الانحطاط العربي ومحاولة النهوض

jalabi

ودعنا عام 2015 ودخلنا عاما جديدا والعالم العربي يغلي مثل طنجرة بخارية (كوكوت بتعبير المغاربة) ولكن ما يحدث له جذور بعيدة في التاريخ يمكن أن نبدأها من عام 1198 م حين مات (ابن رشد) بعد أن طرده الغوغاء من مسجد قرطبة، ونفاه الملك الموحدي إلى قرية الليسانة اليهودية بعمر السبعين.
وبعد عشرين عاماً طحنت الدولة الموحدية بجانب مدينة (ثيوداد رويال) في الأندلس في معركة العقاب في أفظع عقاب.
وبعدها تهاوت الحواضر الأندلسية كورق الخريف. بالنسيا 1236، قرطبة 1238، وأخيرا إشبيلية عام 1248م.
ومع أفول عصر (الموحدين) دخل العالم العربي ليل التاريخ، وأنتج إنسان ما بعد الحضارة، كما في نفايات الطاقة بعد استهلاكها، وهكذا تفعل الحضارة بالإنسان؛ تستهلكه مادة خام، وتصنعه إنسانا متفوقا، ليخرج منها وقد تبخرت عنده الطاقة الإبداعية وملكة الابتكار والتطوير؛ فالحضارة تختصر بثلاث كلمات: إبداع وصيانة وتطوير.
وبعد انهيار الحضارة يبدأ في الظهور على السطح إنسان من نوع جديد، كما في نمو الطفيليات في الجسم الميت والفطر في الأرض الجرز. يظهر على السطح إنسان يتقن التمثيل والكذب، ويؤدي كل الأدوار بدءا من الصعلوك وانتهاءً بالإمبراطور، وقد تبخر عنده المثل الأعلى، وأصبح في قبضة شبكة عنكبوت من (علاقات القوة) في مجتمع فرعوني تحول إلى (مستكبرين ومستضعفين)، يعيش كـ(الأميبا) على شكل كائن رخوي بدون مفاصل تحدد حركته، أو عمود فقري يقيم صلبه، يحل مشاكله بمد أذرعة كاذبة قابلة للتشكل على أي صورة؛ فيمكن أن يأخذ صورة (قلم) يوقع كلمة نعم في كل انتخاب، كما يمكن أن يكون (بوقاً) مرددا ما يطلب منه من شعارات، أو (بندقية) ورجل مخابرات وشبيحة تقوم بحفلات الإعدام حسب الأوامر، أو (سيارة) جاهزة للقيادة لمن يحكم قبضته على مقودها، ولو كان لصا يخطفها، فمتى اعترضت سيارة على لص محترف أو (شفار) بارع أو على هوية السائق، أي سائق. وبتعبير مالك عن هذا الكائن الاجتماعي: (ثم يبدأ تاريخ الانحطاط بإنسان (ما بعد الموحدين) ففي عهد ابن خلدون استحالت القيروان قرية مغمورة بعد أن كانت في عهد الأغالبة قبة الملك، وقمة الأبهة، والعاصمة الكبرى التي يقطنها مليون من السكان، ولم يكن حظ بغداد وسمرقند خيراً من ذلك؛ لقد كانت أعراض الانهيار العام تشير إلى نقطة الانكسار في المنحنى البياني).
تروي لنا السيرة والتاريخ واقعتين على التشكل الصحي للمجتمع أو الانحراف المرضي. فأما الأولى فهي موقف أحد الصحابة في معركة أحد وهو يفارق الحياة قائلاً: «لا عذر لكم إن خُلِص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف».
وأما الثاني فهو عقيل ابن أبي طالب يواجه مصادرة الحياة الراشدية على يد البيت الأموي بقوله: «إن صلاتي خلف علي أقوم لديني، وإن معاشي مع معاوية أقوم لحياتي». فالتاريخ ينقل لنا هنا مأساة انفكاك الضمير عن الواقع، في الوقت الذي كان علي رضي الله عنه نموذجا يندمج فيه الضمير مع المثل الأعلى والحياة (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). وعلينا أن ننتبه إلى من يسخر بشكل كاذب رواية علي ليقنص أو يدمر محاولة جديدة للبناء بدعوى الاصطفاء كما هي في مصيبة الحوثيين باليمن.
إن حادثة السيرة تروي أقصى ما يمكن أن تفعله التربية بالإنسان، والمجتمع يمكن أن يحدد بين الصحة والمرض بموجب مؤشرين: إنتاج (النموذج الإنساني) و(الكمية الحرجة) من هذه الكتلة، كما في أي تغير نوعي في أي وسط، فالقنبلة النووية لم تنفجر إلا بكتلة حرجة، كما أن تغير الماء النوعي يتم وفق الدرجة الحرجة سواء في التجمد أو التبخر. وهذا ينطبق على اندلاع الثورات في المجتمع عندما تصل إلى الوضع الحرج بين سوء الأوضاع من جهة والوعي الجماهيري من طرف مقابل.
وهناك ثلاث مستويات يمكن أن يتشكل وفقها (الإنسان الاجتماعي) ففي الأول يبرز إنسان مستلب الإرادة، والثاني محرر الإرادة، والثالث إيجابي الإرادة.
فأما الأول فممسوخ الآدمية أقرب إلى القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، يفعل ما يوحى إليه، في مجتمع متدني الفعالية، يعبد سادته وكبراءه ويعيش حالة وثنية سياسية، بأصنام حية وميتة وصور مشرعة لبشر فانين، وهو ما شبهناه بشكل القلم أو البوق أو البندقية، فلا يرد القلم ما تخطه اليد من الموافقة بنعم أو لا، والبوق يردد رجيع الصوت بدون مناقشة أو اعتراض، أو يقوم بالجريمة بأكبر حجم لأن الأوامر جاءت هكذا.
إن إنسان ما بعد الموحدين مستعد أن يهدم الكعبة لو أمر بذلك، ولربما بكى وهو يفعلها. وهذا النموذج الممسوخ يمثل الطبيعة في ظاهرة (القصور الذاتي) فالسقوط محتم لكل الأشياء باتجاه الأسفل، أما الصعود فيحتاج إلى طاقة وهنا تفعل التربية فعلها فترتفع بالإنسان باتجاه المثل الأعلى.
يقول مالك بن نبي: (وهنا لا نواجه تغيراً في النظام السياسي، بل إن التغير يصيب الإنسان ذاته الذي فقد همته المحضرة، فأعجزه فقدها عن التمثل والإبداع).
ويطرح عالم النفس البريطاني (هادفيلد) في كتابه (التحليل النفسي للخلق) هذا السؤال الحرج: ما هو المنبه المناسب لتنشيط الإرادة؟ ويجيب على ذلك أن كل حاسة لها مثيراتها، وهكذا فالفوتونات تحرض حاسة البصر، والذبذبات الصوتية تحرض حاسة السمع، والجزيئات الكيمياوية تحرض حاسة الشم، ولكن ما يحرض الإرادة هو المثل الأعلى.
ويرى المؤرخ البريطاني (توينبي) أن الإرادة الجماعية تحرض عند بروز التحدي التاريخي في وجه جماعة اختارت العمل المشترك، وهو ما تفعله التربية بالقفز بالإرادة الإنسانية إلى فرق جديد في الطاقة فتتحرر، ويؤدي الإنسان واجباته من الأعمال في صورة مواطن واع مشارك مسؤول، فيفعل ما يراه صحيحاً ويمتنع عن المعصية.
وهكذا يظهر إلى سطح المجتمع إنسان جديد (محرر الإرادة) ليس عصا للضرب بكل يد، ولا هو طبل جاهز للقرع بكل الأنغام والرقصات، أو مسدس جاهز الزناد للطلقة ولو لإعدام أبيه وأقرب الناس إليه. الإنسان المنحوس الممسوخ، وقسم كبير من العالم العربي يفرز مثل هذا القيح.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *