CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
970 250x

التنوير والعالم الجديد

معاناة من يدرك الحقيقة تكون كبيرة بحجم وجوده مع الأشقياء الذين يمتزج عندهم الخير بالشر والمحبة بالكراهية، إذ يجهلون بأن التنوير هو خالق العالم الجديد، عالم العقل والخير والسعادة: «فبدون تأمل هذا العالم لا يستطيع أحد أن يسلك بحكمة في حياته الخاصة ولا في شؤون الدولة»، ومن المستحيل وضع المعرفة في نفس لا تملكها، وكأن في وسع المرء أن يضع الأبصار في أعين عمياء. هكذا يصدر في حقنا حكم هذه التأملات الناعمة في شراستها، وربما تكون آخر أمل ظل يربطنا بهذا المجتمع الغارق في العتمة، ولن نستطيع أن ننجو منه بأنفسنا، لأن سرعته نحو الانهيار قد تضاعفت، ولم يعد بإمكان التنوير إنقاذه، وبخاصة أنه لا أحد يلتفت إليه، مادام أن أغلال الحزب الديني قد أحكمت على أعناقهم، ومع ذلك إن الابتعاد عن شر التشاؤم هو فضيلة الحكماء، لأن فشل المجتمع في التحرر من السيطرة والطاعة، لن يرغمهم على الفشل في مشروعهم التنويري، هناك أمل مبصر مع نخبة من الأشخاص الذين امتلكهم العقل المستفاد، هذا الإشراق الذي يستجيب لشروق العقل الفعال، كما يستجيب الوجود لنور الشمس.
ومن الحكمة أن نعترف مع أفلاطون بأن تحويل النفس الإنسانية بأيسر السبل الممكنة، وذلك من خلال توجيه عينها إلى الطريق الصاعد من الكهف إلى عالم العقل: «ولست أعني بذلك منح عين النفس القدرة على الإبصار إذ أنها تملكها من قبل، وإنما أعني به التأكيد من تحول هذه العين نحو الطريق الذي ينبغي أن تتجه إليه، بدلا من توجيهها وجهة باطلة». لكن بواسطة ماذا سيتم تحويل عين النفس من الأسفل إلى الأعلى؟ وبعبارة أخرى كيف يستطيع الفيلسوف أن يحول هذه العين نحو الطريق الصاعد من الكهف وتحريرها من العبودية؟ هل بالتنوير السياسي؟ أم بالتربية والحكمة؟ أم بهما معا؟
لا يتردد سقراط في الإعلان أمام محاوره على أن هناك: «فضيلة واحدة، وأعني بها الحكمة التي تنتمي إلى ملكة أكثر ألوهية، ولا تفقد قدرتها أبدا». إذ يتعين على الحكمة أن تطهر طبيعة النفس منذ الطفولة من الشوائب التي تعلق بها والتي هي أشبه بأثقال من الرصاص تنتمي إلى هذا العالم الزائل: «ويربطها بالنفس رباط الرغبات واللذات والشهوات فتثقلها وتوجه بصرها إلى أسفل». وبإمكانها حينئذ من رؤية الحقيقة بأكبر قدر من الوضوح: «مثلما ترى الأشياء التي تتوجه نحوها الآن». فما هي يا ترى الغاية من تربية النفس على الحكمة؟ هل تتجلى في جعل الأمة تنعم بمواطنين فضلاء وحكماء؟ أم الرغبة في تكوين حكام الدولة أي نخبة سياسة تشرف على الدولة؟
من غير المعقول أن يشرف على الدولة: «أولئك الذين لم يتعلموا ولم يعرفوا الحقيقة». لأن معرفة الحقيقة، تقتضي تمزيق الحجاب على وجهها لتظهر أمام المنكشف، وليس من السهل على كل من أفسدت الشهوات ميزاجه أن يقوم بهذه المهمة، ولذلك فإنه يحتاج إلى من يديره، ذلك أن المدبر ينبغي أن يكون عبارة عن عقل فعال بلغة ابن باجة، الذي جعل الفيلسوف يدبر نفسه في تدبير المتوحد، لأنه من المضحك أن يخضع لقائد جاهل، فأي قائد هذا الذي يقال عنه لا يعرف عدد أقدامه، لأنه لم يتعلم على الحساب؟ وأي قائد هذا الذي يدبر المجتمع ولم يتعلم الفكر السياسي؟ وأي قائد هذا الذي يفتقد للحكمة والفضيلة؟
إنه قائد غريب حقا، لو كانت هذه الأمور صحيحة: «لأن الأشياء التي لا تدفع العقل إلى التفكير هي تلك التي لا تولد فينا تأثيرين متناقضين في الوقت الواحد أما إذا ولدت تأثيرين متناقضين لكانت تبعث على التفكير»، وبخاصة أن مبدأ عدم التناقض يسدد الذهن نحو الصواب، وتجاوز الأخطاء، وهذا المبدأ ليس في متناول الجميع، بل إنه في متناول الخاصة الذين درسوا علم البرهان، إذ يصبح بإمكانهم التمييز بين ما هو معقول وما هو محسوس، وبين ما يوجد في الأذهان وما يوجد في الأعيان، ذلك أن السياسة هي أشرف العلوم فتصنيف العلوم يضعها في المرتبة الأولى، إذ تأتي بعد علم ما بعد الطبيعة، لأنها تدبر حياة الناس، وتتحكم في أرواحهم.
من المحتمل أن يكون هذا الفصل قد أخذ منا كل ما نملك من قوة، وجعلنا عرضة للعدم، لأن المقاومة ضد هذا الفراغ الروحي الذي أصبح يحرض على الاكتئاب، قد عجل بانهيار المجتمع المدني، وحول الشعب إلى مجرد مادة أولى يتم تصنيعها من قبل الدوغمائيين الذين يتكلمون بلغة أسطورية تخترق هذه الأرواح المكتئبة، وفي هذه الحالة يحار الذهن فيضطر إلى مغادرة هذه المدن الجاهلة التي حكمت على الفكر بالسبات الدوغمائي، فما الذي تستفيده السلطة من هذا الضياع في الوجود؟ ولماذا كل هذه العدوانية؟ ومن أجل ماذا؟ وما الجدوى من كل هذا التأخر التاريخي؟ هل الأمر مهم إلى هذا الحد؟
بإمكاننا أن نتعرف على هوية السلطة الانضباطية انطلاقا من هذه الأسئلة المتمردة على الواقع، والتي تكشف عن انفلاتها من القانون والعدالة، إذ تقوم بتغيير المبادئ القانونية بمبادئ جسدية وسيكولوجية وأخلاقية: «بالرغم من أن مجال السلطة الكلي في المجتمع الحديث. يبدو وكأنه يضع حدودا لممارسة القوة». فالسلطة الانضباطية تتعارض مع السلطة القانونية في الدول الحديثة.
ومن أجل تخليص الحرية من الهيمنة، يجب نقد السلطة الانضباطية، لأنه إذا كانت الحرية ممارسة عبر الإرادة حين تشيد نفسها في الوعي الذاتي، فإن السلطة الانضباطية التي تقابل بين الأوامر والطاعة تقوم بهدم الذات الفاعلة وحرمانها من الحرية والإرادة الحرة في نفس الآن، مما يحكم عليها بالعيش في الهامش، وبالصمت، مادام أن النقد السياسي يطول ما هو مقدس.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة