شوف تشوف

البكا مور الميت

هناك في المغرب تعايش غريب مع الكوارث التي يتسبب فيها عدم احترام القوانين، وبمجرد ما تحدث الكارثة وتسقط أرواح يشرع الجميع، خصوصا المسؤولين، في “النحيط والتبوحيط” وراء الميت مطالبين بترتيب المسؤوليات والآثار القانونية لما حدث.
وكم كان مضحكا أن يقول نبيل بنعبد الله، الذي لديه وزيران للصحة والسكنى، أكثر قطاعين حكوميين يتفشى فيهما الفساد، إن التحقيق في فاجعة تارودانت يجب أن يذهب إلى نهايته، مع أنه يعرف أن نهاية كل التحقيقات في هذا البلد تنتهي في أرشيف مجلس الحسابات ومفتشيات الداخلية والمالية.
والواقع أن نبيل استغل فاجعة تارودانت لكي يصفي حسابه القديم مع عمارة وزير الماء الذي حرر تقريرا أسود سرع بطرد رفيقته مدام شرفات أفيلال من كتابة الدولة في الماء. ولذلك فقد انضمت شرفات بمناسبة فاجعة تارودانت إلى جوقة المعزين الذين يذرفون دموع التماسيح على ضحايا ملعب الموت عندما كتبت في صفحتها على الفيسبوك “يبقى المشكل قائما، الترامي على الملك العام المائي وعشوائية التعمير”، كما لو أنها تتهم ضمنيا الوزير عمارة بالتواطؤ مع المترامين على الملك العام المائي وتطالب، حسب نبيل، بمحاسبته هو ورفيقها في الحزب وزير التعمير الذي لم يقترحه نبيل لكي يصبح وزيرا ولا يتكلم معه ولا يستشيره منذ وضع رجله في ديوان الوزارة.
نحن إذن أمام استغلال سياسي فج لمأساة إنسانية، وهذا ليس غريبا على سياسيين يقتلون الميت ويمشون في جنازته.
وتبقى فاجعة تارودانت هي المثال الأوضح على كارثة يعيشها المغرب هي عدم احترام وتطبيق القوانين وغياب المراقبة القبلية.
وقد كان يجب أن يجرف سيل مواطنين لكي نعيد فتح احتلال المجال المائي من طرف المواطنين، والجميع يعرف أن هناك مقاولات حصلت على تراخيص للبناء في مجاري الوديان والملك البحري، ولا أحد تحرك لكي يمنعها من البناء. وعندما تقترب من قنطرة الواد المالح في مدخل المحمدية عبر الطريق السيار قادما من الدار البيضاء يرى الجميع تجزئة سكنية يبني صاحبها في إحدى ضفتي النهر نزولا نحو مجراه. صحيح أن هناك سدا في الوادي لكن المكان الذي رخصوا لهذا المقاول البناء فيه يدخل ضمن الملك المائي.
وإذا كان المسؤولون يعانون من فقدان الذاكرة فإن الطبيعة لديها ذاكرة وتذكر المسؤولين بين حين وآخر بحقوقها الجغرافية، فالبحر عندما يهيج يجرف البنايات العشوائية التي سمح المسؤولون بتشييدها في مجاله البحري، والوديان عندما تفيض تجرف البناءات التي شيدت في مجاريها بعلم السلطات.
والمصيبة هي أنه دائما يجب انتظار سقوط أرواح لكي ننتبه لجشع هؤلاء المسؤولين الذين يتفرجون على خرق القوانين.
وفِي بوزنيقة هذا الصيف كان يجب أن تموت سيدتان، إحداهما حامل، بسبب دراجات الجيتسكي لكي يتم منعها بعدما ظلت طوال الصيف تهدد المصطافين وتلوث مياه البحر وتدر على أصحابها الملايين يوميا، دون أن يستطيع قائد سرية الدرك ببوزنيقة، المسؤول الحقيقي عن وفاة السيدتين، النزول لتطبيق القانون واكتفائه بالتفرج.
وغير بعيد عن بوزنيقة، في مدينة ابن سليمان هناك تجزئة لصاحبها الذي كان رجل ظل البصري اعترض عليها الحوض المائي، لكن العامل السابق المعزة، عامل تازة حاليا، أرغم رئيس المجلس البلدي على أن يرخص لها بالبناء رغم أنها توجد فوق مرجة. وغير بعيد عن هذه التجرئة الناس اشتروا فيلات في الكولف بدقة للنيف فوجدوا أنفسهم محاطين بالسكن الاقتصادي، وأصبحوا مالكين لفيلات في غولف بحجم حديقة عمومية محاط بسور، والكولف نفسه بني فوق ضاية اسمها “ضاية بوبو” كنّا نسبح فيها والتي كانت تمتلئ بمياه واد يأتي من منطقة الحجيبة، تم اجتياح مجراه هو الآخر بالطوب والإسمنت.
وبما أنني تكلمت عن ابن سليمان كمثال لتحدي القوانين وصمت وتواطؤ المسؤولين، فإن أكبر مثال على هذا الصمت والتواطؤ هو ما يحدث في مقالع الرخام والأحجار والتوفنة والغرانيت وغيره من مواد البناء داخل الغابة وحول المدينة حيث يدوس أصحاب هذه المقالع بأرجلهم على دفاتر التحملات ويوفرون مصاريف استعمال رشاشات المياه في المقالع لمنع الغبار من الانتشار في المنطقة والمدينة.
واليوم بسبب انتشار غبار المقالع ليس هناك بيت واحد في مدينة ابن سليمان ونواحيها ليس فيه أطفال مرضى بالحساسية والضيقة والأمراض التنفسية الخطيرة، ولا عجب في ذلك فقد أصبحت المدينة الخضراء التي أرادها الحسن الثاني إفران الشاوية وعين عليها عاملا يحمل دبلوما في البوطانيك فقط لكي يسهر على خضرتها الدائمة، ثالث مدينة في المغرب حسب منظمة الصحة العالمية من حيث تلوث الهواء، دون أن نتحدث عن الطرقات التي دكتها الشاحنات الثقيلة بعجلاتها وحولتها إلى حفر.
فأين هي شرطة المقالع التي يتشدق بها وزير التجهيز لكي توقف هذه المجزرة البيئية؟
هناك صور ساخرة تروج في الواتساب تظهر في صورة الملعب الذي جرفه الوادي والمدرسة التي جرفها السيل ومسجد مشيد وسط وادي، وفِي الصورة الأخيرة نرى مبنى البرلمان مكتوبا تحته إلا البرلمان لم يجرفه الوادي.
والسبب هو أن مقر البرلمان كان محكمة أيام الحماية شيدها الفرنسيون وكل ما شيده المستعمر كان يحترم قوانين التعمير ويستحيل أن تجد بناية واحدة تركها الفرنسيون لم تحترم المجال البحري أو الغابوي. وقد كنّا ونحن أطفال نقضي أيامنا في الغابة ونرى كيف أن الفرنسيين حفروا جداول في أرجائها وأنشؤوا قناطر صغيرة وعندما كان يأتي موسم الأمطار تمتلئ تلك الجداول بمياه الأمطار وتسير باتجاه ضايات فلا تتعرقل حركة الرعاة والحطابين والحراس داخل الغابة.
الْيَوْمَ حول أحفاد المغرب المستقل الغابة إلى مطرح نفايات ودمروا القناطر وبنوا النوايل التي يختبئ فيها مهربو الكيف حيث لا تصلهم دوريات الدرك أو حرس الغابة.
في الغرب عموما المسؤولون يخافون من ترك المواطنين يخرقون القانون ويخافون أن تحدث كارثة ولا تقومون بواجبهم لأنهم يعرفون أنهم سيحاسبون حسابا عسيرا من طرف دافعي الضرائب.
عندنا المسؤولون لا يخافون لأنهم يعرفون أنهم غير محاسبين. الدولة أيضا في الغرب تخاف من التقاعس عن القيام بواجبها لأنها تعرف أنه إذا وقعت كارثة بسبب تقصيرها في القيام بواجبها فإنها ستكون مجبرة على دفع تعويضات للمتضررين. “عندنا حنا موت ولا حيّا شكون داها فيك، شخلاتها ثريا جبران الله يذكرها بخير: منك عدااااااد”.
وعندنا يعتقد رئيس الحكومة أنه لمجرد وصفه ضحايا ملعب الموت في تارودانت بالشهداء فإن ذلك يعفيه من المسؤولية، والحال أن الضحايا الذين جرفتهم السيول ينطبق عليهم وصف المغدورين الذين قتلهم الإهمال واستخفاف المسؤولين بالقوانين.
ويعتقد ملياردير برتبة وزير اسمه ساجد ينحدر من نفس المنطقة أن تنقله إلى الدوار المنكوب من أجل تقديم العزاء هو ما ينتظره منه أبناء منطقته، أنت ملياردير أسي ساجد تشيد التجزئات السكنية بالعشرات ولديك مصانع للأثواب والأثاث المنزلية فماذا يضيرك لو تطوعت لبناء مساكن لسكان قريتك الفقراء وجهزتها لهم من مالك الخاص، فقد حملوك بأصواتهم إلى البرلمان لأكثر من أربع ولايات تشريعية ولَم يروا منك حتى مترا من الزفت.
“مكاتعرفش شي حاجة سميتها التبرع؟ ولا باغي تبقا تبرع غي بوحدك”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق