GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الحاجة أم «الاقتراع»

عندما يقودك فضولك الصحفي لحضور جمع عام فريق لكرة القدم يحمل صفة «فريق محترف»، ستقف على مدى الاحتراف الذي يمارسه رؤساء هذه الفرق، لتمديد مقامهم على كراسي المسؤولية. فهم يستهلون الجمع بآيات بينات من الذكر الحكيم وينهونه ببرقية ولاء، وحين تبحث عن الديمقراطية تكتشف أنها ممنوعة من ولوج بوابة القاعة من طرف الأمن الخاص لعدم الحاجة إليها في الوقت الراهن.
يبكي الرؤساء طيلة الموسم الكروي على حائط الجامعة، يذرفون دموع الخصاص يتوعدون جامعة تمارس السخاء باليمنى وتحمل باليسرى عصا لمن يعصى، يقسمون بأغلظ الأيمان على الاستقالة والمغادرة الطوعية، وحين يزحف موعد الجمع تجرفهم جاذبية المنصب فيجففون الدموع ويعلنون ترشيحهم لولاية أخرى. ولأن جامعة فوزي لقجع نادت بالحكامة وهددت بالضرب على يد العابثين بالمال العام، فإن رئيسها الذي يعتبر المؤتمن على ميزانية المملكة، سرعان ما ابتلع وعده ووعيده، ومارس سخاء غير مسبوق في تاريخ الكرة المغربية، وحين ذكره أحد مستشاريه ببرنامجه الانتخابي أغرقه في بحيرة الامتيازات فابتلع لسانه وأعلن توبة نصوحا.
في كرة القدم المغربية، يمكنك أن تصرف ملايين الدراهم دون الحاجة إلى ضوابط محاسباتية، ودون الحاجة إلى سمسرة عمومية، فقانون الصفقات معطل إلى أن «يفش» الله الكرة الراكضين وراءها، لذا كان الرئيس الجديد الذي يؤمن بالقول المأثور «دهن ليه حلقو ينسى اللي خلقو» ويستنزف كل يوم ما تبقى من احتياطي مالي، ويتعامل مع المال العام بمنطق الصدقة ولسان حاله يقول: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب..». ولأن أعضاء الجامعة يستحقون صفة «العاملين عليها» فقد نالوا حصتهم من سخاء مدير الميزانية وهم يرددون «الخولفة» أي «الله يخلف».
قبل أن يكمل ولايته صرف لقجع حوالي 60 مليار سنتيم فقط، أي ما أنفقته جامعة كرة القدم منذ نشأتها غداة الحصول على الاستقلال، وهو رقم مرشح للانتفاخ كبطون كثير من مسؤولي جامعة كرة القدم.
من نجا من الاعتقال في جامعة المهدي بلمجدوب فهو آمن إلى يوم يبعثون، ومن نجا من المؤامرة في جامعة الحسين الزموري فهو «مرضي الوالدين» ومن لم يحصل على مأذونية في عهد إدريس باموس فسيظل مدى الدهر يجتر ندمه، ومن لم يشغل أفراد عائلته في سلك الدرك الملكي خلال ولاية حسني بن سليمان فسيطارده الندم إلى أن يلقى ربه متأبطا طلبات الشغل، ومن لم يحصل على توصيلات الماء والكهرباء بالمجان في فترة ولاية الفاسي الفهري فسيعيش في ظلمة وعطش، ومن لم ينفخ رصيده أثناء ما تبقى من ولاية لقجع، فاعلم أن المطاف سينتهي به في طابور الراغبين في بطاقة «راميد».
لذا تقول التسريبات القادمة من مقر الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إن طلبات الدعم المالي التي يتوصل بها مكتب لقجع يوميا، تفوق طلبات المساعدة التي تتوصل بها نسيمة الحقاوي، وزيرة التضامن، لذا لن نستغرب إذا فكرت جامعة الكرة في توزيع المحافظ المدرسية والمقررات التعليمية وأكباش العيد على الذين توسموا في الرئيس الدعم والمساندة من مسيرين ومدربين وسماسرة وصحافيين، وأيقنوا أن الرجل مؤمن بأن السائل لا ينهر، واعتبروا مقر الرياض ملحقة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. لكن لا أحد يستطيع أن يواجه الرئيس بما تحقق وما لم يتحقق من برنامج عمله الذي وزعه على الصحافيين وأتباعه من المسيرين، كما توزع قفة رمضان، ولا أحد تجرأ على استفسار الرئيس عن سر اختفاء الحكامة وأخواتها، وتكرار مشاهد جموع عامة تستحق أن تتحول إلى «سيتكومات» لما تحفل به من سخرية. لقد ضرب لقجع في أحد فنادق الدار البيضاء طاولة الاجتماع بقبضته، وقال: «انتهى زمن التسيب»، وحين انتخب رئيسا ضرب بقبضته مرة أخرى، وقال: «فوق طاقتك لا تلام»، فأوهمنا بأنه كان يهم بقطع شجرة الفساد، لكن تبين له أن الفأس لن ينال من جذع الشجرة، لأن لا أحد من الأغصان تبرع ليكون مقبضا للفأس.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة