التعليم الخصوصي..الغائب الأكبر في ملف الأساتذة المتدربين

التعليم الخصوصي..الغائب الأكبر في ملف الأساتذة المتدربين

تستمر تفاعلات ملف الأساتذة المتدربين، والذي اتخذ أبعادا سياسية غير مسبوقة، عندما تعرض بعضهم لتعنيف أمني كبير في بعض المدن، خاصة الدار البيضاء ومراكش والقنيطرة وإنزكان.
وفي الوقت الذي تعالت أصوات حزبية ونقابية وشعبية مختلفة تعلن تعاطفها الكبير مع مطالب الأساتذة المتدربين، جدد رئيس الحكومة في مناسبات حزبية وبرلمانية وحكومية موقفه المتشبث بالمرسومين اللذين يفصل أحدهما التوظيف عن التكوين والآخر يخفض المنحة إلى النصف، وقد لجأ إلى القسم بعدم التنازل ولو بإسقاط الحكومة.
وفي المقابل عبر الأساتذة المتدربون عن إصرارهم على إسقاط المرسومين. وبين الطرفين ظهرت أصوات حزبية ونقابية، من داخل الحزب الأغلبي ومن خارجه، تسعى لإيجاد حل وسط «يرضي الطرفين».
تفاعلات الملف اتخذت في الآونة الأخيرة شكلا قانونيا وسياسيا، زاد من تعقيداته إصرار بعض المكونات السياسية والنقابية، وكذا بعض الأساتذة المتدربين إلى اختزال المشكلة في فوج واحد، أي الفوج الحالي فقط. وسعى البعض منهم، في مقالات وبيانات وكذا في مواقع إعلامية مختلفة، بما في ذلك خرجات لبعض ممثلي الأساتذة المتدربين في الإعلام، إلى الدخول في نقاش حول ما إذا كانت المذكرة المنظمة للمباراة التي اجتازها هذا الفوج قد ظهرت قبل أو بعد دخول المرسومين لحيز التنفيذ، مع أن نقاشا كهذا سيحول طبيعة الاحتجاجات التي يقوم بها الأساتذة المتدربين، كما سيحول مطلبهم، من مطلب يتعلق بإلغاء كامل ونهائي للمرسومين، إلى مطلب يتعلق فقط بهذا الفوج، مما يغلق باب الاحتجاج أمام الأفواج القادمة نهائيا. هذا بالإضافة إلى أن قبول بعض الأساتذة المتدربين بنقاش قانوني كهذا، يشكل منطلقا لحل يتم التحضير له الآن، وهو تمتيع هذا الفوج باستثناء، كما جرى مع الممرضين سنة 2012، لكن مع ضمان بقاء المرسومين واعتمادهما رسميا في السنة القادمة. لكن من شأن هذا أيضا أن يخلق شرخا في صفوفهم، بين من سيقبل منهم بحل يهم الفوج فقط، وبين من سيصمد ضد إغراءات هذا الحل ويطالب بإسقاط نهائي للمرسومين.
التفاعل السياسي للملف ظهر جليا في اتهام وزير الداخلية محمد حصاد، وكذا مجموعة من المتعاطفين مع الحزب الأغلبي لجماعة العدل الإحسان بالوقوف وراء احتجاجات الطلبة، حيث أعلن حصاد أمام النواب عن هذا الموقف صراحة، وهو الأمر الذي نفاه الأساتذة المتدربون جملة وتفصيلا، من خلال بيان صادر عن التنسيقية الممثلة لهم. لكن هذا التصريح لم يكن ليمر من جهة أخرى مرور الكرام من طرف الجماعة المذكورة بالرغم من تبرؤ الأساتذة المتدربين منها، حيث أصدرت بيانا ناريا في الموضوع، يظهر تبنيها للملف، مركزة على تصريح وزير الداخلية بكون تعنيف الأساتذة المتدربين تم بعلم من رئيس الحكومة، في حين كان هذا الأخير قد أقسم بعدم معرفته بتعنيف هؤلاء.
تشغيل المتقاعدين واستغلال المتعاقدين

اتجاهات النقاش في ملف الأساتذة المتدربين طغى عليها البعدان القانوني والسياسي، لكن يبقى الغائب الأكبر هو التعليم الخصوصي. فحسب منطق الحكومة، فالغرض من توسيع قاعدة التكوين، لتشمل 10 آلاف أستاذ متدرب، أكثر بـ3 آلاف منصب عن العدد الذي تخصصه ميزانية 2016 لقطاع التعليم، هو توحيد معايير التكوين بالنسبة للتعليمين العام والخاص. لكن عدم احترام مؤسسات التعليم الخصوصي للنظام الأساسي الخاص بالقطاع، وكذا عدم تشدد وزارة التربية الوطنية في مراقبة احترام هذه المؤسسات لدفاتر التحملات، دون أن ننسى استفحال الفساد في المصالح الإقليمية والجهوية المسؤولة عن مراقبتها، تجعل 3 آلاف خريج «أساتذة عاطلين»، لأنهم لن يشتغلوا، وحتى إذا تم تشغيلهم فإن ذلك يتم في ظروف أقرب إلى نظام السخرة منه إلى نظام محترم للتشغيل. بمعنى أنه يستحيل إنجاح مشروع الحكومة الخاص بتكوين الأساتذة مستقبلا، دون إعادة النظر في النظام الأساسي من جهة، ثم حرص وزارة التربية الوطنية على تطبيق ما جاء به المقرر الوزاري الذي صدر السنة الماضية، والذي يجعل من الموسم الدراسي 2016 – 2017 الموسم الرسمي لنهاية عمل أساتذة التعليم العمومي في المدارس الخاصة من جهة ثانية. فعوض تشغيل مؤسسات القطاع الخاص لأساتذة التعليم العمومي، أو تشغيل مجازين بدون تكوين، فإن الحكومة تبنت مشروعا لتوحيد معايير ولوج مهنة التدريس، سواء في القطاعين العام والخاص، لذلك تبنت في البداية مشروع تكوين 10 آلاف مدرس، تم تكوينهم في المدارس العليا للأساتذة، لكن إكراهات كثيرة ساهمت في إفشال هذا المشروع، وعلى رأسها عدم التزام المدارس الخاصة بمقتضيات النظام الأساسي للتعليم الخصوصي والمعروف بقانون 006، ومنها تشغيل أطقم تربوية خاصة بها. فإذا كانت أزمة الأساتذة لا تطرح بقوة في التعليمين الأولي والابتدائي والإعدادي، فإن المشكل حقيقي في التعليمين الثانوي وكذا في الأقسام التحضيرية. والحل الذي لجأت إليه المؤسسات الخاصة في السنتين الأخيرتين هو تشغيل المتقاعدين، بأثمنة بخسة، علما أن هذا الإجراء ممنوع في فرنسا مثلا. فالتقاعد يبقى تقاعدا دوما، والآن يقوم بعض أرباب المؤسسات الخاصة بالاتصال بالأساتذة، وخاصة في التعليم الثانوي، وتحفيزهم للتقدم بطلبات التقاعد النسبي لتشغيلهم عندها، واعتبار ذلك جزءا من دفاتر التحملات.

2017.. هل ستكون نهاية الفوضى بالمؤسسات الخاصة؟

أصدرت وزارة التربية الوطنية مقررا وزاريا يمنح مؤسسات التعليم الخاص بداية السنة الدراسية 2016 – 2017 أجلا لنهاية عمل أساتذة التعليم العمومي في القطاع الخاص. قرار منع أساتذة التعليم العمومي من العمل بالقطاع الخاص، يأتي بعد ظهور إحصاءات صادمة عن إفشال لوبي أرباب مؤسسات التعليم الخاص لمشروع رعاه رئيس الحكومة، والخاص بتكوين 10 آلاف مدرس للتعليم الخاص كل سنة، وهو المشروع الذي كان نتاج اتفاقية حكومية جماعية، وقعها يوم الجمعة 8 نونبر 2013 بمقر رئاسة الحكومة وزير الاقتصاد والمالية ووزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، وكذا اتفاقية إطار بين وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي رؤساء الجامعات والمتعلقتان بتنفيذ عملية تكوين 10 آلاف إطار تربوي في أفق 2016 من بين حاملي الإجازة، حيث أن تخلي القطاع الخاص عن التزاماته بخصوص تشغيل هؤلاء الخريجين، واستمرار الاعتماد على مدرسي التعليم العمومي أدى إلى فشل هذا المشروع في سنته الأولى، حيث تم تسجيل تشغيل 68 متخرجا فقط من أصل 3500، وهو ما يعني أن الحكومة أوفت بالتزاماتها التي نصت عليها اتفاقية 8 ماي 2007 الموقعة بين الحكومة وممثلي مؤسسات التعليم الخصوصي، والذي التزمت الحكومة بموجبه بالمساعدة في تكوين الأطر التربوية لفائدة هذا النوع من التعليم من أجل المساهمة في الرفع من جودته، غير أن عدم قدرة الحكومة على إجبار القطاع الخاص بالوفاء بالتزاماته بتشغيل هؤلاء، يدل على وجود مشكلة حقيقية، لكون القطاع الخاص أضحى الآن غير متحكم فيه، بل إن الحكومة فقدت السيطرة عليه، إذ أننا نجد أنفسنا اتجاه قطاع خاص يستفيد من إعفاءات أو تسهيلات ضريبية، ويعتمد بطريقة شبه كاملة على مدرسي التعليم العمومي، وفي الوقت نفسه لا يعتمد على معايير موحدة ومعقولة في تحديد تعريفات التمدرس والتسجيل، مما يجعل من هذا القطاع مصدرا آخر من مصادر أزمة المدرسة العمومية المغربية. والسؤال هل يستطيع رئيس الحكومة، والذي أظهر تشددا مع الأساتذة المتدربين أن يظهر التشدد نفسه مع أرباب التعليم الخصوصي والذين هو أحدهم؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة