GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

الحسن الأول.. السلطان الذي مارس سلطاته وهو ميت

الحسن الأول.. السلطان الذي مارس سلطاته وهو ميت

في التاريخ الرسمي وغير الرسمي يحضر الموت دون أن ينفيه المؤرخون لأنه قضاء وقدر، إذ نقرأ في بطون أمهات الكتب حكايات اللحظات الأخيرة من حياة السلاطين والملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب منذ قيام دولة الأدارسة فنوقن بأن الموت لا يعترف بالملك والجاه.
ظل الموت حاضرا في مسار رجال حكموا المغرب، وتربص الفناء بالدول التي حكمت المغرب والحضارات التي استوطنت هذا البلد. وشاءت الأقدار أن يكون موت أول سلطان وهو ادريس الأول بشكل غير طبيعي، إذ دشنت الدولة حكمها بمؤامرة قتلت الحاكم حين استنشق سما اعتقادا منه أنه عطر مشرقي. وقبل الوفاة أيقن أن هارون الرشيد يجيد الانتقام عن بعد وأن آلاف الكيلومترات الفاصلة بين بغداد ووليلي لا تكفي لطي صفحة الخلاف. ومات عبد الله بن ياسين وهو يداوي جراحه من معركة ضد البورغواطيين، وقضى المنصور الذهبي أيامه الأخيرة يهدي بعد أن داهمه مرض الطاعون، وتكتم الصدر الأعظم باحماد على وفاة السلطان الحسن الأول وظل محمولا في دابته على هودج وهو ملفوف في كفن، من تلال الرحامنة إلى عاصمة ملكه، وكلما مر الموكب من قرية إلا وجدد سكانها الولاء لسلطان صعدت روحه إلى السماء.
كان السلطان الحسن الأول يحكم البلاد بقبضة من حديد، وكان رحمه الله حريصا على ركوب حصانه ليجوب المناطق متجاوزا الحكم السلطاني من عاصمة حكمه، وكانت الظرفية التاريخية التي حكم فيها البلاد تتميز بالكدمات نتيجة خسارة المغرب في معركة إيسلي أمام فرنسا ومعركة تطوان أمام الإسبان، مما حتم على السلطان الرضوخ لمضامين اتفاقية مؤتمر مدريد. في ظل هذه الوضعية الاقتصادية والسياسية المتردية كان مولاي الحسن يفوض الكثير من اختصاصاته لحاجبه السلطاني باحماد الذي حظي حينها بمكانة خاصة عند الحسن الأول. وهي الحظوة التي ستظهر قوتها عندما أسلم السلطان الروح لباريها في شتنبر 1894، عند مشارف منطقة الرحامنة التي توجه إليها من أجل وقف حركة تمرد وعصيان.
ومن خلال كتابات الصحفي الإنجليزي والتر هاريس، فإن ظروف وفاة الحسن الأول قد كشفت عن جهود الحاجب با حماد، من أجل إبقاء خبر الوفاة سرا، حتى يتسنى له تنصيب المرشح الذي يريده على العرش. «توفي الحسن الأول في خيمة محاطة بحائط من قصب، ولم يكن يسمح بالدخول سوى للقلة القليلة من الثقاة. ولم يكن يعلم بخبر الوفاة سوى بعض من عبيد الحاجب با حماد. فصدر أمر يقول مضمونه إن السلطان، وليس باحماد، قرر التحرك باكرا، قبل الفجر في اتجاه عاصمة الملك، فتحرك الموكب الملكي بعدما وضع في داخله السلطان وأغلقت دونه النوافذ وأنزلت الستائر. وفي الساعات الأولى من الصباح، حمل الهودج إلى الخارج، محمولا على ظهور بغال قوية. فعزفت الموسيقى ودقت الطبول وأطلق العبيد النداء المعتاد: «الله يبارك في عمر سيدي». تشكل الموكب السلطان، وبمحاذاة الهودج وكانت قوات الحرس تسير كالمعتاد، ليتبين أن السلطان الميت يمارس سلطاته.
تعددت الروايات حول المرض الذي فتك بالسلطان، وقيل إنه داء «النقرس» وهو مرض معروف منذ القدم، يسمى بداء الملوك في العصور الوسطى في أوروبا وذلك لإفراط الملوك والأغنياء في ذلك الوقت في تناول اللحوم الحمراء والمشروبات التي تؤدي بدورها إلى هذا المرض. وهو أقرب في أعراضه إلى مرض «هشاشة العظام» إذ يبدأ عادة بنوبة التهاب حاد في إصبع القدم الكبير أو مفصل القدم على شكل ألم شديد مصحوب بانتفاخ واحمرار. بعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة تكرار هذه النوبات الحادة في القدمين ومفاصل أخرى كالركبتين واليدين. في حالة إهمال هذه النوبات المتكررة وعدم العلاج يتطور المرض إلى المرحلة الثالثة المزمنة والتي تؤدي إلى التهابات مزمنة في المفاصل الطرفية وتشوهات وبروز كتل من حمض البول تحت الجلد بمحاذاة المفاصل المتأثرة.
تجمع الروايات التاريخية على أن جثة الراحل قد تم غسلها ولفها في كفن في منطقة البروج بقبائل بني مسكين الغربية، فيما أعلن الحاجب با حماد أن السلطان يحس بتعب وأنه لن يتوجه إلى ما كان مقررا له من أجل مباشرة أمور السلطنة في قاعة المجلس السلطاني، وأنه كالعادة كلف حاجبه بالنيابة عنه في ذلك، وأن القرارات بعد التصديق عليها ستصل للجهات المعنية بها. لكن أمر وفاة السلطان لم يكن ليظل في السر وقتا طويلا. بعد يومين، أعلن الحاجب باحماد خبر الوفاة، وأنه تمت مبايعة ابن السلطان مولاي عبد العزيز سلطانا جديدا، باختيار من والده الراحل، وسارع الرسل إلى إبلاغ القرار إلى جهات المغرب، بعد أيام من الوفاة الفعلية في الرحامنة.
وطرحت العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت للحسن الأول يد في انتقاء وريث عرشه مولاي عبد العزيز، وهو أصغر أبنائه، ضدا على إخوته، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون شكلا من الانقلاب قاده الحاجب باحماد. يقول المؤرخ عبد الله العروي: «لقد عين الأمير عبد العزيز، بشكل غير مباشر وليا للعهد في أواخر عهد والده، من خلال أمور ذات رمزية، مثل إرساله في مهام خاصة وحركات، مثل منحه المظلة السلطانية، مثل تخصيص حاجب له. وذلك بدلا من شقيقه الأكبر امحمد، الذي لم يكن تقيا ورعا تماما»، مما أثار حينها ردود فعل سلبية من قبل الأمراء، وخاصة مولاي امحمد الذي كان واليا على فاس، فـ»قرر مغادرة فاس مرفوقا ببعض أتباعه، من أجل تجميع جنده، وحوصر بمبعوثي با حماد، وبموافقة من شقيقه مولاي عبد العزيز تم اعتقاله بمكناس، ولن يخرج من مكان إقامته حتى توفي الحاجب با حماد سنة 1900 ميلادية».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة