GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الحرس الثوري يهدد السعودية.. لماذا هذا التصعيد الإيراني؟

تشهد العلاقات السعودية الإيرانية هذه الأيام أعلى درجات التوتر، وسط تهديدات متبادلة بالانتقام العسكري على أرضية أزمة حجاج منى، والصراع في كل من سورية واليمن والعراق، وباتت احتمالات الانتقال من حرب بالنيابة (By Proxy) إلى صدام مباشر، واردة أكثر من أي وقت مضى.
جاء التدخل العسكري الروسي في سورية لدعم الرئيس بشار الأسد ونظامه من خلال قصف مكثف لتجمعات المعارضة السورية، معتدلة كانت أو متشددة، وإدانة السعودية له بشدة، ليصب المزيد من المازوت على نار التوتر، ويعزز فرص الصدام، خاصة إذا ما حاولت القيادة السعودية تكرار الدور الذي لعبته في مطلع الثمانينات من القرن الماضي في حشد المجاهدين السنة وتعبئتهم وتسليحهم لقتال السوفييت في أفغانستان، وطبقت السيناريو نفسه في سورية، حسب العديد من التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام سعودية وخليجية.
ولا بد من الاعتراف بأن التهديدات الإيرانية ضد السعودية هي الأقوى والأعلى صوتا، والأعنف لغة، وتحاول توظيف كارثة الحجاج في مشعر منى، كأرضية في هذا التصعيد، لحشد الشعب الإيراني، وتعبئته خلف أي صدام مع السعودية، بسبب حالة الغضب الشديد التي تسود أوساطه تجاه كارثة الحجيج.
اللواء محمد علي الجعفري القائد العام للحرس الثوري الإيراني، والرجل الأقوى في إيران بعد المرشد، قال في تهديدات صدرت عنه السبت «إن الحرس الثوري مستعد لتوظيف جميع قدراته لتوجيه رد سريع وعنيف، في أي زمان ومكان، ضد آل سعود، بسبب كارثة منى، واسترداد حقوق الحجاج الإيرانيين الضحايا، وتحقيق طلب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي».
وكان المرشد الإيراني الأعلى نفسه هدد في الأسبوع الماضي «برد عنيف وقاس في حال أساءت السعودية للحجاج»، وطالبها بأن تتحمل مسؤوليتها عن حادثة التدافع في منى، داعيا إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن الدول الإسلامية».
العميد مقتدى قرباني المقرب جدا من الجنرال قاسم سليماني رئيس فيلق القدس، ورئيس تحالف الثورة الإيرانية، ذهب في تهديداته للسعودية إلى أبعد من الجميع عندما قال «إن ألفي صاروخ جاهزة لضرب السعودية إذا أصدر مرشد الثورة أوامره بالتنفيذ».
في المقابل تلتزم القيادة السعودية حالة من الصمت إزاء هذه التهديدات، وباستثناء مقالات شرسة تهاجم إيران وتتهمها ببذر بذور الفتنة الطائفية، وتطالب بالتصدي لها، كان تصريح السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، الذي أدلى به على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعاد فيه تكرار تصريحاته حول حتمية رحيل الرئيس الأسد من خلال حل سياسي أو مواجهة «الخيار العسكري»، كان هو رد الفعل الرسمي السعودي الوحيد، ولم تصدر أي مواقف سعودية، على لسان أي مسؤول، تطالب بضرب إيران مما يوحي بأن هناك تعليمات واضحة في هذا الصدد من جهات عليا.
هناك تفسيران لهذ التصعيد الإيراني المتصاعد واللغة غير المسبوقة التي تتسم بها التهديدات المرافقة له:
الأول: أن تكون إيران جادة فعلا في توجيه ضربات ضد المملكة، بعد أن وجدت نفسها في موقع صعب بعد عدم قدرتها على نصرة حلفائها في اليمن (الحوثيين)، وباتت موازين الحرب في سورية تميل إلى صالح تحالفها، بعد تدخل الروس عسكريا، وتعزيز وجود النظام السوري، الأمر الذي يخفف الضغوط عنها في الملف السوري بدرجة أكبر، والعراقي بدرجة أقل، ويحقق لها حرية أكبر في الحركة سياسيا وعسكريا.
ثانيا: أن يكون هذا التصعيد يهدف إلى ممارسة ضغوط على السعودية لدفعها إلى المزيد من الشفافية في مسألة التحقيقات في وفاة 464 حاجا إيرانيا بينهم مسؤولون كبار، وتقديم اعتذار رسمي عن هذه الكارثة وتعويضات لأسر الضحايا، لأن إيران، ومهما صعدت، من الصعب أن تدخل في حرب مباشرة لمعرفتها لحجم الخسائر المتوقعة، حتى لو كان الانتصار حليفها، وهذا ما يفسر سياسة ضبط النفس في اليمن، والحد الأدنى من التدخل المباشر في سورية.
من الصعب ترجيح أي احتمال على الآخر، لكن يمكن القول أن قيادة إيران «مجروحة» بل و«محرجة» أمام مواطنيها بسبب كارثة الحجاج وارتفاع عدد ضحاياها، وتزايد الحديث عن روايات عديدة من بينها وجود «تعمد» أو «مؤامرة» لقتل هؤلاء، و«خطف» بعضهم، وهذا البعض يضم قيادات في الحرس الثوري والجيش والأمن، وإحدى الروايات، أو بالأحرى الشائعات، راجت بقوة عن احتمال وقوف قوى خارجية خلف عمليات الخطف هذه، ولعب غياب الشفافية في التعاطي السعودي الرسمي مع مسألة «المفقودين» دورا ملموسا في تغذية هذه الشائعات».
القيادة السعودية تواجه هذه التهديدات الإيرانية وحدها تقريبا، وفي ظل غياب حاضنة رسمية عربية قوية لها، وباستثناء الدعم القطري التركي، فإن معظم الدول العربية تلتزم حالة من اللامبالاة، ولعل التصريحات التي أدلى بها السيد سامح شكري وزير خارجية مصر، التي قال فيها «إن الغارات الجوية التي تشنها روسيا في سورية ستساهم في محاصرة الإرهاب والقضاء عليه»، هي المثال الأبرز على ما نقول، والموقف المصري هذا يتناقض كليا، بل ويتصادم، مع موقف «الحليف» السعودي، وهناك أنباء حول اتخاذ كل من الأردن والإمارات الموقف المصري نفسه، تجاه تطورات الوضع في سورية، والتدخل العسكري الروسي.
اضطرابات الوضع الداخلي في السعودية تصب في مصلحة التهديدات الإيرانية، فلا يمر أسبوع دون أن تكشف قوى الأمن السعودية عن خلية تابعة لـ«الدولة الاسلامية» تخطط لأعمال قتل وتفجير، وكان آخرها يوم أمس عندما فككت خلية تابعة لـ«الدولة الاسلامية» يتزعمها مواطن سوري وفلبينية مسلمة، تصّنع الأحزمة الناسفة، وتنشر صحف بريطانية وأوروبية بشكل مكثف هذه الأيام رسالة منسوبة إلى أحد أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، تتحدث عن وجود حالة من الغضب في أوساط الأسرة الحاكمة تجاه السياسة الخارجية لبلادها، والتدخل العسكري في اليمن على وجه الخصوص، وتطالب بتغييرات على مستوى القمة.
بالون التوتر بين السعودية وإيران يتضخم يوما بعد يوم وينتظر «المفجر»، وقد يأتي على شكل حادثة صغيرة في اليمن، على غرار تلك التي تمثلت في اعتراض قارب صيد يمني محمل بالأسلحة إلى الحوثيين، أو إقدام السعودية على تزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات الروسية، مثلما زودت، بالتنسيق مع أمريكا، المجاهدين الأفغان بصواريخ «ستينغر» التي غيرت مسار الحرب في افغانستان، وعجلت بانسحاب القوات الروسية.
الموقف خطير جدا، ويتطلب تدخلا ديبلوماسيا لنزع فتيل الاحتقان قبل فوات الأوان، ولكن يبدو أن القيادة السعودية مشغولة في حرب اليمن وتداعياتها، بحيث لم تعد قادرة على بلورة سياسة أكثر عمقا، وقدرة على رؤية المشهد بصورة أكثر شمولا، وتميل أكثر للحلول العسكرية لا الدبلوماسية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة