MGPAP_Top

التعاطف الواسع مع الأساتذة المتدربين يدفع الحكومة إلى دراسة حل يجنبها هزيمة سياسية

التعاطف الواسع مع الأساتذة المتدربين يدفع الحكومة إلى دراسة حل يجنبها هزيمة سياسية

اتخذ ملف الأساتذة المتدربين أبعادا أكبر مما توقعته الحكومة، بسبب موجة التعاطف الواسعة التي لقيها هؤلاء، سيما بعد العنف المبالغ فيه الذي تعرضت له عدة وقفات احتجاجية نظمها هؤلاء على المستوى الوطني. بشكل دفع فعاليات نقابية وحزبية، محسوبة على الحكومة والمعارضة معا، لإعلان مساندتها لملفهم. فبالرغم من إصرار الناطق الرسمي باسم الحكومة على اعتبار التدخلات الأمنية ضد الأساتذة المتدربين «قانونية» وتخضع لمذكرة أصدرها وزير العدل والحريات مصطفى الرميد. فإن هذا لم يمنع من انطلاق حملات تعاطف واسعة مع ملف هؤلاء. الأمر الذي فرض على الحكومة التفكير في حل وسط. يجنبها من جهة هزيمة سياسية، ونحن على بعد أشهر من الانتخابات التشريعية. وفي نفس الوقت ينزع فتيل حراك فئوي، يمكن أن يتخذ أبعادا أكثر انفلاتا، وذلك على بعد أيام من ذكرى 20 فبراير. سيما مع تصاعد دعوات كثيرة، تسعى لإحياء الحركة من خلال ملف الأساتذة المتدربين.

موجة تعاطف عارمة

هكذا تعرض الأساتذة المتدربون في مدن مختلفة يوم الخميس لتعنيف دموي، انتشرت صوره في مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. بسبب العنف الشديد الذي تعرضوا له من طرف مختلف الأجهزة الأمنية. وذلك احتجاجا على مرسومين، أحدهما يفصل التكوين عن التوظيف والآخر يقلص المنحة من 2400 إلى ألف درهم. وكانت «التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين»، بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب، قد نظمت مسيرات، أطلقت عليها اسم «مسيرة المناطق»، شملت كل من مدن، فاس، طنجة، الدار البيضاء، مراكش وانزكان، وذلك في إطار تنفيذها لـ«برنامجها الاحتجاجي»، الذي تمت صياغته بمعية منسقي جميع المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وفروعها، بالمغرب. وقوبلت المسيرات، بـ«عنف شديد»، من قبل قوات الأمن العمومية، في جل المناطق التي أعلنت التنسيقية الخروج فيها. وحتى الساعة تضرب وزارة الداخلية جدار الصمت المطبق، عن موقف رسمي، تبرر فيه «الاستعمال المفرط»، للقوة، ضد مسيرات سلمية، للأساتذة المتدربين.
التطورات التي عرفها الملف جعله يتحول لقضية رأي عام بامتياز. ففي الوقت الذي كانت فيه وزارة التربية الوطنية، ومن خلالها الحكومة مصممة على تنفيذ المرسومين. ومن ثمة منع كل أشكال الحوار مع التنسيقية الممثلة لهؤلاء. عبر مذكرة موقعة من رشيد بلمختار تمنع كل أشكال الحوار معهم. فإن صور العنف الذي تعرض له الأساتذة المتدربون استطاعت أن تفرض إدخال الملف إلى البرلمان رسميا. وذلك بعد ردود الفعل الباردة التي أبدتها الوزارة الوصية وكذا الحكومة في الرد على استفسارات البرلمانيين في وقت سابق. هكذا تقدمت كل النقابات، المسماة الأكثر تمثيلية، في قطاع التعليم، بطلبات رسمية للقاء رشيد بلمختار. ومنها النقابة المحسوبة على الحزب الأغلبي. كما تقدمت عدة فرق برلمانية بطلبات استدعاء وزير الداخلية وكذا المدير العام للأمن الوطني لمساءلتهما عن العنف الذي تعرض له الأساتذة المتدربين.
موجة التعاطف هذه لم تقف عند الفرق البرلمانية والأحزاب والنقابات المحسوبة على المعارضة، بل شملت أيضا شخصيات قيادية داخل الحزب الحاكم. فعبد العزيز أفتاتي، البرلماني والقيادي في حزب «العدالة والتنمية»، اعتبر «التدخل الأمني العنيف، ضد الأساتذة المتدربين، جريمة نكراء بشعة، قائمة الأركان، وجب محاسبة مقترفيها، قضائيا، والزج بهم في السجن». وأوضح قائلا: «إن الذين أمروا بتعنيف الأساتذة المتدربين، اليوم، اقترفوا جريمة نكراء بشعة، قائمة الأركان، ووجب محاسبتهم قضائيا، والزج بهم في السجن..». وحمل أفتاتي، في معرض تصريحه، مسؤولية «التدخل الأمني»، لوزير الداخلية، محمد حصاد، بحكم مسؤوليته، على رجال الأمن، الذي أفرطوا في استعمال القوة والعنف، ضد مسيرات سلمية، لأساتذة متدربين. أفتاتي أضاف أن «وزير العدل والحريات، هو أيضا مسؤول عن هذه الجريمة، في حالة ما وصلته شكايات، ضد مسؤولين أمنيين، ولم يحركها قضائيا..». واستدرك بالقول: «على وزير العدل، أن يحرك مسطرة التحقيق والمتابعة، بدون شكايات، لأن الجرم واضح، ومثبت، وراح ضحيته أساتذة متدربين، خرجوا في مسيرات سلمية..». وطلب، أفتاتي، من الحكومة، «حل مشاكل الأساتذة المتدربين، عن طريق الحوار، إسوة بالحوار الذي نهجته مع الطلبة الأطباء، ثم مع الأطباء الداخليين والمقيمين..».
من جهته دعا عبد الله بووانو، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، إلى نهج أسلوب الحوار في موضوع مقاطعة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والتفكير في إيجاد حلول انتقالية لتجاوز الإشكالات التي يمكن أن يطرحها فصل التكوين عن التوظيف. وقال بووانو، في تعقيبه على المرسومين الوزاريين القاضيين بفصل التكوين عن التوظيف، خلال الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفهية بمجلس النواب، إن «الفصل بين التكوين والتوظيف دائما سيخلق هذا النوع من التشويش، لذلك يجب أن يكون الحوار، ويجب أن نبحث عن حلول انتقالية»، مشيرا إلى أن التصعيد لن يحل المشكل، وأن الحل هو الاتفاق على أرضية لتجاوز هذه المعضلة.

الحكومة تبحث عن حل وسط

تفاعلات الملف، سياسيا ونقابيا وشعبيا وضعت الحكومة في مأزق حقيقي. فبعد أن أغلقت كل أبواب الحوار مع الأساتذة المتدربين. ها هي تسعى الآن لإيجاد حل وسط بأقل تكلفة سياسية. سيما على بعد ثمانية أشهر عن الانتخابات التشريعية القادمة، ثم وجود تخوفات حقيقية من تحولات محتملة للاحتجاجات في الذكرى الخامسة لحركة عشرين فبراير. التي يرجع لها الفضل في كل الحراك السياسي والدستوري الذي شهده المغرب في السنوات الأخيرة. خصوصا وأن هناك دعوات متعاظمة تسعى لاستغلال الملف لإعادة إحياء الحركة. وتتبنى هذه الدعوة حركات سياسية معارضة للدولة وعلى رأسها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجماعة العدل والإحسان. المأزق الذي توجد فيه الحكومة الآن، هو أن أي تنازل عن المرسومين سيعني هزيمتها أمام تيارات محسوبة على «الراديكالية»، وهو ما سيسبب إحراجا كبيرا للأحزاب المشكلة للحكومة، والتي ستظهر بمظهر الضعف في حماية هيبة الدولة أمام تيارات لا تخاف معارضتها للنظام القائم برمته. وفي نفس الوقت هناك حرج من استغلال بعض أحزاب المعارضة البرلمانية للملف لتسجيل مكتسبات سياسية، خصوصا مع الزخم الشعبي الذي أضحى للملف. سيما من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، والذي يسعى منذ بداية الاحتجاجات إلى التبني الكامل له.
مصادر خاصة لجريدة “الأخبار”، أكدت أن الحل «الوسط» الذي يتم التفكير فيه هو عدم إلغاء المرسومين، لأن الأمر صعب جدا، وتكلفته السياسية ستكون خطيرة على هيبة الدولة، كما ستكون له تداعيات على مراسيم وقوانين تثير احتجاحات في فئات أخرى من الموظفين، كفئة الممرضين. علما أن الدولة المغربية تتبنى «فصل التوظيف عن التكوين» في مجال مهن التمريض منذ 2007. ويبلغ عدد الممرضين المعطلين حاليا ما يفوق 5 آلاف. وبالتالي فإلغاء المرسومين سيجبر الدولة أيضا على إلغاء القانون المعمول به حاليا في وزارة الصحة. وبالتالي، فالحل الذي يتم الآن تدارس صيغته القانونية والمالية، وهو حل تصفه مصادرنا بـ«الحل الوسط» وهو تشغيل 10 آلاف أستاذ متدرب دون مباراة. على أن يتم تقسيم هؤلاء إلى فوجين من حيث التسوية المالية لوضعيتهم. بحيث سيتم احتساب 7 آلاف منهم ضمن السنة المالية الحالية 2016. و3 آلاف سيتم احتسابهم على السنة المالية 2017. تماما كما حصل مع 1300 أستاذ متخرج سنة 2015 لكن لم تسوى وضعيتهم في السنة المالية إلا في السنة الحالية، بسبب التواصل السيء بين وزارتي التربية الوطنية والمالية.
نفس المصادر، أكدت أن ما ستستفيده الحكومة من الناحية السياسية، وفي حالة ما قبل به الأساتذة المتدربين، هو نزع ملفهم من يد المعارضة، بكل أنواعها. ثم إظهار «البعد الفئوي الخالص» للملف. إذ أن هؤلاء سيعودون للتكوين دون إسقاط المرسومين. مع التفكير في وضع شروط صارمة للأفواج القادمة لمنع تكرار هذه الاحتجاجات.
وفي انتظار المواقف التي سيصدرها الأساتذة المتدربون من المقترح الحكومي. سيطرح مشكل آخر مستقبلا، وهذه المرة على صعيد مراكز التكوين ذاتها، ذلك أن برنامج التكوين المعمول به هناك، يفرض عددا معينا من الأسابيع للتصديق على المجزوءات. وبالتالي، وحتى في حالة عودة هؤلاء للتكوين، فإن الأساتذة المكونين سيرفضون التصديق على مجزوءات لم يتم تدريسها قط.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة