GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الباحث عبد الغني التازي: «الفلسفة تحيل على ممارسة الحرية في مجال الفكر باعتماد الفكر»

الباحث عبد الغني التازي: «الفلسفة تحيل على ممارسة الحرية في مجال الفكر باعتماد الفكر»

يحتفل العالم في الخميس الثالث من شهر نونبر من كل سنة باليوم العالمي للفلسفة. كانت المبادرة من منظمة «اليونسكو» سنة 2005، بهدف جعل الفلسفة في متناول أكبر عدد ممكن من البشر وفتح المجال للتفكير والحوار الفلسفي أمام الجميع. تحاول «اليونسكو» عبر هذا اليوم وضع الدور الذي تلعبه الفلسفة في حياة الإنسان اليومية في الواجهة. لذلك نظم أساتذة الفلسفة بالقنيطرة ندوة بهذه المناسبة، في ثانوية ابن سينا، بتأطير من باحثين مرموقين وطنيا، فضلا عن مشاركات فنية وإبادعية متميزة من طرف تلامذة مختلف المؤسسات التعليمية بالمدينة.

الفلسفة ورهانات تدريسها
في مداخلته، أكد الباحث والمؤطر التربوي لمادة الفلسفة بجهة القنيطرة، عبد الغني التازي، أن الفلسفة هي النمط الفكري الوحيد الذي يسائل ذاته ويتساءل عن موضوعه ومفاهيمه ومناهجه، وهي تساؤلات تتحول من الناحية البيداغوجية والديداكتيكية إلى مساءلة ذوات الممارسين أنفسهم: فما معنى أن أكون مدرسا لمادة الفلسفة؟ ما المطلوب من تلامذتي المبتدئين غير المتخصصين أن يتعلموه في درس الفلسفة؟ قد نجد إجابات متعددة متقاربة أحيانا ومتباعدة أحيانا أخرى، غير أننا، مع ذلك، نجد بعض العناصر المشتركة بين أغلب الإجابات، والتي نجدها في بعض إصدارات منظمة «اليونسكو» مثل إصدار «اليونسكو والفلسفة» 2003؛ بحيث نجد التأكيد على ضرورة «تدعيم التعليم الفلسفي باعتباره واسطة للتدريب على امتلاك النظرة النقدية والحرة التي تفضي بصاحبها إلى فهم أفضل لعالمية الإنسان، وإلى امتلاكه الشعور بالمسؤولية كمواطن في عملية بناء عولمة بوجه إنساني». ثم تضيف الوثيقة نفسها: «أن دعم اليونسكو للفلسفة هو بهدف تمكينها من الإسهام في صقل عقول ونفوس الجمهور والعمل على تعريف حقوق الإنسان ولاسيما الفرد في العالم الحديث، ودراسة الحالة الراهنة للحضارة وحالة القلق واللايقين التي تعتري الضمير المعاصر والحلول اللازمة لهذه الحالة، ونشر أدبيات بخصوص هذه الموضوعات».
وفي إصدار (2009) المعنون بـ «الفلسفة مدرسة للحرية، تعليم الفلسفة وتعلم التفلسف، وصف الحالة الراهنة واستشراف المستقبل»: «وما تدريس الفلسفة إن لم يكن تعليما للحرية والفكر النقدي؟ فالفلسفة تحيل بالفعل على ممارسة الحرية في مجال الفكر باعتماد هذا الفكر. وذلك لأن الأمر في الفلسفة يتعلق بالحكم العقلي لا بالتعبير عن مجرد آراء بسيطة، ولأن الأمر لا يتعلق بتحصيل المعرفة فحسب بل بفهم معنى المعرفة ومبادئها».
والسياق ذاته، أكد عبد الغني التازي أنه بالرجوع إلى التوجيهات التربوية الخاصة بالمادة، نلاحظ أيضا التأكيد على أن من أهداف تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل.. ويتم ذلك بالاشتغال على مادة معرفية فلسفية بالانطلاق من نصوص فلسفية. إن النص الفلسفي هو مكان الفلسفة والتفلسف ومن خلاله نمارس التفكير التأملي النقدي. هنا نصل إلى الإجابة عن سؤال المنطلق لنقول: إن المطلوب من تلامذتي هو تنمية قدرتهم على الحكم النقدي وليس مجرد تقديم انطباعات أو آراء جاهزة.. قد يقول بعضنا إن الاشتغال المتكرر على النصوص الفلسفية قد يدرب التلميذ على الحكم النقدي من خلال محاكاة التأملات والأحكام النقدية للفلاسفة في قراءة بعضهم للبعض الآخر، وكأن الفلسفة عبارة عن حلقة مغلقة على ذاتها، وكأن الفلسفة تقوم وتقدم مادة معرفية فلسفية خالصة معزولة عن الأنماط المعرفية الأخرى مثلها في ذلك مثل العلم الذي ينتج مادة علمية متخصصة تقطع بشكل كلي مع ما هو ليس علما. فهل المعرفة الفلسفية تقوم على إقصاء ما ليس فلسفيا؟ إن تاريخ الفلسفة يجيب بالنفي ما دامت الفلسفة قد اشتغلت دوما على ما ليس فلسفيا: العلوم، الفنون، الآداب، الدين والمعيش.

الفلسفة وسؤال القيم
أما محمد مصلح، الأستاذ المتخصص في فلسفة العلوم بجامعة ابن طفيل، فأكد أن ظاهرة التطرف والكراهية أدت إلى إثارة سؤال القيم في عصر عرف تحولات علمية وتقنية متسارعة تنعكس مباشرة على حياة الإنسان، فهو سؤال تتقاسمه كل التخصصات المعرفية على الرغم من تباين موضوعاتها ومناهجها، الأمر الذي لا يمكن للفكر الفلسفي أن يتجاهله، أو أن لا ينقب في حفرياته وأسسه اللاّمفكر فيها، خاصة بالنظر إلى طبيعته ومقوماته المعرفية، ما يضعنا أمام إشكالية القيم وما تحمله من دلالات تمنحها حقلا تداوليا واسعا، يصبح بمقتضاها سؤال القيم أحد الركائز الأساسية للدَّرس الفلسفي وأفقه الكوني، وهو ما نقف عليه أثناء تصفحنا مقَرر الفلسفة الخاص بالسنة الثانية من الثانوي التأهيلي، والذي يعكس هذه الركيزة وركائز أخرى تشكّل مجتمعة كفايات متعددة يتضمنها المقرر ويعمل المتدخل (المدرس) على تحقيقها وترجمتها فعليا، وهي موزعة كما يلي: كفايات منهجية باعتبارها من مقومات التفكير الفلسفي، والأرضية التي يستند عليها من مفهمة (المفاهيم) وأشكلة (الإشكال) ومحاجة (البناء الحجاجي)، ثم كفايات معرفية تقف على المعارف الفلسفية باستحضارها لتصورات الفلاسفة وللتيارات وللمذاهب، وأخيرا كفايات قيمية تتعلق بحرية التفكير والتعايش والاعتراف بالآخر، والتسامح.. وغيرها من القيم التي يهدف درس الفلسفة تحقيقها.
نتبين، من خلال القيام بإجراء منهجي، البعد القيمي الذي تحيل عليه المعرفة العلمية، وهو إجراء نستوحيه من درس الابستمولوجيا. فكيف لنا أن نحقق الكفاية القيمية؟ أو نخرجها من مرحلة الكمون القوة إلى الفعل؟ بعبارة أخرى هل يمكن العثور على الإنسان في المعادلات الرياضية، أو في القوانين الفيزيائية؟ أي هل يمكن الحديث عن القيم في مجال جامد يعبر عن موضوعاته بلغة الرموز؟ وأكد الباحث محمد مصلح، في السياق ذاته، أن درس تاريخ العلوم (الرياضيات، الفيزياء) يسعفنا في الإجابة عن هذه التساؤلات، وفي إعادة تشكيل وبناء الدرس الابستمولوجي بالثانوي التأهيلي، ليستلهم مقومات الفلسفة ويحقق غاياتها انسجاما مع باقي الدروس، حيث يضعنا هذا التاريخ أمام درس في التسامح وفي الاختلاف، وبالضبط الاعتراف بالآخر باعتباره شريكا في الوجود والمصير؛ فمثلا إذا عدنا إلى البدايات الأولى للرياضيات نجد أنها تتأسس على التصور الأحادي للموضوع الرياضي (الجبر، الهندسة) الذي نتناوله بنفس المفاهيم والأسس المحددة سلفا برؤية ميتافيزيقية، حيث تبقى الأعداد الصحيحة الطبيعية (IN) والجذر التربيعي والتوازي أحد هذه المعالم التي شكلت الرياضيات القديمة.
لكن مع بداية القرن 16 الميلادي بدأ عالم الرياضيات في الانفجار والامتداد السريع، بفعل ازدياد المعارف وبروز كائنات جديدة (الأعداد السالبة، الأعداد العقدية، اللامنقسمات، اللاتناهي…) مختلفة وغير معقولة بحسب الفهم القديم؛ مع العلم أن البعد اللاعقلي هو ما سيمنح للرياضيات تغيرات حقيقية نتيجة جمعها في مجال الأعداد مثلا: بين السالب والموجب، فلم يعد من المقبول في هذا العالم الحديث عن حياة وعن حركة دون استحضار الاختلاف والتباين، إلى درجة أن المعادلات أصبحت تقبل حلين: أحدهما سالب والآخر موجب، فاتسع، بذلك، مجال الأعداد والأشكال معا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة