MGPAP_Top

الجابري: «هكذا اعتقد البصري أن مقالاتي حول الديمقراطية من توقيع عبد القادر الصحراوي»

الجابري: «هكذا اعتقد البصري أن مقالاتي حول الديمقراطية من توقيع عبد القادر الصحراوي»

تلك هي المقالات التي كتبناها ضد حملة الحكومة على الديمقراطية. والجدير بالذكر هنا ـ على مستوى السيرة الذاتية ـ أمران: الأول هو أن «الأخ البصري مدير الجريدة دخل علي يوم نشر المقال الأخير، وأنا في مكتبي بالجريدة، وقال لي خلال الدردشة: «إن المقالات التي كتبها السي عبد القادر (الصحراوي) عن الديمقراطية كانت جيدة». فابتسمت وقلت: «أنا الذي كتبتها»، فرفع حاجبيه وكرر «ممتازة»، وأضاف: «كثيرا ما يختلط علي أسلوبك وأسلوبه». وكما ذكرت سابقا فلم نكن نوقع المقالات التي نكتبها إذا كنا نتكلم فيها باسم الحزب. الأمر الثاني هو أني عدت إلى هذه المقالات فلخصتها ونزعت الطابع الظرفي السجالي عنها وصغتها في قالب نظري، منخرط في الهموم النظرية التي كانت سائدة في الستينيات، ونشرتها في مجلة «أقلام» تحت عنوان «الديمقراطية كوسيلة وهدف»، وذلك في عددها السادس من السنة الأولى المؤرخ في نوفمبر 1964، أي بعد أزيد من سنة ونصف السنة من تاريخ كتابتها (يجد القارئ نصها أسفله).
هذا من جهة ومن جهة أخرى لابد من التنبيه إلى أن الحركات التقدمية، فضلا عن الأحزاب الشيوعية والتيارات اليسارية في العالم كله تقريبا، خلال الستينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي، كانت تعتبر «الديمقراطية» شعارا برجوازيا ومقولة ليبرالية يجب تجاوزها. فكان هذا الانتصار للديمقراطية من كاتب هذه السطور بمثابة «السباحة عكس التيار»، لا التيار ككل، بل «تيار» الدوغمائية.
تاسعا: الديمقراطية كوسيلة وهدف
نص المقال الذي نشر بمجلة «أقلام»، والمشار إليه أعلاه.
يقول المقال:
«من الكلمات والمفاهيم ما كثر تداوله واستعماله إلى درجة أصبح معها واضحا وضوح المألوف من الأشياء، ولكن من الصعوبة تحديده وتعريفه!
و«الديمقراطية» من هذه «المفاهيم والكلمات… فنحن عندما نستعمل هذه الكلمة نقصد «شيئا» من ورائها، ولكن عندما نطرح على أنفسنا سؤالا مثل: ما هو، بالضبط، هذا «الشيء» الذي تعنيه هذه الكلمة? فإننا نفقد طلاقة اللسان وسهولة التعبير. وكل ما نشعر به هو أننا نبحث عن شيء كان يتراءى لنا أننا نعرفه، فإذا به ملفوف أشد ما يكون اللف في غموض نصف شفاف، فلا هو يكشف عما وراءه، ولا هو يسدل من حوله ستارا لا نفاذ من خلاله.
أمام هذا الموقف، يبدو أن استعراض تاريخ هذه الكلمة قد يساعدنا على تفهم معناها الذي نعنيه بالضبط. ولكن حتى لو فعلنا هذا لما خرجنا بغير نتيجة واحدة، وهي أن مفهوم الديمقراطية قد تغير وتبدل، وأنه في تطور دائم، يستمد حركته التطورية من حركة التطور التاريخي التي لا تني ولا تقف. ففي كل عصر، بل لربما أثناء العصر الواحد نفسه، كان هناك مفهوم للديمقراطية، إن لم يكن مخالفا للمفهوم الذي ساد قبله، فهو على الأقل مغاير له إلى حد كبير.
إن اللفظة اليونانية، وأعتقد أن الذي استعملها أول مرة كان يقصد منها التعبير عن فكرة مثالية، أكثر من التعبير على واقع حي أو على تجربة ممارسة، أو تمكن ممارستها.
إن «حكم الشعب نفسه بنفسه»، وهذا هو المعنى اليوناني الأصلي، أعتقد أنه ما تم ولن يتم في أي عصر من العصور: إن فكرة «الشعب» تستدعي مقابلا لها وهو فكرة «الدولة»، فمن الصعوبة تصور شعب دون نوع من التنظيم يضبط هذا الشعب. ومن الصعب كذلك تصور تنظيم بدون نوع من الجهاز الرابط المنسق. وكيفما كان هذا الجهاز فإنه لا يمكن إلا أن يكون «الدولة» أو مؤسسة قريبة الشبه بها. ثم إن كلمة «حكم» نفسها لا يتحدد معناها إلا إذا كان هناك طرفان: أحدهما حاكم والآخر محكوم، هذا علاوة على الأداة أو الوسيلة التي تجسم العلاقة الضرورية بين هذين الطرفين.
وهكذا فإن تعريف الديمقراطية على أنها «حكم الشعب نفسه بنفسه» هو تعريف لا يمكن أن يوجد له مجال للتطبيق إلا في إحدى تلك «المدن الفاضلة» التي يجد فيها متخيلوها نوعا من الملجأ، هربوا إليه، في متاهات عالم الفكر، عندما لم يجدوا في عالم الواقع أية إمكانية لتطبيق آرائهم ومثلهم.
وفي عهد الرومان، كما في القرون الوسطى، أرى أنه ما كان في مكنة أي شخص عاقل أن ينشد الديمقراطية في معناها الذي ذكرنا «حكم الشعب نفسه بنفسه»! فكل ما يمكن أن يطلبه آنذاك عاشق الديمقراطية أو المناضل من أجلها هو مجتمع لا يقسم فيه أفراد الشعب بصفة رسمية إلى سادة وعبيد، أو إلى نبلاء من جهة، وإلى أرقاء وأقنان من جهة أخرى.
أما في العصر الحديث فإن مفهوم الديمقراطية قد ارتبط بفكرة الانتخاب: فإعطاء الحق في الانتخاب لجميع أفراد الأمة، رجالا ونساء، كان يجسد المعنى الواقعي للكلمة.
غير أن الانتخابات ليست كل ما في الديمقراطية من معنى. نعم إن الانتخابات نوع من الديمقراطية. ولكن ليكون الانتخاب حقيقيا يجب أن يبنى على أسس ديمقراطية! أي على أساس المساواة في الإمكانيات والإمكانات والوسائل، وإلا فإن الديمقراطية التي تهدف إلى انتخاب الشعب لمن يحكمونه لا يمكن أن تسفر إلا عن حكام من فصيلة واحدة، أو بعبارة أخرى، من طبقة واحدة: الطبقة الحاكمة أبدا في ظل أوضاع تفتقر إلى المساواة.
وفي العالم العربي اليوم تعني الديمقراطية أولا الحرية السياسية ليتمكن المواطنون من أداء واجبهم الانتخابي، وتعني ثانيا الحرية الاقتصادية الليبرالية ليتمكن كل شخص، حقيقي أو معنوي، من القيام بنشاطه الاقتصادي حسب وسائله وإمكانياته، دون أي تحديد لمجال حريته وتصرفه، ودون أي توجيه من أي جانب من جوانب هذا النشاط.
والنتيجة الحتمية لهذا النوع من الديمقراطية وهو اللاديمقراطية، ذلك لأن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية هما حرية حقا ولكن لمن يستطيع التمتع بهما. وبما أن التفاوت الهائل بين أفراد الأمة هو الطابع الأساسي للمجتمع الراهن، فإن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية لا يمكن أن يستفيد منهما إلا أولئك الذين يوجدون في «فوقية» المجتمع. وهكذا تؤدي الديمقراطية الانتخابية السياسية والديمقراطية الليبرالية إلى اللاديمقراطية. فطبقة الرأسماليين هم وحدهم الذين في إمكانهم استعمال هذه الحرية، وبالتالي هم وحدهم المتمتعون بحق الحكم في رقاب الشعب، والتحكم في موارده ومقدراته.
وهكذا أيضا، بعد أن كان استبداد طبقة معينة على المجتمع يكتسي طابعا قسريا لا قانونيا، أصبح اليوم بفضل الديمقراطية استبدادا اختياريا يستمد اختياريته هذه من الانتخاب الذي «يتمتع» به كافة أفراد الشعب.
وما هو هذا «الانتخاب» الذي يشكل جوهر الديمقراطية السياسية؟ إن الانتخاب معناه الاختيار: أن يختار الإنسان: معناه أن عدة إمكانات توضع أمامه ليختار منها أيا يشاء.
ولكن هل في إمكان كل فرد من أفراد الشعب أن يختار؟ الجواب: لا، بالتأكيد!
ليختار المرء يجب أن يكون حرا: أن يريد، ويعرف ما يريد، ولماذا يريد، ويملك القدرة على تحقيق هذا الذي يريد!
وهنا توضع علاقة الحرية بالإرادة. وهي علاقة كثيرا ما شغلت بال الفلاسفة والمفكرين. ونحن هنا لن ننساق مع التفكير الميتافيزيقي في هذا الموضوع. وحسبنا أن نقول: إن الحرية تصبح استعبادا واستغلالا إذا كان هناك تفاوت في القدرة على التمتع بها. إن حرية الشعب لا تعني غير الاستبداد والاستغلال إذا كان أفراده يعيشون في أوضاع تتحكم فيها اللامساواة. كيف يكون الفقراء أحرارا جنبا إلى جنب مع الأغنياء؟ كيف يكون الجهال الأميون أحرارا جنبا إلى جنب مع من يملكون السلاح العلمي والتفكير؟ إن الجائع لا يمكن أن يختار لأنه ليس باستطاعته أن يريد إلا شيئا واحدا وهو الخبز. والجاهل الأمي لا يمكن أن يختار لأنه إن تمكن من أن يريد فإنه لا يعرف بالضبط ما يريد، ولماذا يريد، ولا يملك القدرة على تحقيق إرادته.
من هذا نرى أن الديمقراطية تنحل في الأخير إلى المساواة. ولعل هذا هو المفهوم الشعبي للكلمة في أيامنا هذه وفي بلادنا وأمثالنا في البلدان: اسأل رجلا من الشارع: ماذا تعني بالديمقراطية؟ إنه سيجيبك بكلام تلخصه في النهاية كلمة المساواة. المساواة في الحقوق، في الواجبات، في ظروف العيش، في قاعات المحاكم، في دهاليز الإدارة، في أبواب المدارس، في كل شيء. وبعبارة أخرى: إنه يفهم من الديمقراطية ما اصطلح على تسميته بالديمقراطية الاجتماعية، وبالتالي فهو لا يعير كبير اهتمام للديمقراطية السياسية: ديمقراطية الانتخاب والأحزاب.
هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى إلقاء هذا السؤال: هل أصبحت الديمقراطية السياسية عديمة الجدوى، بل وبالا على الشعب؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أن الديمقراطية السياسية (انتخاب الحاكمين) كانت ولا تزال يقصد منها ظاهريا على الأقل الوصول إلى أوضاع ينتفي منها الظلم والحيف والمحاباة، بالتالي تتحقق فيها المساواة: فالشعب، وهكذا يقول أنصارها، عندما يختار حاكميه يفترض فيه أن يختار من يفهمون رغباته وأهدافه، كما يفترض في هؤلاء أن يعملوا وفق تلك الرغبات والأهداف وإلا فقدوا ثقة الشعب، وبالتالي يبعدون من الحكم؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة