الجابري: «العلم المغربي كان يرفرف في تندوف حين ضمتها فرنسا إلى الجزائر خمس سنوات قبل الاستقلال»

الجابري: «العلم المغربي كان يرفرف في تندوف حين ضمتها فرنسا إلى الجزائر خمس سنوات قبل الاستقلال»

يجب أن نضيف إلى ذلك أيضا مطالبة المغرب، وعلال الفاسي بالذات، باسترجاع الأراضي التي اقتطعتها منه فرنسا في الجنوب الشرقي، مثل تندوف التي كانت مغربية يرفع فيها العلم المغربي إلى أواخر الأربعينات (خمس سنوات قبل الاستقلال) حينما ضمتها فرنسا إلى مستعمرتها الجزائر كما كانت قد فعلت من قبل بالنسبة لبشار والقنادسة وتوات…إلخ. أضف إلى ذلك مطالبة المغرب رسميا بموريتانيا حينما قررت فرنسا خلق دولة صورية تابعة لها هناك. وكان حزب النهضة الموريتاني الوطني بزعامة حرمة ولد بابانا (خال المرحوم باهي محمد)، يناضل من أجل رجوع موريتانيا إلى المغرب وكان مقيما في الرباط لاجئا، بينما كان المختار ولد دادة وحزبه يطالبون بالاستقلال، وكان ولد دادة عضوا في البرلمان الفرنسي بباريس ممثلا لموريتانيا التي كانت تعتبر مقاطعة فرنسية. أضف إلى ذلك مطالبة المغرب بالأراضي التي اقتطعتها إسبانيا منه في الجنوب الغربي، مثل طانطان وسيدي إفني وطرفاية والساقية الحمراء ووادي الذهب. وكان حزب الاستقلال، وزعيمه علال الفاسي بالخصوص، هو حامل لواء هذه المطالب الترابية الوطنية، الشيء الذي كان يعني أن معركة حزب الاستقلال (ومعه جيش التحرير) من أجل استقلال المغرب ككل لم تنته. وحق لفرنسا وإسبانيا أن تعتبرا أن حزب الاستقلال هو عدوها في المغرب.
من أجل ذلك استعملت الدولتان عناصر من «القوة الثالثة» في شن حملة على حزب الاستقلال. وقد كشف التحقيق القضائي، كما رأينا، عن تورط بعض هذه العناصر مع الضباط العسكريين الفرنسيين والإسبان في قواعدهم العسكرية بالمغرب. ليس هذا وحسب بل نشطت بعض العناصر الفرنسية في «تحذير» القصر من حزب الاستقلال وطموحاته موظفة في ذلك ما جرى للملكية في مصر وللباي في تونس. وقد وجد الفرنسيون الذين قادوا هذه الحملة، في المغرب ومن فرنسا، في بعض «أصدقاء فرنسا» من المغاربة «الليبراليين»، وعلى رأسهم أحمد رضى كديرة، وفي بعض «رجال المخزن» أيام الحماية وسيلة للتأثير في القصر وخاصة في ولي العهد. فصارت كثير من مظاهر العمل على «كسر شوكة» حزب الاستقلال ومقاومة «ديكتاتورية» زعمائه، تستظل بمظلة القصر، في شخص ولي العهد. حتى إنهم استطاعوا أن يضعوه في «قفص» كما صرح بذلك هو نفسه لبعض قادة الاتحاد، خصوصا عندما أوهموه أن المؤسسة الملكية مهددة من خلال استغلال حزب الاستقلال طيبوبة جلالة محمد الخامس ووطنيته وطموح بعض قادة هذا الحزب على الاستيلاء على الحكم بعده، وكان نموذج بورقيبة، زعيم حزب الدستور التونسي الذي خلع الباي وأقام الجمهورية، يلبس للزعيم علال الفاسي.
رابع عشر: موقع علال الفاسي في أزمة الحزب؟
وعندما تشكلت حكومة عبد الله إبراهيم واتخذت منها اللجنة التنفيذية للحزب موقفا عدائيا علنيا كانت الأزمة داخل الحزب قد بلغ فيها السيل الزبى. تدخل علال الفاسي هو وعبد الرحيم بوعبيد بعد تأليف الحكومة في محاولة أخيرة لرأب الصدع، ولكن المحاولة فشلت بسبب عدم موافقة علال على إعادة هيكلة اللجنة التنفيذية. كنت في ذلك الوقت على اتصال «خاص» بشخصيتين من الجانبين. ولا زلت أذكر أني سألت ذات يوم الشخصية التي من الجناح اليساري عن السبب في كون الزعيم علال لا يرمي بكل نفوذه وقوته لحل المشكل، فأجابني: «إن السي علال يقتنع برأينا في النهار فيكون معنا أو متقدما علينا، ولكنه في الليل كلام النهار». وطرحت السؤال نفسه على شخصية من الجناح «المحافظ» من المؤسسين للوطنية في الثلاثينات فأجابني: «السي علال، الله يهديه. أحيانا يسمع لـ «السلاكَط» (يعني المقاومين والنقابيين) و«الشيوعيين أمثال المهدي وعبد الرحيم». وما زلت أذكر أن هذه الشخصية قد حاولت سنة 1956 صرفي عن قراءة كتاب علال الفاسي «النقد الذاتي»، بدعوى أن السي علال كتبه في الغابون متأثرا بوضعيته هناك، وأنه لا يمثل رأي الحزب. وبالفعل كان كتاب «النقد الذاتي» غير مرضي عنه، وكان علال يعرف أن الكتاب لن يكون موضوع ترحيب من أصدقائه القدامى، ولذلك ألح في مقدمته على أنه يمثل رأيه الشخصي لا رأي الحزب.
خامس عشر: نبش في اللاشعور السياسي
كان إسناد تشكيل الحكومة إلى جناح المقاومة والاتحاد المغربي للشغل والتيار التقدمي في حزب الاستقلال، الذي كان على رأسه الشهيد المهدي، عملية استوجبتها ضرورة إنقاذ المغرب من الفوضى، لا أقول من «أزمة قلبية» بل أقول من «حرب أهلية». إن محاولات «كسر شوكة» حزب الاستقلال بتحريك العناصر «البدوية»، وبالأحرى «النعرة القبلية»، من خلال الحسن اليوسي وعدي أوبيهي وتمرد الريف وقضية الشهيد المساعدي… إلخ، قد بدأت تفلت من الأيدي المحركة لها لتتغلغل فيها الأيدي الأجنبية (الفرنسية والإسبانية)، مما جعل «انقلاب السحر على الساحر» حقيقة مؤكدة. هكذا وضع حد لتمرد الريف بتدخل صارم وعنيف من القوات الملكية تحت قيادة ولي العهد. أما «الوسطاء» الذين استعملوا في عملية التحريك والذين نسوا مهمتهم وانزلقوا تحت إغراء وعود «الفجر الكاذب»، فقد احتفظ بهم وبملفاتهم، ينفض عنها الغبار عند الحاجة، ثم ترد إلى رفوفها عندما تعود «الأمور إلى نصابها».
وقبل أن نطوي صفحة هذه الأحداث والصراعات السياسية التي كانت تجري بوسائل «غير سياسية»، لا بد من النبش هنا قليلا في اللاشعور السياسي الذي كان يحرك «زعماء المعارضة» الذين تجندوا أو جندوا لـ «كسر شوكة» حزب الاستقلال. وهكذا فإذا غضضنا الطرف عن «الأيدي المحركة» الوطنية منها والأجنبية، وانصرفنا إلى «اعتبار» ما نسميه اللاشعور السياسي استطعنا أن نرى مظهرا آخر من مظاهر الصراع في السنوات الأولى من الاستقلال. كان الصراع الاجتماعي الطبقي في المغرب يعبر عن نفسه منذ الأربعينيات من خلال مقولات تنتمي إلى فضاء القبلية والطائفية الضيق. كانت النخبة التجارية والثقافية والسياسية، وبالتالي «الطبقة المسيرة»، تنتمي إلى المدن التي لها تاريخ في التجارة وخدمة الدولة، وفي مقدمتها مدينة فاس. وعندما رحلت كثير من رؤوس الأموال الفرنسية إلى المغرب، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، تحولت الدار البيضاء إلى مركز جذب للطموحات التجارية وغيرها، فكان «درب عمر» مركز التجارة بالجملة تعمره المحال التي كانت في ملك نخبة من الأسر الفاسية التي تتقن فن التجارة. وكان كثير من تجار «درب عمر» منخرطين في حزب الاستقلال أو متعاطفين معه وممولين لنشاطاته. هكذا تكونت «نخبة مالية» مسيرة مؤثرة على مراكز القرار في قيادة حزب الاستقلال ومنه في مرافق الدولة خاصة الاقتصادية منها كالأبناك وغيرها.
ومازال كاتب هذه السطور يذكر كيف أنه لمس بنفسه في الدار البيضاء سنوات 1952 – 1954 ـ حينما كان عضوا في الشبيبة الاستقلالية يساهم في نقل النشرة الحزبية من مطبعة الأطلس بدرب عمر إلى أحد مراكز توزيعها في درب السلطان بجوار المسرح الملكي بزنقة آيت أفلكان ـ كيف أن الصراع داخل حزب الاستقلال كان يتغذى في جزء كبير منه من هذا المعطى، الذي كان التصريح به شيئا مألوفا في بعض فروع الحزب، (كالمقاطعة 11 قريبا من شارع الفداء التي كان صاحبنا يتردد عليها) كما في الحياة العامة و«راديو المدينة». لقد كان التصنيف إلى «أصحاب درب عمر» وأبناء البادية عموما، أشبه ما يكون بـ«ثابت» من ثوابت التفكير يومئذ. ومع أن «أهل سوس» كانوا تاريخيا في منافسة مع «أهل فاس» في الميدان الثقافي (كما أوضح ذلك المرحوم المختار السوسي في بعض مؤلفاته)، كما كانوا في مقدمة من يصنفون في مقابل «أهل فاس» في الميدان الثقافي (كما أوضح ذلك المرحوم المختار السوسي في بعض مؤلفاته)، كما كانوا في مقدمة من يصنفون في مقابل «أهل فاس»، في الدار البيضاء على الأقل، فإن موقفهم لم يكن سلبيا من المعطى الذي ذكرناه، بل توجهوا إلى خوض المنافسة في الميدان الاقتصادي التجاري بنشاطهم المعهود. وأكثر من ذاك أضفوا على الصراع داخل حزب الاستقلال طابع المنافسة والمعارضة السلمية البناءة، خصوصا وقد كانوا من أوائل الوطنيين والمقاومين، بل كانوا يشكلون القاعدة العريضة لحزب الاستقلال، وهي القاعدة التي انتقلت كلها تقريبا إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عبر انتفاضة 25 يناير 1959.
أما سكان الجبال، خاصة الأطلس، فلقد عانوا أكثر من غيرهم من الحصار الفرنسي العسكري خصوصا وقد استمرت مقاومتهم المسلحة للاحتلال الفرنسي إلى أواسط الثلاثينات. وهكذا فرضت عليهم سلطات الحماية العزلة عن المدن، دون أن يعني ذلك أنه لم ينخرطوا في الحركة الوطنية وفي حزب الاستقلال بالذات، بل لقد كان فيهم وطنيون استقلاليون يرجع إليهم الفضل في نشر الفكر الوطني في مناطقهم. ومع ذلك فوجود حزب الاستقلال في جبال الأطلس والريف أيام الحماية كان ضعيفا جدا بالمقارنة مع وجوده في السهول أو في الجنوب.
وعندما استقل المغرب وأخذ أهل الجبل ينزلون إلى المدن ويتعرفون على الوضع فيها، ويصطدمون في نفس الوقت في أماكن إقامتهم مع رجال السلطة المحلية الذين عينوا في بداية الاستقلال من المدن ـ حيث كان التعليم منتشرا نسبيا ـ وكان منهم رجال من حزب الاستقلال، استيقظ اللاشعور السياسي القبلي الطابع فاكتست عندهم معارضة حزب الاستقلال طابعا خاصا. لقد رأوا في وجود الحزب في كل المرافق الهامة، في التجارة والسياسة والثقافة، هيمنة لا مبرر لها. ومن هنا ما ذكرناه قبلا عن اليوسي الذي لم يتردد في عقد اجتماعات في الأطلس يقول فيها إن أهل المدن سيطروا على البلاد مع أنها أصلا لأهل البادية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة