الرأيكتاب الرأي

الثورة المضادة (2ـ3)

بقلم: خالص جلبي

مصطلح الثورة يتم استخدامه في العادة حين تهتز الأرض بنظام سياسي متكلس ميت؛ فتتدخل قوى خارجية للحفاظ على جثة ميتة، كما هو الحال مع النظام السوري، الذي يشرف على الجثة المتخشبة في مشرحة الموتى طبيب روسي وممرضة إيرانية. وحين نقرأ وبأقلام من كتاب ومثقفين تعاطفهم مع الميت ليس بدفنه؛ بل باعتباره قوة خارقة هزمت قوى كونية فوق خارقة، فهو في إحدى ثلاث حفر؛ إما عميل مشبوه مرتزق، أو يساري مزيف، أو جاهل غارق في العماية؛ لأنه أصبح في خط أعداء الشعوب التي تريد التحرر من كابوس القرون. ويجب هنا الانتباه إلى الفرق ما بين الاحتلال والاستبداد، فالأول في العرف الطبي التهاب سطحي ظاهر مؤلم يزول بسرعة وسهل معالجته، أما السرطان فهو داخلي وغير مؤلم وحين يكتشف قد تصبح معالجته متأخرة جدا أو أقرب للاستحالة، وهو وضع العالم العربي في معظم جغرافيته، فقد غادره جنود الاحتلال منذ فترة طويلة، ولكنه ما زال غارقا في الظلمات، بين مواطن أعمى ومثقف مدجن وصحافة مرتزقة ومسؤول أصم وفقيه غائب عن العصر في سيمفونية كلها نشاز تزعج السامعين. فهذه أبجديات هامة للدخول إلى اللغة الجديدة.
في مقالة سابقة تكلمنا عن الثورة المضادة ومحاولة القوى الرجعية الإبقاء على الأوضاع التي فاح منها العفن أن تستمر، كما هو في الغانغرين واسوداد الطرف أن يتم الإبقاء عليه وعدم بتره مما يترتب عليه انسمام البدن الحاد وموت الطرف وصاحبه معا.
الآن ومع الزلزال الذي تم في العالم العربي يمكن أن نقرأ ملامح تدعو للأمل أيضا في 12 عنصرا مضادا مقابلا لما ذكرناه من الآثار السلبية، فلنحاول تأمل الملامح الإيجابية في الثورة العربية والربيع العربي الذي سوف يزهر ولو تأخر الوقت. وما وصلت إليه الأوضاع حاليا من هدوء نسبي سيقود إلى تغير حتمي أرى ملامحه عبر الأفق.

ماهي الآثار الإيجابية؟

ـ التغيير تم ويتصاعد وهو نفسي قبل كل شيء ومن تحول داخلي بحت
تصديقا للآية: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». وهي ضربة الميلينيوم (مرة كل ألف عام)، ولعله أمر لم يحدث منذ عصر الصحابة في استقبال الموت بصدور عارية، كما رأينا في المشهد السوري في وجه آلة قتل عاتية.

ـ انكسر حاجز الخوف
وهي الآلية التي تتابع الديكتاتورية عيشها، ومن هذا الغذاء يستمر بقاؤها وديمومتها. هذا الوضع النفسي يذكر بتلك الآية الغريبة عن أمواج بشرية تندفع للهرب من الموت لتفاجأ بالموت على عتبة بيتها ينتظرها «ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارههم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم»! حاول فرعون بجنوده لجم الناس من جديد بسوط عذاب فلم ينفع، وعليه استخدام طرق جديدة لحجز الناس في مربع الديكتاتورية، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة. حتى الجراثيم تتكون عندها المناعة ضد الصادات الحيوية مع الوقت فلا تفلح. لذا كانت دراسة الوضع في سوريا سطحية حين تعتبر الأمور هادئة نصف قرن. في الواقع كانت تتخمر لتعوض فارق الضغط الانفجاري مذكرا بعمل الطنجرة البخارية (الكوكوت) واحتباس الضغط فيها. مروض الأسود في السيرك يحافظ على مسافة بينه وبين الحيوان، يلوح ويفرقع فقط بالسوط لا يحاول إيلام الحيوان. إذا تطور الأمر إلى إيقاع الضربات بجلد الأسد وإيلامه كانت نهاية مروض الأسود بأنياب ومخالب الحيوان. كذلك جرت المقادير مع سنوريات سورية.

ـ نهاية عصر الحاكم الإله
الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون! كانت حقبة سوداء في التاريخ العربي الحديث. معظم المثقفين راهنوا على انفجار الأوضاع ولكن متى وأين وكيف؟ إنه بكلمة أخرى بزوغ عصر التوحيد وتحطيم الأصنام البشرية والحجرية وإعلان عصر التوحيد أن لا إله إلا الله. وأن بشار المسخ هو بشر ممن خلق.
جانب هام في الثورة السورية يغفل عنه الكثير؛ إنه صراع التوحيد في وجه الوثنية. عبدة الطاغوت من القردة والخنازير يزعقون ويهتفون: الله وسوريا وبشار وبس. (بس تعني فقط). في الحقيقة هم يقولون بشار وبشار وبشار وبس. هم ملاحدة بالله ليس لأنهم يظنون أن الله لم يخلق السماوات والأرض، بل لجعلهم مع الله شريكا. هذه المسالة بحثها القرآن قديما وكثيرا في أسئلة لا تنتهي؛ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون؟ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ولئن سألتهم من رب العرش العظيم ليقولن الله.
إذن أين كان الصراع بين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم وبين مشركي قريش الملاحدة؟ الجواب الشرك بالله، كما يفعل القردة والخنازير في سوريا من عبدة الطاغوت.
الثوار بالمقابل يقولون الله وسوريا وحرية وبس. في الواقع يقولون نريد بلدا نتمتع فيه بحرية التفكير والتعبير.
هنا يجب الخوف من رحلة ما بعد ذهاب النظام إلى سقر غير مأسوف عليه؛ أن تنشأ اتجاهات متشددة تكرر الثالوث المقدس بطريقة مختلفة، فتمنع حرية التفكير والاهتمام بالطقوس والشعارات الجوفاء، فضلا عن حرية التعبير والتجمع والتظاهر، وتكوين الأحزاب، والصحافة الحرة، والقضاء المستقل، ونقل السلطة السلمي، والبرلمانات التمثيلية الصادقة، وليس مثل مجلس القرود في سوريا عفوا مجلس الشعب، والنقاشات على الهواء مباشرة، مهما تباينت الآراء واحتدت.
هناك الكثير من المتشددين في صفوف الثورة يعطوننا الانطباع الخطير ببداية التشدد، وسببه الأعم هو دموية النظام الغول. لقد اندفع الناس إلى الحواف الحدية في الصدام والمواجهة.
النصارى تورطوا أيضا في مسألة الثالوث المقدس؛ فاحتاروا في كيفية هزيمة المسيح أمام قوى الظلام واختفاؤه من مسرح الأحداث؟
هنا جاء بولس بفكرة الفداء والصلب وأن المسيح هو الله فكفر برفع البشر إلى مقام الألوهية، كما يفعل عبدة الطاغوت من القردة والخنازير من أتباع بشار المسخوط؛ لذا كان المعنى العميق للثورة أخلاقي من خلال إعلان ولادة الإنسان المحرر من علاقات القوة، الموحد لله بدون شريك، من الأصنام البشرية والحجرية؛ فهذا هو لب التوحيد، ومن أجله طورد الأنبياء والصالحون، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب؟ وهو العقاب الذي ينتظر بشار وعبدة الطاغوت من القردة والخنازير. إن نهاية الطغاة متقاربة بين مقذوف ومشنوق ومحترق الوجه ذميم.
هل يحق للفأر أن يتشاءم إذا رأى قطة سوداء؟

ـ ولادة أخلاقية للأمة وانصهار جديد للأمة
كان السوريون إذا اجتمع منهم أربعة ظنوا أن رابعهم مخابرات! وما يكون من نجوى ثلاثة إلا والمخابرات رابعهم ولا خمسة إلا سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، إلا كانوا معهم يكتبون التقارير السرية ويعتقلون على الشبهة ويجلدون أبشار الناس بأذناب الخيل ويحرقون بأعقاب سجاير. الآن إذا اجتمع سوريان شمشما بعضهما ليعرف أحدهما الآخر نوعية الشحنة التي يحملها سالب أو موجب مع الثورة أو ضدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق