بالحراك في إقليم الحسيمة، من خلال اعتماده على قياديين ورؤساء جماعات لا يتوفرون على أي رصيد سياسي أو شعبي يذكر، سوى الاعتماد على “الشكارة” في الحملات الانتخابية واللعب على الوتر الحساس للقبلية وإحياء نعراتها.

وقد وجد إلياس العماري نفسه في عين العاصفة منذ انطلاق الاحتجاجات التي عرفتها الحسيمة، بحكم ترؤسه لمجلس الجهة التي تضم إقليم الحسيمة، وبصفته الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يترأس المجلس البلدي منذ انتخابات 2009، والمجلس الإقليمي، وأغلب الجماعات القروية والحضرية التابعة للإقليم، لذلك يبقى السؤال الكبير المطروح ماذا قدم إلياس لساكنة الريف ؟

لقد كشفت الاحتجاجات التي عرفتها المنطقة عن عجز وفشل الجماعات التي يقودها “البام” عن القيام بالأدوار المنوطة بها، كما أن أغلب رؤساء الجماعات والمنتخبين يتجاهلون المواطن بمجرد نجاحهم في الانتخابات، ويتملصون من نهج سياسة القرب التي يجب عليهم ممارستها لاحتواء أي فعل احتجاجي، حتى أصبحت هذه الجماعات سببا في الاحتقان الاجتماعي الذي تعرفه المنطقة، وانتقلت إلى مناطق أخرى العامل المشترك بينها هو وجود “البام” على رأس مجالسها، وآخرها مدينة جرادة، التي تتحكم في خريطتها الانتخابية والسياسية عائلة “توتو” التي يعتبر بعض أفرادها من “بارونات الفحم الحجري”، وتتولى رئاسة المجلس البلدي وتمثيل المدينة في البرلمان باسم “البام”.

وفي عز الاحتجاجات المشتعلة في الحسيمة، تفاجأ العماري بأن من كان يعول عليهم لفتح حوار مع المحتجين من خلال الاعتماد على شعبيتهم الواسعة بالإقليم، لا يعدو كونهم أوراقا انتخابية محروقة، فضلا عن مسؤوليتهم الحاضرة في تأجيج نار الاحتقان الاجتماعي، بسبب الفساد والفشل في التدبير والتسيير، والاستغراق في اغتنام فرصة التواجد في المنصب السياسي، إلى جانب تخويف كل المعارضين والمحتجين بالنفوذ المزعوم الذي يتوفر عليه العماري، وإشاعة تحكمه في مجموعة من المسؤولين داخل المؤسسات وإمكانية عقابهم أو ترقيتهم بطرق غير مباشرة، وهو ما كان حقيقة ذات زمن.

لقد تعامل العماري مع موضوع احتجاجات الحسيمة بمنطق الحسابات السياسية الضيقة، عوض تحمل مسؤوليته الكاملة، خاصة أنه يشرف على تسيير جل الجماعات الترابية بالإقليم، بالإضافة إلى المجلس البلدي والمجلس الإقليمي ومجلس الجهة، وهي مجالس منتخبة من المفروض أن تقوم بدورها في خلق برامج تنموية، عوض إلقاء المسؤولية على الحكومة وحدها، لأن هذه المجالس هي أطراف في الاتفاقيات المتعلقة بالمشاريع المتعثرة التي تشرف عليها القطاعات الحكومية الأخرى.

لقد ترك منتخبو العماري الذين يتحملون مسؤولية تدبير عدد كبير من الجماعات بإقليم الحسيمة، مصالح السلطات المحلية والأمنية في مواجهة مباشرة مع المحتجين، واختاروا نفاقا الانضمام إلى صفوف المتظاهرين وتوقيع البيانات والبلاغات النارية، مثل برلماني الحسيمة وعلبة إلياس السوداء الحموتي الذي لو شغل أبناء الحسيمة في عشرين شركة التي يملك ويوطن بالرباط، دون الحديث عن تلك التي في أوربا، لما بقي عاطل واحد في كل الريف.

وهذا موضوع آخر سنعود إليه بالتفصيل، مع كشف كل الخيوط السرية التي تجمعه بإلياس العماري داخل وخارج المغرب.

طبعا دون الحديث عن دخول سعيد شعو قريب إلياس وبارون المخدرات المتواجد بهولندا على الخط، من أجل تسخين الطرح وإدارة ملف الاحتجاجات الاجتماعية عن بعد، كي يرتفع سقف المطالب إلى رفع شعارات الانفصال بأقصى سرعة ممكنة ويتم نشر الفتنة وتنزيل مخططات الدول المعادية لمصالح المغرب واستقراره ووحدته الترابية.

ولعل الجميع يتذكر احتضان الجهة، التي يترأسها إلياس، لمناظرة حول أحداث الريف، نظمت خلال شهر رمضان الأخير، ومنح خلالها إلياس الكلمة لأشخاص هاجموا مؤسسات الدولة التي وصفوها بالعصابة الحاكمة، وهذه كلها مؤشرات تفيد بأن إلياس استفاد من إمكانيات مالية هائلة لتنفيذ مشروع سياسي بديل، قبل أن ينتهي به الأمر إلى فقدان السيطرة على أقرب المقربين منه.

وكأمثلة متعددة على فقدان العماري السيطرة على هياكل حزب الأصالة والمعاصرة بمختلف الأقاليم والجهات، نذكر غضب مجموعة من المناضلين بالجنوب بسبب تدخل فؤاد العماري في مجموعة من القرارات الداخلية، فضلا عن اختيارات أخ الأمين العام المؤقت غير الصائبة بالشمال، ومنحه التزكية لبعض المستشارين بالمجالس الجماعية والإقليمية، ضدا على نصائح أصوات داخلية، وتنبيهها إلى عدم انضباط من تتم تزكيتهم وغياب الكفاءة في التدبير والتسيير، وهو الشيء الذي وقف عليه العماري شخصيا عندما تفاجأ بنائب رئيس المجلس الإقليمي بالمضيق الفنيدق، يطلب منه الضغط على مصالح وزارة الداخلية، كي تجمد تنفيذ قرار هدم مشروعه المسجل في اسم زوجته بمرتيل، رغم أنه ارتكب خروقات بالجملة في قوانين التعمير المعمول بها.

واليوم، بعد تيقن فؤاد العماري بأن قضاة المجلس الأعلى للحسابات قد دسوا أنوفهم الحادة في ملفاته العطنة، التي خلفها وراءه بعد تركه لمنصب عمدة طنجة، وتأكد من أن هناك زنزانة ما تنتظره، غادر المغرب في اتجاه لندن تحت غطاء تعلم اللغة الإنجليزية لمدة ستة أشهر، ولكن العارفين بأحواله يقولون إنه هروب من ملاحقات وشبهات، تماما مثلما فعل أخوه إلياس عندما رفع المحتجون اسمه في تظاهرات 20 فبراير مطالبين بمحاسبته، ففر نحو باريس بدعوى تسجيله في سلك للدكتوراه علما أن مستواه التعليمي هو الباك ناقص ثلاثة.

لقد انتبه إلياس العماري إلى كوارثه وأخطائه في التدبير الحزبي مؤخرا، لكن بعد فوات الأوان، خاصة اعتماده على الانتهازيين وأصحاب المصالح الشخصية الضيقة، وتهميشه القيادات والكفاءات التي ظلت تتلقى الضربات من تحت الحزام في صمت، من طرف أشخاص صبيانيين وأصحاب “القصاير والديسكو والشم واللم”، الذين لا يرقون إلى تحمل المسؤولية السياسية باعتبارهم هما ثقيلا تتحمله الدولة والمواطنين، عوض مساهمتهم في الإصلاح المنشود.

وكل ما يصنعه إلياس اليوم هو أنه يحاول “تمديد” تواجده على رأس الحزب، بعد انكشاف مناورة تقديم استقالته، واللعب على الوقت لتأجيل الحسم في هذه الاستقالة، من خلال “فبركة” لجنة على المقاس للتحضير لدورة المجلس الوطني التي ستنعقد خلال هذا الشهر، مع إبعاد رئيسة المجلس، التي قدمت استقالتها من اللجنة، وهدف إلياس طبعا هو إظهار نفسه بأنه يتحكم في كل الخيوط التنظيمية للحزب، وبأن رفاقه يتشبثون به لكي يقنع من أقاله بضرورة مراجعة قراره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.