شوف تشوف

الجدار الأخير

 

 

 

 

كثيرون لم يفهموا مبادرة نور الدين عيوش، رجل الإشهار وعضو المجلس الأعلى للتربية والتعليم، لتنظيم ندوة دولية حول الحريات الفردية بالمغرب. خصوصا أن مدعوين كبارا، منهم شخصيات حزبية وحكومية، بادروا إلى إعلان مقاطعتهم لأشغال الندوة مستنكرين وضع أسمائهم في لائحة المحاضرين أو المدعوين.

وزير حقوق الإنسان، مصطفى الرميد، من جانبه استبق موعد الندوة وقال إن حرية المعتقد تهدد البلد، علما أن الإسلام لا يكره أحدا على اعتناق تعاليمه، لكن الوزير “الإسلامي” يعرف أن بضاعتهم في الحزب الحاكم هي الدين ولذلك إذا تم سحب هذه البضاعة منهم فسيصاب خطابهم بالإفلاس.

وقبل موعد ندوة عيوش بأيام أعلنت مكتبة آل سعود أنها لن تسمح بعقد الندوة، فنقلها صاحبها إلى فندق، قبل أن يصدر قرار عن وزارة الداخلية بمنعها رسميا.

رد عيوش عبر عنه عندما قال: “بحال هاد المواضيع كتقلقهم ما بغاوش نهضرو عليها دابا”، مضيفا “هاد الشي ولا تايخلعني”.

وهكذا أصبح نور الدين عيوش الذي تأكل منابر كثيرة من يديه مثل الطيور ممنوعا من حرية التعبير ومحاصرا وخائفا.

“حنا اللي كايخلعنا ديال بصح هوا” شبح الطائفية التي بدأت تطل برأسها والتي لا تأتي استجابة لحاجة داخلية بقدر ما تأتي استجابة لأجندات خارجية.

ومن الجيد أن يكون سقف النقاش عاليا في المغرب، وأن تنظم أيام لمناقشة الحريات الفردية في مجتمع اختار، وباسم الدستور، أن يكون نظاما ملكيا يقوم على البيعة، وملكه يحمل لقب أمير المؤمنين، ودينه الرسمي الإسلام، ومذهبه سني مالكي، أحد أكثر المذاهب اعتدالا وانفتاحا. لكن علامات استفهام كثيرة تطرحها سلسلة الندوات هاته التي خرجت من بنات أفكار شخص مثل نور الدين عيوش، الذي لم يكفه تغلغله في عالم الإنتاج، وتوغل ابنه في السينما المغربية، واقتحامه لمنازل المغاربة في رمضان وفِي غيره عبر التلفزيون، ليقدم لهم من أموالهم صورة مشوهة عنهم..

لم يكف نور الدين عيوش التغلغل في عالم التربية من خلال جمعيته زاكورة التي تتولى أيضا تقديم قروض صغيرة لأصحاب الدراهم القليلة، وأيضا قيادته لمشروع فرض “الدارجة” كلغة في التعليم، بل إنه يسعى جاهدا للتوغل في المجتمع المدني أكثر فاكثر.

وهاهو الْيَوْمَ يطلق نقاشا حول الحريات الفردية من مواضيعها العلاقات الجنسية خارج الزواج والحق في التصرف في الجسد وحرية المعتقد.

ليس هذا فقط، فنور الدين عيوش الذي بادر إلى هذه الندوات من خلال جمعية يرأسها باسم مجموعة الديمقراطية والحريات، أصر على دعوة ممثلين لـ”مذاهب” من بينهم من قال إنهم ممثلون لـ”المسيحيين” و”البهائيين” و”الأحمديين” المغاربة، وهنا نخلص النية ونتساءل:

إذا كنا نعرف أنه تاريخيا كان بالمغرب مسيحيون مغاربة قبل أن تندثر الديانة منذ قرون، ويبقي المجتمع المغربي على أغلبية مسلمة سنية مالكية وأقلية يهودية، فلماذا لم يقم عيوش بدعوة ممثلين يهود إلى حلقياته هاته؟

وإذا كان المغرب قد عرف التشيع في فترة ما من التاريخ، ويريد بعض أنصار هذا التيار استرجاع الماضي، فمتى كان بالمغرب بهائيون وأحمديون حتى يتم اعتبارهم من الأقليات التي خرج نور الدين عيوش للدفاع عنها الْيَوْمَ بالذات؟

هل لأن زعيم ما يسمى بالطائفة الأحمدية يعيش بإسرائيل ويفخر بكونه إسرائيليا مسلما، وأن إسرائيل دولة منحته حق ممارسة دينه في الوقت الذي يمنعه المسلمون في الدول المسلمة من ذلك؟

هل لأن زعيم هذه الطائفة في إسرائيل يتفاخر بأنه مسلم مسالم، وتصر إسرائيل على تقديمه لكبار رؤساء دول العالم بديلا لإسلام المسلمين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبكونه رمزا للإسلام الناعم الذي يبحثون عنه؟

وماذا عن المغاربة المسيحيين؟ هل فعلا يتحولون جميعهم من الإسلام إلى المسيحية اقتناعا وعقيدة أم أنهم لا يستطيعون مقاومة إغراء المال، ومنحهم منفى اختياريا هربا من أوطانهم؟

على المغاربة أن يعرفوا أن منظمات مسيحية في بلد مثل أمريكا يحاول أفرادها التواصل مع مغاربة مسلمين ليتحولوا إلى المسيحية، وأكثر من ذلك تدعوهم المنظمة إلى التجمع في أكثر من سبعة أفراد اعتنقوا المسيحية والتوجه إلى القنصلية الأمريكية وطلب “اللجوء الديني”، وهناك تكون المنظمة قد تواصلت مع القنصلية لتسهل عليهم أمر  الحصول على فيزا اللجوء، ويتم نقلهم على نفقات أمريكا إلى واشنطن، وهناك تستقبلهم هذه المنظمة وأخواتها كثيرة في أمريكا وعدد من الدول، تمنحهم الدعم، وتحثهم على استقطاب مغاربة مسلمين وإقناعهم بالتحول إلى المسيحية و”اللجوء الديني” إلى أرض الأحلام.

ولا يتوقف الأمر هنا، بل تعمل هذه المنظمات على تقديم هؤلاء المغاربة بوصفهم لاجئين فروا من اضطهاد مجتمعهم المسلم إلى أمريكا الحرة، فتصدر تقارير من أمريكا ودول أخرى تضغط على المغرب وتدعوه لإبداء “التسامح” مع هذه الأقلية الدينية، وتذكره أنه وقع على حرية العقيدة في مجتمعه، وعندما يتأخر المغرب في التجاوب، تعمد إلى إصدار تقارير تنبه رعاياها من السفر إلى المغرب، وتحذر من كون المغرب بلدا غير آمن وغير حر.

واضح أن شيئا ما يحدث في المغرب يراد به شيء وحيد، تغيير معالم المجتمع المغربي، وهنا نستحضر كل تلك المواقع الإخبارية التي يديرها من أمريكا بتمويل من البنتاغون صحافيون مغاربة، ويصرون على تقديم صورة عن المغرب المنغلق من خلال التركيز على الحديث عما يسمونه حقوق ومعاناة الأقليات الجنسية والدينية.

ولعل إحدى أهم النصائح التي يجب على المغرب دولة وحكومة وشعبا أن ينصتوا إليها ويهضموها جيدا تلك التي يقدمها مفكر يهودي يعيش حالة حصار واضطهاد من طرف الصهيونية العالمية اسمه جاكوب كوهين.

نصيحة هذا المطلع على خبايا الخطط والخرائط والدسائس التي تحاك في الخفاء ضد دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي أن خلاص هذه الدول، ومن ضمنها المغرب، هي العودة إلى جذور هويتها والتشبث بها، فهي الخلاص الوحيد الذي لديها وسط هذا العالم المليء بالوحوش الكاسرة.

ولقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن المغرب ليس له أصدقاء ولا حلفاء في الغرب الأوربي أو الأمريكي، وحتى العربي.

لذلك فليس أمامنا من خيار للحفاظ على كياننا ووجودنا وسط هذا الإعصار العاتي الذي يوشك أن يبتلعنا سوى الحفاظ والدفاع عن ثوابت المملكة، الله الوطن الملك، والعودة إلى هويتنا الدينية الأصلية التي صنعت مجد هذه الإمبراطورية التي كانت حدودها في نهر السينغال قبل أن تقسمها الأطماع الإمبريالية، التي، وَيَا للمصادفة العجيبة، هي نفسها التي تعود الْيَوْمَ لكي تحوم حول رؤوسنا مستعملة وجوها وخطابات رنانة تختفي وراء قناعاتها أهداف استعمارية.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق