التفسير الموضوعي لسورة البقرة (2)

التفسير الموضوعي لسورة البقرة  (2)

الكتاب باعتباره «حقيقة نورانية» بيّن أنه في هذه الصفة إنما هدايته للمتقين من عباد الله، بحيث جاء بكلمة هدى نكرة لتشمل كل مجالات الهداية في كل ما يحتاج الإنسان أن يتحققه ويشهد فيه آيات الله وبديع حكمته. فكل العلوم هي مشكاة أنواره، بزغت في قلوب الأئمة الأعلام، فإذا كان هذا الدستور الذي أنزله الله جل جلاله هو شامل لكل ما تحتاج إليه الإنسانية مما يصلح شأنها ويوفر لها أمنها مع رغد العيش والرخاء، فإنه سبحانه قد جعل نمطا من عباده الذين اهتدوا به هذا الهدى ليكونوا هم الأئمة في الدين، وهم من يُرجع إليهم في ما التبس على العقول وأشكل على الفهوم. ومن هنا اختصر سبحانه وتعالى طريق الهداية في آية واحدة حيث قال «يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» وإنما الصادقون لأنهم صاروا في فلك أصدق الحديث، ومن أصدق من الله حديثا؟ فمعيتهم هي الهداية، هي التربية، هي التعليم، هي الإمداد للأنوار والنفحات، والتوجه لهم بالدعوات. وإنهم من أهل الهمم والشفاعات، فانظروا إلى هذا الإعجاز حيث جمع كل ما تضمنته السورة من أنواع الهدايات في هذه الآية ومبيننا سر الهداية في الكتاب الذي ما عرفه إلا من اصطفاهم الله لميراثه حيث قال سبحانه «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» فهل هناك في كل دساتير الأرض وقوانينها ما يحقق للفرد والجماعة والأمة كل ما تحتاجه بأيسر من هذا السبيل وأوضحه؟ فسبحان العليم الحكيم الهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بالنسبة لخاتمة السورة فإنا نجدها أيضا شديدة الصلة بما افتتحت به خصوصاً وأنها آية السورة الكرسي نزلتا من كنز من تحت العرش، فقد بيّن سبحانه أن التكاليف التي طلبها من عباده إنما هي من ضمن وسعه وطاقته، ووجه عباده إلى التوجه إلى طلب ما هو من ثمار الهداية والعناية والرعاية لمن قاموا بأداء التكاليف على أحسن وجه «رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» وفي ذلك تحقيق لأن سر الهداية قائم بألطاف الله وعنايته لمن أقبلوا عليه راغبين فيما عنده. وهذا الطلب منه سبحانه فيما وجههم به، كشف عن رحمة الله بهم وعفوه عنهم وستره لخطاياهم وغفرانه لذنوبهم ونصره لهم على أعدائهم، وهذه من ثمار الهداية التي وعد الله بها عباده المتقين حيث قال سبحانه «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» وقوله سبحانه «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا» بل جعل لهم فرقانا يميزون به بين أهل الحق وأهل الباطل كما في قوله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».
فالسورة في بدايتها كشفت عن دستور الهداية. والقائمون على هذا الدستور دعاة وهداة إلى صراط الله المستقيم. وفي نهايتها بيّنت أن ثمرة الهداية إنما هي من فضل الله وكرمه على هؤلاء الذين اهتدوا إلى سبيل مرضاة رب العالمين وأصحبوا أكرم الخلق أجمعين. أما عن الجانب الثالث الذي يكشف عن موضوع السورة وهو اسمها فإنما نلمسه في هذا الاسم حيث دلالته على الهداية الإلهية وتفرده سبحانه بها، هي من أوضح الدلائل. فليس المقصود من البقرة اسمها أو جنسها، وإنما المقصود أن الله جل جلاله جعلها آية على الهداية فيما تعذّر على البشر أن يهتدوا إليه. فهذا قاتل ابن عمه من أجل أن يرثه حين عمدَ إلى إلقاء جثته في حي بعيد عن مسكنه. والمعروف شرعا أن الحيّ إذا وجد فيه قتيل فإنما يغرمون جميعا ديته لأن الغالب الذي يتبادر إليه الذهن ويحكم به العقل أن القاتل هو أحد أفراد هذا الحي. من أجل ذلك جاء أهل هذا الحي إلى موسى عليه السلام وقالوا له: إن الله يعلم من هو القاتل، فاسأله لأننا بريئون من دمه. عند ذلك كان الأمر من الله على لسان موسى «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» ولم يروا بعقلهم صلةً بين السؤال والجواب حيث إن ذبح البقرة لا يعني أن يجدوا القاتل.
وهكذا الابتلاء الإلهي في التكليف، فالأمر يجب أن ينفذ، وإن خفيَ سره والحكمة فيه. لكنّ العليم الحكيم لا يطلب فعل شيء عبثا، فهنا كان السر بأن إحياء الميت إنما ترتب عن ضربه ببعض هذه البقرة «فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» فكان إحياؤه واعترافه بقاتله بواسطة هذه البقرة. وبهذا اهتدوا إلى القاتل. وبرأهم الله بما لا يتأتى لأي قاضٍ أن يصل إلى هذه الحقيقة، لأنها مما يعجز الخلق عنه. فإحياء الميت آية من آيات الله خاصة به سبحانه. وإنما يظهرها على يد من يشاء من رسله معجزة، وعلى أوليائه كرامة. فهي بهذا الاسم دالة على أن الله سبحانه وتعالى هو الهادي لكل ما عجز عنه الخلق أن يعلموه أو يترقوا إليه بسبب من أسبابهم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة